Pages

May 27, 2017

!...التخدير على الطريقة الألمانية

أنيس الباشا



مستشفى UKE في هامبورج

قبل بضعة أسابيع اضطررت لإجراء عملية جراحية، وطبقا للقوانين الصارمة في ألمانيا فإنه لابد في مثل هذه الحالات أن يتم شرح وتفصيل كل شيء بحيث يعرف الشخص المقبل على أي إجراء طبي كل ما يمكن أن يحدث له منذ بداية الأمر وحتى نهايته.. وهو أمر لو نظرنا إليه مبدئيا لوجدناه ايجابيا ويدعو إلى الاعجاب والاحترام بكل تأكيد، لكن كثرة المعلومات أحيانا لا تبعث على الاطمئنان بل تجلب معها ايضا الكثير من الارتباك والقلق وعدم الارتياح!

في البداية ..عندما يتوجب على شخص ما أن يجري عملية جراحية صغيرة أم كبيرة في ألمانيا فأن هناك سلسلة من الاجراءات والخطوات المرتبة والمحددة بدقة يجب أن يمر بها هذا الشخص، فبعد أن تنتهي مرحلة الفحوصات الأولية – وهي مسألة أخرى لها اجراءاتها ومراحلها المتعددة - و التي يتقرر على أثرها إجراء العملية من عدمه يتم تحديد موعد للمريض كي يجلس مع الطبيب المختص الذي سيقوم بشرح نوع العملية ومراحلها وما هي المخاطر التي يحتمل ان تحدث اثناءها او بعدها.. ولنتوقف قليلا عند هذه النقطة أي مسألة شرح المخاطر..

لم يسبق لي أن أجريت أي عملية جراحية في حياتي في بلدي اليمن أو خارجه، لكني أعلم بحكم نشأتي هناك أن أغلب الأمور عندنا تقوم على مبادىء لا يمكن أن يفهمها الغربيون وخصوصا الألمان مثل "البركة" و "كل شيء مقدر ومكتوب" و " الله يسهل" وغيرها من المفاهيم التي خلطناها بالدين مع أنها بعيدة كل البعد عنه فالله تعالى أمرنا أن نأخذ بالأسباب، لكن في مجال الطب والاستطباب فكل شيء يسير في اليمن ب "التساهيل" وأنت وحظك ، إذ ليس عندنا وقت لتضييعه في شرح أمور طبية بشكل مفصل كما يفعل الألمان البارعون في عملهم والآخذون بأسباب العلم، فالطبيب عندنا سيكتفي مثلا بالتربيت على كتف المريض المزمع اجراء عملية له وهو يطمئنه ضاحكا بعبارات مطاطة مليئة بالفخر مثل "هذه عملية بسيطة نحن نفعل ما هو أعقد منها" أو " باستطاعتي ان اجريها لك وأنا مغمض العينين ومقيد اليدين" ، أو لو كانت جرعة التدين زائدة عند طبيب آخر فسيردد على مسامع المريض جمل على غرار "لا تخف يا رجل..كل شيء على الله"،  "عيب عليك.. تخاف و أنت مؤمن؟ أيش خليت للكفار؟؟" ، "سنبذل ما في وسعنا لكن لو مت تأكد أنه قدرك الذي لا مفر منه!" ، " لو أصبت بالعته أو حدث لك شلل كامل عليك أن تعرف أن هذا خير يريده الله لك وساقه على أيدينا!"

وهي جمل تصيب أي انسان طبيعي بالرعب ولو توقفوا عن ترديدها لربما كان الوضع النفسي للمريض أفضل.. لكن في ألمانيا فالأمر مختلف تماما، فلابد من أن تعرف وبالتفصيل الممل كل ما ستمر به فهذا حقك الذي يكفله لك القانون، ولا يوجد هنا مجال للإدعاء والتصنع والكذب باسم الله، فالمسألة ترتبط أولا وأخيرا بالأخذ بأسباب العلم والحقائق والأبحاث الدؤوبة والاكتشافات الطبية والعلمية التي لا تتوقف، وقد سبق لي من قبل أن قمت بالترجمة لبعض المرضى العرب و الذين لا يجيدون الألمانية و لا الإنجليزية أثناء قيام أطباء ألمان بشرح أمور طبية لهم قبل اجراء عمليات او فحوص معينة، وكنت ألاحظ مدى الدقة التي يتميز بها الألمان عندما يتعلق الأمر بالطب وصحة الناس.. لذلك كانت عندي فكرة عن هذا الاجراء لكن بالطبع يختلف الامر حين تكون أمام المدفع وليس خلفه..!

 المهم ذهبت في الموعد المحدد إلى المستشفى وقامت الطبيبة المختصة بشرح تفاصيل العملية لي بما في ذلك المخاطر التي يمكن أن تحدث، الطريف في الموضوع أن الأطباء في ألمانيا ملزمون بأن يخبروك بأدنى الاحتمالات حتى تلك التي لا تتعدى نسبة حدوثها الواحد في المليون،  و كطبيعة بشرية فإننا نشعر بالقلق مباشرة حتى لو علمنا ان نسبة حدوث الخطر ضئيلة، فالسؤال الذي يتبادر إلى الذهن عادة هو "ماذا لو كنت منحوسا بما يكفي لأصبح ذلك الواحد في المليون أو حتى في الألف؟"

لذلك فقد كنت استمع ونسبة القلق تتضاعف بداخلي بينما تشرح الطبيبة الامر بطريقة عملية روتينية..هناك احتمال واحد في الالف أن تصاب بكذا أو كذا، هناك احتمال واحد من المائة في العشرة ألف أن يحصل كذا أو كذا..الخ، في الاخير وبعد أن أصبت بالرعب من كل تلك الاحتمالات "الضئيلة" تساءلت هل العملية في حد ذاتها خطيرة؟ فطمأنتني الطبيبة بأنها – عادة- عملية روتينية غير خطيرة يقومون بها بشكل شبه يومي في ذلك المستشفى الضخم.. قلت في نفسي"لماذا إذن جعلتموني استمع لكل هذه المحاذير والاحتمالات التي جعلتني أشعر أنني على وشك إجراء زراعة قلب أو استبدال كبد!" لكني كنت اعرف الاجابة في داخلي..إنه القانون الذي لا أحد يمزح أو يتهاون فيه هنا.. وبعد أن استمعت من الطبيبة إلى كل شيء قمت بالتوقيع على مجموعة من الاوراق التي توضح انهم قد قاموا بشرح كل شيء يتعلق بالعملية لي بما في ذلك المخاطر المحتملة وانني استمعت لكل ذلك ولازلت موافقا على المضي قدما واجراء العملية في موعد معين اتفقنا عليه آنذاك.. وكل شيء هنا يجب أن يتم توثيقه وتثبيته ويجب أن تضع توقيعك عليه، وتم اعطائي نسخة من جميع الاوراق..

في الايام التالية ذهبت الى المستشفى في أوقات مختلفة بحسب المواعيد التي تم اعطائي اياها وذلك من أجل عمل فحوصات مختلفة – كل هذه الاجراءات يجب أن تتم قبل موعد العملية- لكن الموعد الذي بدا مهما وسط هذا كله هو موعدي مع طبيب التخدير الذي سيشرح لي – بالتفصيل- مسألة التخدير التي سأمر بها أثناء العملية..لم أكن قلقا بشأن التخدير لأنني اعتقدت انه سيكون تخديرا موضعيا لكن حين جلست مع طبيب التخدير فوجئت بأن التخدير سيكون عاما أي أنني لن أشعر بأي شيء أثناء العملية، قلت في نفسي لا بأس ربما كان هذا أفضل..صحيح انني لم أجري اي تخدير عام في حياتي لكني رأيت مشاهد التخدير هذه مئات المرات على شاشة التلفزيون هذا بافتراض الدقة في مخرجي الأفلام والمسلسلات..فكرت أنه على الاقل لن يكون التخدير في خطورة العملية نفسها..

لكن المسألة لم تكن بتلك السهولة التي تصورتها، فقبل أن أجلس مع طبيب التخدير المختص استقبلتني ممرضة أعطتني جهازا لوحيا حديثا من نوع آيباد عليه استبيان شامل وعلي أن أجيب على كل النقاط الواردة فيه قبل ان أجلس مع طبيب التخدير، استغرق مني الامر بعض الوقت لان الاسئلة كانت كثيرة ومتنوعة وبعضها يطلب منك بيانات حتى عن التاريخ المرضي لعائلتك وما اذا كان احدهم قد واجه مشكلة اثناء تعرضه للتخدير..حتى توقعت أن أجد أسئلة على غرار "هل سبق لزوج خالتك أن أصيب بصداع نصفي؟" أو " هل يعاني والد جدتك من حساسية تجاه الكورتيزون؟"..لكن كثرة الاسئلة و تنوعها ودقتها أشعرتني أن المسألة جادة للغاية وليست مجرد روتين على غرار "سنقوم بتخديرك بمادة الأوكسينتليسيون وعلى الله تصحى بعدها"..

أنهيت الاستبيان ثم تم إدخالي إلى غرفة الطبيب وقمنا أولا بمراجعة كل الاجابات التي قمت بملئها في الاستبيان عبر الآيباد ثم بدأ هذا الأخير يشرح لي اجراءات ومراحل التخدير وعندها أصابني هلع أنساني كل شيء يتعلق بالعملية نفسها التي يجب أن أجريها.. فبالطريقة الألمانية الدقيقة شرح لي الطبيب بالتفصيل وبكل جدية كل ما سيحصل لي بدءا من وضع قناع الأوكسجين على الأنف وحتى لحظة الإفاقة من التخدير في غرفة الإفاقة..

 لكن ما بين البداية والنهاية هناك العديد من التفاصيل و "المخاطر" القليلة أو النادرة التي تجعل أي شخص يصاب بالقلق..ولو أن الطبيب اكتفى بأن يخبرني بأنه سيتم تخديري بشكل عام وأنني سأفيق بعدها وأن كل شيء سيكون على ما يرام لما اهتممت بالأمر كثيرا.. لكنه استفاض في شرح ما سيجري مع الاشارة لكل خطر يمكن ان يحدث ولو كان بنسبة تافهة!  فعلى سبيل المثال أخبرني الطبيب أنه قد يحدث أثناء تركيب قناع الأوكسجين أن يضطر الأطباء لوضعه بسرعة وقوة حتى لا يفقد المريض التنفس بسبب غيابه التام عن الوعي وقد يتسبب تركيب القناع آنذاك بخلع بعض الأسنان.. "لا تقلق سنقوم بالاحتفاظ بالأسنان ووضعها جانبا كي تجدها جوارك حين تستيقظ!"
أخبرني الطبيب أيضا أنه في حالات نادرة للغاية أثناء ادخال انبوب التنفس إلى مجرى القصبة الهوائية قد يضل طريقه ويدخل بالخطأ بين الرئتين مما قد يسبب ثقبا ما.. لا تقلق نحن مؤهلون ومستعدون لهكذا احتمالات وسيقوم الفريق الطبي فورا بعمل اللازم ل "رتق" ذلك الثقب واجراء جراحة عاجلة لك! قد نقوم بادخال انبوب إلى المعدة لشفط بعض الاحماض وقد يتسبب هذا الانبوب في تهييج أنسجة المرىء أو ثقب جدار المعدة.. لا تقلق نحن في أتم الجاهزية لكل شيء..! 

وهكذا جلست مع الطبيب حوالي ساعة ونصف ونحن نتحدث في كل الامور "المبهجة" التي يمكن أن تحدث والتي لم تخطر ببالي يوما وفي كل سيناريو يطمئنني الطبيب ويخبرني ألا أقلق لأنهم مستعدون لكل الاحتمالات ولأن فريق التخدير الذي سيشرف على العملية مكون من عدة أفراد يجيدون عملهم وكل هذا باشراف البروفيسور فلان رئيس فريق التخدير والبروفيسور علان رئيس فريق الجراحة..

لكن الأمر الطريف كان عندما حرص الطبيب على أن يسألني أنه في حال استدعى الامر تدخلا جراحيا عاجلا لانقاذ حياتي من احد تلك السيناريوهات المرعبة "النادرة" فهل لدي أي تحفظات "دينية" على مسألة نقل الدم؟ ابتسمت رغما عني حينها وأنا اتخيل كيف يمكن ان يكون لدى البعض تحفظات دينية ، تخيل شخص يوشك على أن يموت لكنه يشترط ألا ينقلوا له دما بوذيا مثلا أو يهوديا أو شيعيا ! من حسن الحظ أن كبار المتنطعين دينيا عندنا لم يصلوا إلى هذا الحد بعد وإلا لجعلوا الأمر أصعب على البسطاء والبلهاء الذين يصدقونهم..لكن ربما في القريب يقوم هؤلاء بإصدار فتوى تشترط قبل نقل الدم أن يكون دما سنيا خالصا ولا يكون مثلا دما شيعيا مجوسيا! قلت للطبيب على الفور أنه ليس عندي اي تحفظات دينية لكن تحفظاتي كلها في هذه المسألة "صحية" بحتة.. أرجو ألا تنقلوا لي دما ملوثا بمرض ما لأني حينها افضل الموت على أن أعيش بمرض ما لا ذنب لي فيه!

 وبرغم تطمينات الطبيب في كل مرة إلا انني كنت اشعر بالقلق مع كل سيناريو ويتكفل خيالي الواسع بعمل اللازم لكي أرى نفسي في الاخير جثة ممددة أو وقد أصبت بالشلل أو العته في أحسن الأحوال بينما الاطباء الألمان من حولي يشعرون بالأسف الشديد ويبلغون زوجتي في أسى بأنهم لم يتوقعوا أن أكون منحوسا بما فيه الكفاية لينطبق علي احتمال الواحد في الالف من المليون..! تبا..لماذا لا يطبقون قانون "البركة" و معادلات "التساهيل" في ألمانيا ويكتفون بالقول بأن كل شيء سيكون على ما يرام إن شاء الله؟ لقد شرح لي الرجل حتى مسألة هل سأرى أحلاما أثناء غيبوبة التخدير أم لا.. كما حرص على أن يوضح لي مشاعر الارتباك والضياع والتوهان التي سأشعر بها عند الافاقة موصيا إياي بألا أقلق أو أذعر وأنها ستمر بسلام وسأتذكر كل شيء عن نفسي بعد مضي بعض الوقت..

كان الطبيب يبدو هادئا وواثقا مما بدد بعض القلق بداخلي، وفي الأخير بعد أن وقعت بالطبع على كل شيء وبأنني بكامل قواي العقلية لا زلت موافقا على المضي قدما، شكرت الطبيب على شرحه الوافي والمستفيض وطلبت منه بتهذيب أن يسمح لي بسؤال بعيد قليلا عن البيانات والاحصائيات فوافق على الفور طالبا مني أن أسئل ما بدا لي وألا انصرف إلا بعد أن أشبع فضولي، شكرته وطلبت منه أن يجيبني بصراحة ..هل المسألة مقلقة بالفعل أم أنها أمر روتيني كفكرتنا عنه نحن العامة وكما نراه في الأفلام والمسلسلات بعيدا عن النسب النادرة والاحتمالات الضئيلة المرعبة التي تكفل بشرحها لي؟ أجابني بأن الأمر لا يستدعي القلق وأنه لو كانت زوجته أو طفله أو أحد والديه في مكاني لما شعر بأي قلق لأنهم سيجرون تخديرا عاما، قلت له ان رأيي كان مثل رأيه بالضبط قبل ان يبدأ بشرح الاحتمالات الضئيلة والمرعبة، وانني اعتدت توقع الاسوأ لذا لا يمكنني الا ان اتخيل نفسي في أحد تلك السيناريوهات المخيفة التي ذكرها!

ضحك الطبيب وطمأنني بأنها احتمالات ضئيلة للغاية لكن بحكم القانون فهو مضطر لشرحها لي، وأكد لي أنه وخلال سنوات عمله في هذا المستشفى لم يشاهد أي حالة تخدير حصل معها أي تطورات مقلقة.. قفز خيالي المشاغب حينها ليهمس لي بخبث " لا تقلق.. ستكون أنت إن شاء الله الحالة الأولى التي سيشهدها هذا الطبيب ويحكيها لمن يأتون بعدك"!! لكني هززت رأسي كي أخرس خيالي و أطرد تلك الافكار وشكرت الطبيب مجددا ثم غادرت المستشفى، وفي الايام التالية التي كانت تفصلني عن موعد اجراء العملية قمت بقراءة الكثير عن قضية واحدة فقط ألا وهي التخدير!

نسيت بالفعل كل شيء عن العملية الأساسية والتي يعد التخدير مجرد مدخل لها وانشغلت بقراءة عشرات المقالات عن التخدير ومراحله ومضاعفاته وسلبياته و...و.. قرأت عن مسألة الاحلام ووجدتها طريفة بالفعل، تقول الابحاث – الغربية بالطبع- أن 22 % من الناس يحلمون أثناء التخدير.. ترى هل سأكون منهم؟ وبماذا سأحلم بالضبط؟ هل أمر بمرحلة من الأحلام الشفافة التي تهفو فيها الروح وتسمو وتحلق بنعومة في عالم الأوراح؟ هل ألتقي بروح والدي مثلا في الحلم؟ يبدو أن هذه التجربة ستكشف لي عن جوانب روحية بداخلي لم أعرفها من قبل .. ! من ضمن ما قرأت ان هناك تجارب مريعة لأشخاص لم يفقدوا الوعي تماما اثناء التخدير فظلوا واعين لما يحصل لهم لكنهم لا يستطيعون الكلام ولفت انتباه الاطباء الى انهم متيقظون..! وهو سيناريو مرعب بالفعل لم أجرؤ على تخيله..إنه يشبه مشاعر من يتم دفنه وهو حي لكنه لا يستطيع أن يتكلم وينبه الناس إلى أنه لم يمت بعد! وإلى جوار كل هذه المشاعر كان هناك نوع من الفضول..انها اول مرة أفقد فيها الوعي بشكل صناعي في حياتي فكيف سيكون شعوري ما بين تلك الاغماضة ومن ثم عندما أفيق؟ "هذا إذا افقت طبعا يا فالح" كانت هذه الجملة من خيالي الجامح الذي يرافقني طوال الوقت ولا يهدأ أو يكل..

و عندما زادت هواجسي ذهبت لاستشارة جارتي الألمانية - و التي تعمل أساسا كطبيبة تخدير في إحدى مستشفيات هامبورج -  بعد أن استمعت  جارتي إلى الشرح المفصل لنوع التخدير الذي سأمر به سألتها هل عمليات التخدير العام في ألمانيا عادية وآمنة وروتينية بالفعل؟ لأن كل هذه الأوراق والتوضيحات التي أحملها توحي بالعكس! ضحكت جارتي وطمئنتني بأن التخدير العام - بشكل عام - ليس أمرا مخيفا وأن كل تلك الاحتمالات التي صدعوا رأسي بها في المستشفى هي نوع من الروتين المهني يفرضه القانون، وأضافت قائلة  : " إن فرص أن يحدث لك أحد مخاطر التخدير يشبه أن أقول لك أنك قد تصاب بحادث سير حين تقوم بالمشي في الشارع!" و كان ذلك التشبيه ذكيا للغاية فقد جعلني أفكر بأن خشيتي من إجراء العملية بسبب التخدير يشبه رفضي للمشي في الشارع بسبب مخاوف من أن يحصل لي حادث سير، فهل سأبقى في البيت للأبد خشية حدوث ذلك؟!

وأخيرا جاء موعد العملية وذهبنا للمستشفى في الثامنة والنصف صباحا.. كيف تمت العملية وكيف كانت عملية التخدير وما الذي حصل لي قبل وبعد وأثناء تلك المرحلة؟ هذا ما سأتكلم عنه في المقال القادم بإذن الله وحسب "التساهيل"..!


April 30, 2017

!أنت السبب..نعم أنت


أنيس الباشا 

المنطق والعقل يقولان أن الشخص الذي يرتكب الفعل الخطأ يستحق أن يلام عليه، لكن في عالم الواقع فإن الناس في العادة تميل لتوجيه اللوم إلى الضحية وليس إلى الجلاد!

يُسرق من أحدهم شيء ما فيتهمونه بالإهمال واللامبالاة، تتعرض إحداهن للتحرش أو حتى الاغتصاب فتُتهم بأنها هي السبب كونها مصدر فتنة أو أنها لم تتصرف بحكمة، يُفصل أحدهم من عمله بشكل تعسفي فيُتهم بأنه لم يقدم أداءا جيدا أو لم يتقن أصول النفاق، تتعرقل معاملة حكومية لآخر فيلام بأنه لم يدفع رشوة وإلا كان عمله قد أنُجز.. وهكذا تحصل الضحية على النصيب الأكبر من التقريع واللوم بينما الأغرب والأعجب من كل هذا ليس فقط  أن لا ينال الجاني نصيبه من اللوم بل أن يتم تبرئته واختلاق المبررات له في بعض الأحيان!

فعلى سبيل المثال قام النظام السعودي بشن أقذر وألعن حرب في التاريخ القديم والحديث ضد بلد فقير وضعيف مثل اليمن واستقدم المرتزقة من كل مكان وقصف البلد بكل أنواع الأسلحة وفرض حصارا جائرا عليه أوصل الملايين من الناس للمجاعة وسفك الدماء في صالات العزاء وقاعات الأعراس بصواريخ الإف 16 وأشعل حروبا أهلية في كل مكان في اليمن كل هذا تحت مبررات وذرائع واهية لم تقنع حتى من يقفون مع هذا النظام ويدعمون حربه العبثية الفاشلة، وبعد كل هذا يأتي من يقول لك أن السبب هو اليمنيين أنفسهم وليس النظام السعودي..
وقد أفهم أن نلوم أنفسنا كيمنيين بسبب التشتت والاقتتال الداخلي الذي نعيشه – والذي تغذيه أطراف خارجية ومحلية – وبالطبع لو كان هناك نوع من الوعي العام وتغليب المصلحة الجماعية لما كنا نعاني كما نعاني الآن، لكني لا أفهم أن يتم سكب اللوم على اليمنيين وتبرئة من يشن العدوان ويزين سماء البلاد بطائراته الحربية التي تقصف وتقتل وتدمر بلا تمييز منذ أكثر من عامين..

المشكلة أن عقدة تقريع النفس أو لوم الضحية متجذرة في العقلية العربية ، فعلى مدى قرون تم غرس فكرة الشعور بالذنب من منظور ديني خاطىء بعيد كل البعد عن فهم منهج الدين الحقيقي في هذا الجانب، ونتيجة لهذا الفهم القاصر والسطحي فإن تفكير الإنسان العادي يتوجه تلقائيا إلى لوم النفس عند كل مصيبة أو حادث يقع باعتبار أنه المسئول الأول والمتسبب في ذلك، فلو أن نيزكا سقط من السماء فوق رأسك أنت فهذا بسبب أنك مقصر وعابث تخلفت عن صلاة العصر في جماعة أو ضحكت كثيرا قبل شهرين أو قضيت ليلة أمس في متابعة فيلم أكشن مشوق أو غيرها من متع الحياة البريئة التي يصوروها المتنطعون على أنها كبائر وجري ولهث وراء الدنيا..وذلك النيزك اختارك أنت بالذات لتلك الأسباب البسيطة وترك الطغاة والمجرمين الذين ارتكبوا فظاعات وجرائم بحق البشرية بأكملها وتلوثت أيديهم بأنهار من الدماء مثل شارون أو جورج بوش أومحمد بن سلمان أوالبغدادي!

وبهذه العقلية وبذلك التفكير القدري الجبري نتعرض لمآسي كثيرة في الحياة لا ذنب لنا ولا يد فيها لكننا نلام عليها سواء من أنفسنا أو من قبل الآخرين، والمصيبة أن البعض وكنتيجة لشعوره بالظلم الواقع عليه يتجه إلى التنفيس عن غضبه وألمه فوق من هو أضعف منه، وهكذا نسمع عن الأب الذي يضرب أطفاله أو الزوج الذي يهين زوجته ويسيء معاملتها أو الجار الذي يؤذي جيرانه، ومعظم هؤلاء كانوا ضحايا بالأساس لأنواع مختلفة من القهر والظلم من أطراف مختلفة تفوقهم قوة وقدرة ولم يجدوا طريقة للتنفيس عن ألمهم إلا بممارسة الظلم على أطراف أضعف منهم..

ويزداد هذا التوجه للوم الضحية في المجتمعات التي لا يوجد فيها حضور وتطبيق للقانون والعدالة ويعتمد فيها أخذ الحقوق أو رد الظلم على النفوذ والقوة والطرق الملتوية البعيدة عن القانون وأدواته.. ففي هذه المجتمعات يشعر معظم الناس بالخوف ويدركون أن البقاء في مجتمعاتهم هو للأقوى وبالتالي فإن من لا يملك أسباب ووسائل القوة والجبروت يكون هو الطرف المعرض للظلم والاضطهاد وسلب الحقوق، بينما في المجتمعات المتحضرة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون فإن الناس لا تعاني من عقدة لوم الضحية لأن العدالة حاضرة وسيف القانون مسلط فوق رؤوس الجميع وصاحب الحق سيأخذ حقه ليس بالقوة الشخصية أو بالنفوذ وإنما بالعدل والقانون لذا فليس هناك مبرر للوم المجني عليه أو صب الغضب على أطراف ضعيفة لا تستطيع هي الأخرى أن ترد الأذى وتدفع الظلم عنها..

وفي المجتمعات المتخلفة والعربية خصوصا تتكفل عقدة الذنب وربط كل مصائب الحياة بالبعد عن الشعائر والعبادات وبالتالي استحقاق غضب الخالق مما يجعل تفكير الناس يتجه إلى لوم النفس أولا باعتبارها تستحق ما حصل لها بدلا من لوم المجرم أو الجاني او حتى البحث في الاسباب الموضوعية التي أدت إلى حصول الظلم أو المتاعب والمشاكل، أما المجتمعات المتقدمة التي لا تعاني من عقد دينية خاطئة فتتعامل مع المصائب والأحداث بطريقة مختلفة سواء كانت على مستوى فردي أم جماعي، فلو تعرضت فتاة مثلا للتحرش في مجتمع غربي فلن يقم أحدهم بلومها أو انتقادها وتحميلها مسئولية ما حدث انما سيتعاطف الجميع معها باعتبارها ضحية وبأنه في كل الأحوال لم تكن تستحق أبدا أن تتعرض لأي نوع من أنواع الأذى النفسي أو الجسدي، ولو تعرض شخص لأي نوع من الظلم أو الاضطهاد في عمله فالقانون والنقابات في صفه حتى يأخذ حقه ولن يلومه أحد أو يطالبه بتقديم تنازلات غير مقبولة بدعوى الحرص والذكاء..

ومالم تتحرر العقلية العربية من عقدة لوم النفس هذه وربط المصائب الدنيوية بقلة أو كثرة أداء الشعائر ومالم تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات تحترم القانون وتطبقه على الجميع بلا استثناء سيظل الظلم يقع على رؤوس الناس وبدلا من البحث عن الجاني ومحاسبته سنستمر في جلد أنفسنا على اعتبار أننا السبب فيما حصل ويحصل، وستستمر تلك الأم بضرب أطفالها وسيواصل ذلك الزوج إهانة زوجته وسيواصل ذلك الجار إيذاء جيرانه وكل يلوم الآخر بأنه هو السبب!

April 28, 2017

!ابريل، شهر الجنون


أنيس الباشا






يتندر الألمان على شهر ابريل ويرددون مقولة مشهورة عن هذا الشهر تقول: "إبريل يفعل ما يحلو له" أو بالألمانية : 

April April, der macht was er will

ومن يحضر شهر ابريل في ألمانيا يدرك على الفور كم هم صادقون في هذه المقولة!
في المعتاد فإن الطقس في معظم دول أوروبا يسير بوتيرة زمنية تتكرر بين الفصول الأربعة "شتاء – ربيع- صيف- خريف"، ورغم ان هناك بعض الاختلافات والتحولات في المناخ وارتفاع أو هبوط درجات الحرارة أو معدل هطول الأمطار وتساقط الثلوج عما هو معتاد في العقود الماضية، إلا أنه وبشكل عام يمكن القول أن الطقس في ألمانيا يتكرر بطريقة نمطية مرتبة فبعد أشهر الشتاء يأتي الربيع يليه الصيف ثم الخريف وهكذا تتكرر الفصول الأربعة بانتظام وفي أشهر معينة من السنة وهذا الانتظام يعكس نفسه على كثير من نواحي الحياة الاجتماعية والعملية والتجارية في البلاد..

فهناك موسم التخفيضات الصيفي وهناك ايضا موسم التخفيضات الشتوي وأعياد الربيع واجازات الخريف، ويقوم الناس بالتخطيط لنشاطاتهم المختلفة بحسب طبيعة فصول السنة، فالتسوق مثلا يكون في شهر كذا وكذا والزيارات العائلية في شهر كذا والسفر في شهر كذا الخ.

لكن شهر ابريل هو الاستثناء من هذه القاعدة، فهو شهر متمرد بكل معنى الكلمة ورغم أنه من المفترض أن الربيع يبدأ "رسميا" في 21 مارس، إلا أن شهر ابريل لا يمكن تصنيفه انه شهر ربيعي أو حتى خريفي أو شتوي، فهو شهر جميع الفصول الأربعة حيث يتقلب الجو بين الربيع والشتاء والصيف والخريف بطريقة جنونية وبدون أي مقدمات.
 تخدعك الايام الأولى لهذا الشهر التي تصحب معها بعض الجو الدافىء فتتنفس الصعداء وتقوم ب "ركن" وتخزين الملابس الشتوية من معاطف برد ثقيلة وبول أوفرات وأغطية رأس وأيدي وأقدام، وتقبل على الملابس الخفيفة التي تناسب جوا كهذا لتفاجىء بعد بضعة أيام بأنك بحاجة مجددا إلى أن ترتدي "عدة" الشتاء لأن الطقس انقلب ودرجة الحرارة التي كانت 18 أو 19 أصبحت 2 أو 4 أو حتى - 3 !

والمصيبة أن هذا التحول المفاجىء في الطقس قد يباغتك بالفعل وبدون أي سابق إنذار، فقد تفتح النافذة لتجد الشمس ساطعة والسماء صافية والجو يوحي بالدفء ونشرة أخبار الطقس تقول ان الحرارة الآن 15 درجة فترتدي ملابس خفيفة وتخرج بكل حماس ونشوة لتستمتع بهذا الجو في بلد يشهد طقسا ماطرا غائما معظم أيام السنة، وبعد كم ساعة تفاجىء بأن الطقس انقلب 180 درجة وأن الشمس اختفت والسماء تلبدت بالغيوم والرياح هبت والبرودة زادت وفوق هذا كله.... بووووم يتساقط المطر الغزير ليبلل الدنيا من حولك وكل قطرة تسقط كأنها ضحكة يطلقها عليك شهر ابريل وهو يتفرج عليك بملابسك الخفيفة وأنت بلا حذاء مطر ولا مظلة..

والعكس أيضا قد يحدث، فقد تخرج وأنت في كامل استعدادك لجو عاصف بارد ممطر فترتدي ما يلزم وتنتعل حذاء المطر وتحمل مظلتك في يدك وأنت تضحك في أعماقك من أن ابريل لن يخدعك هذه المرة لتفاجأ بعد قليل بشمس ساطعة وجو صحو وحرارة معتدلة تجعل منظرك يبدو مضحكا لكن يعزيك قليلا ان هناك الكثيرين من حولك وهم من أهل البلد لكنهم قد خُدعوا مثلك وانتصر عليهم ابريل مجددا!

ورغم تكرر هذا النمط من الجنون في هذا الشهر إلا أن المرء لا يسلم من أن يُخدع مرة أو مرتين خلال هذا الشهر في كل عام، ففي هذا الشهر العجيب يمكن أن ترتفع درجة الحرارة لتجعلك تصبب عرقا وانت في الخارج وبعد بضعة أيام يمكن أن يتساقط الثلج أيضا! وعندها يمكنك أن تتخيل كيف يبدو منظر شخص يرتدي ملابس خفيفة ويمشي وسط أمطار ثلجية، أو آخر يرتدي معطفا ثقيلا وشال صوفي ويمشي تحت أشعة شمس حارة..لا تضحك عليهم أو تعتقد أنهم حمقى ، انهم ببساطة أناس خدعهم شهر ابريل وضحك عليهم مرة أخرى..

ووسط هذا كله ، تدرك أهمية طريقة لبس الطبقات  layers المتبعة في ألمانيا وهي طريقة عملية وذكية تتمثل في ارتداء عدة طبقات من الملابس بحيث اذا انقلبت حرارة الجو بإمكانك دوما أن تخفف من إحدى الطبقات، فعلى سبيل المثال يمكن ان ترتدي صديريا وفوقه معطف ثقيل فإذا خفت برودة الجو يمكنك ان تخلع الصديري وتكتفي بالمعطف أو العكس، وكذلك الحال مع قطع الملابس الاخرى مثل قفازات الأيدي وأغطية الرأس والأوشحة، والمسألة يمكن تلخيصها في قول المرحوم الممثل سعيد صالح في المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين "كل ما تتزنق..اقلع حاجة"!

نعم ..إنه ابريل شهر الجنون والطقس المتقلب، لكن الناس لا تجن ولا تتقلب بل تعلموا أن يستعدوا وأن يتأقلموا مع فصول السنة ومع تقلبات الجو، فالمنازل تُبنى بطريقة معينة بسبب الأمطار التي تهطل طوال الوقت ولتتوائم أيضا مع تساقط الثلوج، ومياه الامطار يتم تصريفها من الشوارع والطرقات أولا بأول، والملابس والأدوات الخاصة بكل طقس وكل موسم موجودة ومتوفرة وهكذا يستمر الناس في ممارسة حياتهم وأنشطتهم على مدار السنة وخلال شهور العام سواء كانت شهورا عاقلة أم مجنونة..