Pages

August 7, 2026

..خواطر مونديالية

Image from Pixabay



أنيس الباشا 


بعد أن هدأت أصوات التشجيع والهتافات في المدرجات و بعيدا عن أصوات الانفجارات والتوترات التي تشهدها مناطق متفرقة من العالم، فكرت في كتابة بعض الخواطر عن الحدث الرياضي الكبير الذي انتهى قبل أيام..

 

التوقيت الأمريكي المزعج

مثل مئات الملايين تابعت بشغف كبير أحداث ومباريات كأس العالم التي انطلقت في شهر يونيو الماضي واستمرت لمدة 39 يوما كأطول نسخة في تاريخ كأس العالم.

لكن من الأشياء التي عكرت على الكثيرين صفو المتابعة منذ البداية هي مسألة "توقيت" عرض المباريات، فهذه المرة وبعد 31 سنة استضافت القارة الأمريكية مجددا هذا العرس الكروي العالمي مما أجبر كل من يعيش خارج القارة على أن يؤقلم برنامجه اليومي ويتعامل بمرونة شديدة كي يتمكن من متابعة المباريات التي كانت تبث في أوقات غير مريحة مثل الواحدة أو الثالثة صباحا!

 وفي كل مرة أجبر نفسي على السهر أو الاستيقاظ باكرا قبل شروق الشمس من أجل متابعة المباريات كنت أتذكر المقولة الشهيرة - التي ينسبها البعض للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل لكن لم أجد ما يؤكد هذا "حكامنا يضبطون ساعاتهم على التوقيت الأمريكي!"

ففي هذه المرة أجبر الحكام والمحكومين على ضبط ساعاتهم على التوقيت الأمريكي وإن كان طبعا لأسباب مختلفة!

أدفع أولا..

أنا من الجيل الذي تعود على متابعة تصفيات كأس العالم مجانا وعلى القنوات المحلية قبل أن يقرر مسئولو الاتحاد الدولي لهذه اللعبة في العام 2002 أن يحولوها إلى دجاجة تبيض ألماس وليس فقط ذهب!

لا زلت أتذكر كيف كان سحر ووقع تلك اللحظات حين يلتف الناس جميعا بمختلف طبقاتهم الفقير والغني حول ذلك الصندوق المربع الثقيل ذو الشاشة الأنبوبية البسيطة (قبل اختراع شاشات البلازما والكريستال السائل) يتابعون بشغف وقائع المباريات. بالتأكيد لم يدر ببال أحدنا آنذاك أن المسألة ستتحول في غضون سنوات إلى "بزنس" يدر المليارات وأن مشاهدة مباريات كأس العالم ستقسم الناس طبقيا بحيث لن يتابع هذا الحدث إلا من لديه القدرة المادية كي يدفع ويشترك!

ومع الوقت تعقد الأمر أكثر وأصبح موضوع حقوق البث كابوسا حقيقيا ينغص على محبي هذه اللعبة بدرجات متفاوتة، فمثلا أننا هنا في ألمانيا لا يمكننا مشاهدة المباريات الا عبر الاشتراك في باقات أوروبية وليس عربية بسبب حقوق البث! تخيل أن تتابع مباريات ممتعة كهذه وفي الخلفية تسمع صوت المذيع الأوروبي الجاف والخال تماما من الحماس والحياة وهو يعلق على أحداث المباراة الملتهبة كأنه يتلو عليك نشرة التاسعة مساء!

مؤامرة أم متاجرة؟

كأس العالم هذه المرة أثار الكثير من الجدل بسبب الاتهامات بالتحيز ومحاباة فرق بعينها ومحاولة فرض وصولها للأدوار النهائية بأي شكل، وكرد فعل طبيعي اشتعلت مجددا نظريات المؤامرة خصوصا التي تتعلق بإقصاء الفرق العربية أو الأفريقية. في رأيي ان المسألة هنا ليست مؤامرة بقدر ما هي "متاجرة"، فلو فهمنا ان هناك مليارات تنفق في الإعلانات والمراهنات وعلى نجوم وفرق بعينها لانتهت الحيرة والتساؤلات والشعور بالظلم والمحسوبية أو التساؤل نفسه هل هناك مؤامرة أم لا!

لقد فهمنا اللعبة متأخرا لأن البعض بدأ يدرك أن المسألة لم تبدأ في كأس العالم 2026 وانما قبل ذلك، لكن ربما لم ننتبه لذلك بسبب الجرأة واللامبالاة التي شابت أحداث هذه التصفيات خصوصا بعد المباراة الشهيرة والمثيرة للجدل بين مصر والأرجنتين..

ليست مؤامرة بقدر ما هي أموال وحسابات مالية لا تبالي بمشاعر وردود فعل مليارات البشر ممن يعشقون هذه اللعبة وينتظرونها بفارغ الصبر كل أربع سنوات!

 

الوصول للقمة..

يُقال أن الصعوبة ليست في الوصول للقمة بل في محاولة البقاء هناك، من الذكاء أن يعرف المرء متى يصل إلى ذروة النجاح ومتى يجب عليه أن يترك الساحة، لعل هذا الامر بدا واضحا هذه المرة في مسيرة النجم الشهير ليونيل ميسي الذي حظى بشعبية وتسلق سلم المجد ليصل إلى ذروته حين استطاع ان يصل بفريقه إلى نهائي كأس العالم 2022 ومن ثم الفوز بالكأس..

كانت هذه الخاتمة مناسبة جدا وكافية كي يعتزل ميسي ويترك القمة لكنه أصر على البقاء هناك لدوافع وأسباب لا نعلمها – ربما كانت نظرية المتاجرة من بينها – وفي البداية سارت المجريات في صالحه وصالح فريقه رغم كل الانتقادات والاحتجاجات، لتأتي المباراة النهائية والمواجهة الحقيقية التي كشفت حقيقة هذا الفريق ونجمه الذي لم يبرز خلال المباراة كما تعود أن يفعل لتنتهي المباراة بفوز مستحق لأسبانيا، ولم ينتهي الأمر بهذه الطريقة حين قام أفراد من منتخب الأرجنتين بالتعدي والضرب على الفريق الآخر كأنما أرادوا تأكيد الانطباع السلبي الذي خرج به الجميع عنهم!

نعم.. من الجميل ان يصل المرء لقمة وذروة النجاح لكن عليه ان يكون ذكيا كي يدرك متى يتوجب عليه التوقف والاكتفاء بما حققه!

May 20, 2023

!... أنه القانون يا سادة

 


صورة تعبيرية من موقع بيكسابي


أنيس الباشا


 

دائما حين أتجول في شوارع أي مدينة ألمانية تستوقني دائما بعض المشاهدات التي ربما تمر على أهل البلد مر الكرام لكن وقعها مختلف علي أنا القادم من بلد أخر وثقافة مختلفة تماما. فمثلا يسترعي انتباهي أن جميع المحلات التجارية والبنوك ومراكز التسوق حين ينتهي الدوام فيها تُغلق بأبواب زجاجية فقط ويستطيع من يمر جوارها أن يشاهد كل شيء بالداخل، ومع ذلك نادرا ما تحصل حوادث سطو أو نقرأ عن محاولة اقتحام أو كسر لتلك الحواجز الزجاجية، وطوال السنوات التي عشتها هنا لم أسمع أو اقرأ عن حادثة سطو واحدة في المدينة التي أعيش فيها.

هناك أيضا منظر يستحق الوقوف عنده وهو عندما يرغب المرء في تزويد مركبته بالوقود فيتوقف في أي محطة للوقود ويقوم بملء خزان السيارة بنفسه ثم يتوجه إلى المحل الملحق بمحطة الوقود وهناك يُعلم الموظف أو الموظفة برقم الخزان الذي استخدمه ومن ثم يقوم بدفع المبلغ المطلوب! هكذا وبدون أن يكون هناك أي حراسة أو موظف يراقب أو يشرف على العملية، أما من يفكر في تعبئة الخزان ومن ثم المغادرة بدون الدفع فكل ما على إدارة المحطة فعله هو الرجوع إلى كاميرات المراقبة وإبلاغ رقم السيارة إلى الشرطة التي ستقوم بعملها وتفرض على الهارب الدفع مع الزامه بغرامة أيضا!

من المشاهد الأخرى التي تستوقفني هي حين أرى نساء وفتيات يتجولن في أوقات متأخرة في أحياء وشوارع المدن، البعض منهن يركب الدراجات الهوائية او يسير على قدميه في أمان وسلام. أما في أوقات الحر فتخرج المرأة هنا مرتدية ما تشاء من لباس يُظهر أكثر مما يستر، أما الشواطئ فحدث ولا حرج، ومع ذلك فحوادث التحرش تكاد تكون معدومة، والمرأة تخرج وتسير وتلبس وتمارس حياتها بحرية وأمان.

أبضا فيما يتعلق بقواعد المرور، لاحظت أن غالبية الناس تلتزم بهذه القواعد ولا تخرقها في العادة.

هل نحن نتكلم عن المدينة الفاضلة؟ قطعا لا، فهناك بالتأكيد مجرمون وأوغاد و مخالفون للقانون والقواعد في كل المجتمعات الإنسانية ولا توجد على الأرض مدينة تقطنها الملائكة، والواقعة الشهيرة التي حدثت في مدينة نيويورك الأمريكية في سبعينات القرن الماضي معروفة حين انقطع التيار الكهربائي لخمس وعشرين ساعة فقط حصلت خلالها حوادث نهب وتخريب لا تصدق!

إذن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يجعل بعض المجتمعات في الظروف العادية أكثر أمانا والبعض الآخر لا؟

قد يجادل البعض ـ خصوصا من ينتمي للثقافة الشرقية العربية ـ بأن الإجابة هي في "الدين"! الدين والتدين هما مقياس الأخلاق وصمام الأمان للمجتمعات، وهي إجابة غير صحيحة طبعا ولا تحتاج لشرح أو اقناع إذ تكفي نظرة واحدة ومقارنة بسيطة بين المجتمعات المتدينة او التي تدعي التدين وبين المجتمعات الأخرى التي أتحدث عنها والتي يوجد فيها أمن وأمان وصيانة لحقوق وكرامة الناس لنعرف الفرق، ممارسة الشعائر الدينية قد تمنح صاحبها الراحة النفسية أو الأمان، لكن الدين ليس هو مصدر الأمن والأمان فيما يتعلق بالتعاملات والتفاعلات بين أفراد المجتمعات.

إن العامل الذي يوفر لأفراد المجتمع بكل أشكالهم واختلافاتهم الأمن والأمان هو القانون وسيادة القانون وانفاذ هذا القانون، ولنضع مليون خط تحت كلمتي "سيادة" و "انفاذ" القانون!

فالقانون بشكل مجرد ومكتوب لا يكفي أبدا لضمان حقوق الناس و حماية مصالحهم ومنح المجتمعات الأمن والأمان مالم يكن هناك احترام حقيقي لسيادة القانون وتطبيق فعلي له لا يستثني أحد ولا يحابي أو يجامل فئة على حساب فئة أخرى.

إن القانون في البلدان المتقدمة سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا يستمد قوته وفعاليته من كونه لا يفرق بين الناس ولا يتم تطبيقه بشكل مزاجي يخضع للتقلبات والأهواء والوساطات أو المحسوبيات. القانون في هذه البلدان صارم ويسري على الجميع بلا أدنى استثناء بدء من رأس السلطة وانتهاء بأصغر فرد في المجتمع. وهذا هو ما نفتقده بشدة في مجتمعاتنا العربية حيث القانون موجود فقط على الورق، أما تطبيقه وانفاذه فتلك مسألة أخرى تعتمد على عوامل عديدة ليس من بينها احقاق الحق أو إرساء العدالة. وكل فرد عاش أو يعيش في هذه المجتمعات يدرك جيدا هذه الحقيقة ولربما عانى هو نفسه من هذا الأمر. القانون عندنا يحتاج إلى "وساطة" للوصول إليه وإلى "وساطة" لتطبيقه! ما يوجد في مجتمعاتنا العربية للأسف هو قانون الغاب حيث الغلبة للأقوى ولصاحب النفوذ والتأثير والمال، أما الضعيف فلا يمكن أن يجد العدالة أو الانصاف في القانون بل على العكس يفاجئ بأن هذا القانون سيف مسلط على رقبته هو فقط لأنه الطرف الأضعف.

وفي الحوادث الرهيبة التي قد تتحول إلى قضايا تهم الشارع أو الرأي العام نجد عندها رئيس البلد أو الملك "يتكرم" ويوجه بأخذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة الجاني! بينما لو كان هناك قانون وكانت هناك سلطات تنفيذية حقيقية تنفذ هذا القانون في هذه البلدان لقامت هذه الجهات بواجبها بغض النظر عن حجم الجريمة أو خلفية أطرافها أو ضحاياها و لما احتاج الأمر إلى توجيهات رئاسية أو ملكية!

إن سيادة القانون وانفاذه وتطبيقه على الجميع هي ما يجعل المحلات التجارية تستخدم واجهات زجاجية لإغلاق أبوابها، وهي ما يجعل المرأة أو الفتاة تسير في الشارع أو تستلقي على شاطئ البحر وهي أمنة على نفسها وكرامتها، وهي ما يجعل سائق الشاحنة أو السيارة يلتزم بقواعد المرور لأن القانون دائما هناك فوق الجميع لا يحابي أحد أو يفرق بين الناس عندما ترتكب الأخطاء أو تتجاوز الحدود.

إن سيادة القانون واحترامه هي ما يجعل ملك بريطانيا أو مستشار ألمانيا أو رئيس وزراء أستراليا لا يجرؤ على مس شعرة من رأس أي مواطن عادي بدون وجه حق أو بدون الاحتكام إلى القانون والقضاء، وبنفس المنظور إن ثقة المواطن في القانون والقضاء في هذه البلدان هي ما تجعله يعرف أن بإمكانه أن يشكو وأن يقاضي رأس السلطة نفسه ويأخذ حقه منه لو تعرض للظلم.

إن المشاكل والظلم والتعدي على الحقوق موجود في كل المجتمعات بلا استثناء، الفرق فقط هو أن هناك مجتمعات تطبق القانون وتفرضه على الجميع وهناك مجتمعات لا تطبق القانون إلا على الضعيف!

لذلك أعود وأقول أن ما نحتاج إليه في بلداننا ومجتمعاتنا كي نشعر بالأمن والأمان هو أن نُعلي من شأن القانون وأن يفرض هذا القانون هيبته وسلطانه على الجميع بلا استثناء ولا تمييز أو محاباة، هل يعني هذا أن المشاكل و الجرائم ستختفي حينها وأن السلام والعدل والرخاء سيعم الأرجاء؟ لا.. لكن عندما يطبق القانون على الجميع سيعيش الناس في أمان على الأقل لأنهم يعلمون أن القانون موجود هناك ليحميهم ويصون حقوقهم حين تُمس وليس العكس.. وإلى جانب سيادة القانون فإن مجتمعاتنا في أمس الحاجة أيضا إلى سلطة قضائية مستقلة وعادلة وهذا الأمر له أهمية شديدة جدا لا تقل عن أهمية سيادة القانون وهو ما سيكون موضوع المقال القادم بإذن الله..


April 9, 2023

هل العالم على شفا حرب نووية؟ و من سيضغط الزر أولا..؟

 

الصورة من موقع pixapay


أنيس الباشا

 

في قصيدته الشهيرة "نار وجليد"  Fire and Ice تحدث الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست عن نهاية العالم وهل ستكون بالنار أم بالجليد، وينحاز الشاعر في القصيدة إلى أولئك الذين يعتقدون أن فناء البشرية سيكون بالنار. ويبدو أن الأحداث الأخيرة الملتهبة التي يشهدها العالم تتجه نحو تحقيق ما تنبأ به الشاعر في قصيدته التي نشرها قبل مائة عام تقريبا!

 منذ بداية الحرب التي اشتعلت بين روسيا من جهة وبين أوكرانيا على الناحية الظاهرة وحلف الناتو من خلف الواجهة في فبراير من العام الماضي والأحداث تسير بوتيرة متسارعة ومتصاعدة تجعل الكثير من المتابعين والمحللين يميلون إلى السيناريوهات المتشائمة وعلى رأسها بالطبع السيناريو النووي.

لقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية أحداثا متسارعة تمثلت في قيام الولايات المتحدة بتزويد أوكرانيا بأسلحة "نوعية" وإعلان بريطانيا نيتها تسليم أوكرانيا قذائف مزودة باليورانيوم المنضب إلى جانب وصول شحنات من الدبابات الحديثة إلى أوكرانيا وعلى رأسها الدبابات الألمانية الشهيرة ليوبارد، وجاء الرد الروسي سريعا بالإعلان عن نشر أسلحة نووية "تكتيكية" في بيلاروسيا واشتعال لهيب المواجهات العسكرية بين الجيش الروسي ونظيره الأوكراني في باخموت وما سبق هذه الأحداث من "تطويق" أمريكي للصين تمثل في إقامة او استحداث قواعد عسكرية جديدة في الفلبين وتايوان وكوريا الجنوبية، وصولا إلى التوتر المتصاعد بين القوتين في بحر الصين الجنوبي الذي وصل ذروته حين حاولت إحدى المدمرات الأمريكية قبل أيام التوغل في المياه الإقليمية الصينية مما اضطر وزارة الدفاع الصينية إلى ابعادها وإصدار بيان رسمي يندد بهذه الاستفزازات الأمريكية.

في ضوء هذه التطورات لم يعد الحديث عن استخدام الأسلحة النووية مجرد مبالغات أو تخمينات بل أن السؤال الأساسي فيما يتعلق بهذه النقطة تحول من صيغة "هل يمكن؟" إلى "متى؟" وأصبح العالم يلتقط أنفاسه بتوجس مشوب بالهلع خوفا من اللحظة التي يقرر فيها أحد الأطراف المتصارعة الضغط على "الزر" النووي!

ولعل ما صرح به مؤخرا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يصب في اتجاه هذا القلق حين قال إن الأمريكيين يحتاجون للصلاة بعد قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا! وقبل تصريح ترامب بأيام كانت التصريحات التي صدرت عن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عقب القرار الذي صدر عن محكمة الجنايات الدولية بحق الرئيس الروسي في قمة التشاؤم حيث حذر الرئيس الصربي من أن العالم يقترب من حرب عالمية ثالثة وأنه ليس هناك نهاية للجنون الذي يحدث والذي يشبه ما كان عليه الحال أبان الحربين العالميتين الأولى والثانية!

وللأسف مع مرور الوقت تتجه الأحداث إلى المزيد من التصعيد، فمنذ بداية المواجهة مع روسيا كانت الولايات المتحدة حريصة دائما على التأكيد أنها لن تزود أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى وذلك حرصا على تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، لكن الموقف الأمريكي تغير في هذه الناحية وها هي التقارير الروسية تؤكد أن أوكرانيا حصلت على الصواريخ النوعية من أمريكا إلى جانب أسلحة متطورة أخرى مثل طائرات إف 16. هذه الخطوات الأخيرة كسرت كل قواعد الاشتباك المُتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء ما عُرف بالحرب الباردة وصولا إلى الصراع الحالي بين روسيا والغرب. فمع مرور الوقت يمضي كل طرف في اتجاه التصعيد ولا تبدو في الأفق بوادر تسويات سلمية أو تنازلات أو سلالم تسمح للأطراف المتصارعة بالنزول من على شجرة الصراع والجلوس على طاولة المفاوضات

أما عن الحرب الأخرى التي تشنها كلا من الصين وورسيا لتقليص هيمنة ونفوذ الدولار الأمريكي فهي قضية مشتعلة للغاية وبالتأكيد لن تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج من هذه الحرب ضد أخطر وأقوى أسلحة السيطرة لديها!

 وعلى صعيد الجبهات الداخلية في دول الغرب التي طالما عرفت الهدوء والاستقرار فالأمور ليست أقل توترا، فهناك موجة من الاحتجاجات والتظاهرات تشهدها بعض المدن والعواصم الأوروبية لأسباب مختلفة تتعلق بالغلاء والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية ومشاكل في قطاعات التوظيف والصحة والتقاعد، ومعظم هذه القضايا هي انعكاسات وتوابع للحرب والصراع الحالي بين روسيا والغرب.

كل هذه المؤشرات تصب في اتجاه التصعيد وتُنبئ بمزيد من التدهور والاندفاع غير المسئول نحو الحافة. بالتأكيد لا أحد يتمنى فناء العالم، لكن القراءة المدققة للأحداث لا يمكنها استبعاد السيناريوهات المتشائمة، وفي النهاية يجب ألا ننسى أن من يمسكون بدفة وزمام الأمور هم بشر في النهاية تحركهم نوازع وأطماع ومخاوف بشرية بحتة، بالتالي لا يمكن استبعاد قرارات تهورية قد تنجم عن لحظة ضعف أو يأس بشري خصوصا حين يتعلق الأمر بمخاوف "وجودية". ونحن في عصر تكاثرت فيه الأزرار النووية بعد أن كانت حكرا على القوتين العظميين، فهناك زر نووي في الصين وآخر في كوريا الشمالية وزر نووي في إسرائيل وربما تشهد نهاية هذا العام ولادة زر نووي "إيراني"!

لقد أطلقت إسرائيل على مشروعها النووي حين بدأته اسم "ميكرع هاكول" بالعبرية ومعناها "قبل أن يضيع كل شيء" في إشارة إلى أن اسرائيل لن تستخدم هذا السلاح المدمر ضد العرب إلا عندما يُهدد وجودها بالفناء. وبالأمس فقط أعلنت روسيا رسميا أن الولايات المتحدة والغرب يشكلان تهديدا "وجوديا" للبلاد، فهل باتت لحظة الضغط على الزر النووي قريبة؟

في قصيدة فروست التي أشرت إليها في بداية المقال استخدم الشاعر النار كرمز للقوة المدمرة التي قد تُنجم عن النفس البشرية حين تمتلئ بالحقد والكراهية، والجليد كرمز للطبيعة البشرية الباردة الخالية من المشاعر والأحاسيس. لكن البشر تطوروا وطوروا معهم أسلحة الدمار والفناء، وهكذا قد تصدق نبوءة الشاعر ويتحدد مصير العالم بقرار بشري قد ينجم عن مشاعر "نارية" أو "جليدية" لكنه في كل الأحوال سيكون مدمرا بما فيه الكفاية مالم تحصل معجزة ما تتمكن من إذابة بعض طبقات الجليد المشتعل.