Pages

July 27, 2018

!.... ليلة سقوط "التحيتا"



Pic from Pexels





أنيس الباشا


كنا نشاهد نشرة الأخبار المسائية، وحين جاء الدور على ما يجري في اليمن، إذا بالخبر يقول أن قوات ما يُسمى إختلاقا وسخرية ب "التحالف العربي" مسنودة بما يسمى زورا وبهتانا ب "القوات الموالية للشرعية" قد تمكنت من "استعادة" السيطرة على مديرية التحيتا في محافظة الحديدة التي تشهد قتالا عنيفا منذ عدة أيام بين تلك القوات وبين القوات اليمنية الأخرى المناوئة لها..

التحيتا.. تلك المديرية التعسة التي تعاني منذ عقود من الفقر وسوء ونقص الخدمات الأساسية و التي لم يخطر ببال أكثر ابناءها جموحا وخيالا أن مديريتهم سوف تتصدر يوما نشرات الاخبار العالمية وستكون محور نقاشات وتحليلات وحلقات اخبارية خاصة، تحولت هذه المنطقة بين ليلة وضحاها إلى "نجم" إخباري يتبارى المحللون والمعلقون الاستراتيجيون في الحديث عنها وعن تطور سير العمليات العسكرية التي تستهدف اتمام السيطرة عليها! كيف سيكون الحال إذا وكم سيتطلب الأمر من أجل معركة السيطرة على زبيد أو بيت الفقيه؟ بل ماذا عن مدينة الحديدة نفسها؟

هذا الخبر بحد ذاته كان دليلا كافيا على مدى عبثية وحقارة هذه الحرب التي تشنها السعودية والامارات منذ اكثر من ثلاث سنوات ضد اليمن واليمنيين بدون أن يكون لها أي بعد استراتيجي أو اهداف سياسية أو حتى منطقية لدى الأطراف المتصارعة بشكل مباشر، وهي حرب لا زالت مستمرة وسوف تستمر للأسف على الاقل في المدى المنظور ما لم تحدث أمورا غير متوقعة تغير دفة الأحداث، فالذي يقود هذه الحرب ظاهريا سواء في السعودية أو في الامارات هم أشخاص غير اسوياء يعانون من أمراض نفسية و محكومون بعقد جنون العظمة وخيالات وأوهام النفوذ والسيطرة ، وفي نهاية المطاف فهم في واقع الامر ليسوا إلا "مخالب" قذرة تستخدمهم قوى خارجية أكبر وأكثر ذكاء منهم لها أهدافها وأجندتها في المنطقة، وقد تحقق بالفعل بعضا من أهداف هذه القوى على حساب دماء ومعاناة وتجويع شعب بأكمله هو الشعب اليمني الذي ليس له ناقة ولا جمل في هذه الحرب التي فُرضت عليه والتي لم يكن أكثر اليمنيين إفراطا في التشاؤم ليتخيل حتى امكانية حدوثها يوما ما..

نعود لموضوع "التحيتا" الذي يبدو أنه سيظل يشغل وسائل الاعلام لفترة لا بأس بها، فالمعارك الشرسة للسيطرة على هذه المديرية تتراوح بين كر وفر، والطرف المعتدي يحشد ويجند ويدفع بكل طاقاته ليسيطر على بعض مناطق تلك المديرية ثم ما يلبث أن يفقد تلك المناطق لصالح الطرف المقاوم له ويتراجع ليحشد من جديد محاولا "استعادة" تلك المناطق وهكذا دواليك، ويستمر ذلك الكابوس المرعب مخلفا وراءه المزيد والمزيد من المعاناة والعذاب لأبناء المنطقة بينما تستمر نشرات الاخبار في التحليل والعرض واستضافة الخبراء كي يتحدثوا عن أهمية وخطورة مديرية "التحيتا" وكيف ان السيطرة عليها ستشكل نقطة تحول خطيرة في مسار الحرب – الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات والتي لم تُحسم ولا في أي جبهة أكثر أهمية من التحيتا – حتى ليظن المشاهد الذي لا ينتمي للمنطقة انهم يتحدثون عن سقوط القسطنطينية بيد محمد الفاتح أو بغداد في يد التتار أو روما على يد هانيبال!

أما بالنسبة لنا كيمنيين عشنا وترعرعنا هناك فالصورة أمامنا مختلفة تماما، أنا شخصيا وُلدت في مدينة الحديدة التي تبعد عنها التحيتا بضعة كيلومترات ولا زلت أذكر أن اسم التحيتا لم يكن يُذكر بين أهالي الحديدة إلا على سبيل الدعابة والسخرية المريرة لمنطقة لا يوجد بها أي آثار تاريخية أو معالم سياحية وتعاني من الفقر وسوء الخدمات وذلك قبل أن يكون هناك ما يسمى بربيع عربي أو قوات شرعية أو حوثية! ولا أظن أن أهالي مديرية التحيتا سيرفع من معنوياتهم أو يخفف من معاناتهم معرفة أن كل ما يتعلق بمنطقتهم - التي كانت إلى وقت قريب منسية و مهملة - من معلومات وبيانات جغرافية وصور الأقمار الصناعية يجري عرضه وبحثه وتحليله باستخدام أرقى وأحدث شاشات الكومبيوترات المتناثرة في أروقة ودهاليز ومكاتب المباني التابعة لوزارت الدفاع ومكاتب الاستخبارات الأمريكية والفرنسية والبريطانية!

الصورة التي نراها والتي يُفترض أن يراها كل انسان لديه القليل من الضمير والأحساس للوضع في البلد بأكمله هي صورة سوداء قاتمة عبثية ومؤلمة..مؤلمة إلى حدود لا يقدر العقل البشري على تصورها، فهذا البلد الذي كان اسمه يوما ما "السعيد" لم ير أياما سعيدة منذ دهور وظل ابناؤه إلى وقت قريب يعيشون ويكافحون في ظل ظروف حياتية صعبة للغاية لا يقدر أحد أن يتحملها ولا توجد في كثير من الدول الأخرى ، ومع ذلك كانت الحياة تمضي بشكل أو بآخر و أغلب الناس يحاول البقاء كل بقدر استطاعته وبحسب ظروفه وحظه والكل يمني نفسه بغد أفضل قد يأتي وقد لا يأتي لكن الأمل يظل هناك في متناول الجميع لا يمكن لأحد مصادرته أو تحطيمه..و لكن المتربصون بهذا البلد المثقل المتعب استكثروا على ابنائه أن يعيشوا هذه الحياة المليئة بالضنك والشقاء فجاؤوا بملايينهم وأطماعهم وسفاهتهم ليزيدوا الحياة تعاسة وبؤسا وليدخلوا البلد في وضع ما كان أكبر متشائم ليجرؤ حتى على مجرد تخيله!

الصورة يمكن تلخيصها في معاناة شعب بأكمله ظل غالبية أبناؤه لعقود يعانون من الفقر والظلم والفساد السياسي والاداري وسوء توزيع الثروة ومع ذلك استطاعوا بمعجزة ما أن يعيشوا ويصمدوا ويستمروا إلى أن وصلتهم أمواج ما سُمي ب "الربيع العربي" فتفاءل الجميع وظنوا أن المعجزة قد حدثت وأن آوان التغيير للأفضل قد حان، فإذا بالربيع يتحول إلى خريف رمادي قاتم ليس هناك بصيص ضوء يتخلله..ودُمر البلد وتمزق على أيدي المعتدين الخارجيين وعلى أيدي الأطراف اليمنية أيضا التي جميعها بلا استثناء تحركها أطماع ومآرب مختلفة لا تصب إلا في أطر مصالح ضيقة وذاتية بعيدة كل البعد عن مراعاة المصلحة العامة ومعاناة الناس..  وإنني على يقين من أن أغلب الناس في اليمن الآن - إن لم يكن جميعهم ليحلمون بأن تعود أيام الظلم والفساد وسوء توزيع الثروة تلك، ومن المؤكد أنهم حين يقارنون تلك الأيام بما آل إليه الحال الآن فإنهم يجدون تلك الايام الصعبة أشبه بحلم وردي جميل ولى وترك خلفه ذكرى عاطرة يحن إليها من يتذكرها!

المسألة ليست في أن "تسقط" التحيتا في أيدي من تدعمهم الامارات والسعودية أو يستعيد السيطرة عليها الطرف الآخر المناوىء لهم، المسألة أن هذه الحرب العبثية فقدت بوصلتها تماما في ظل صمت دولي وتعتيم إعلامي وأصبحت عبارة عن تراجيديا حقيقية تتضاءل جوارها كل المآسي التي شهدها العالم منذ قرونا من الزمن، هذه المآساة التي يعيشها اليمنيون لن يوقفها سقوط التحيتا أو زبيد أو الجراحي أو غيرها من المناطق، ولن يخفف من معاناة اليمنيين آراء الخبراء السياسيين الذين يتحدثون عن معركة التحيتا وكأنها معركة  اكتيوم أو ستالينجراد أو عين جالوت، معاناة اليمنيين في كافة أرجاء اليمن ستستمر سواء سقطت التحيتا أو لم تسقط، وما ينطبق على التحيتا ينطبق على ما عداها، ولا يسقط في كل هذه المعارك والصراعات حتى الآن إلا بقايا الأمل في قلوب الناس في غد ربما يكون أقل قساوة وأكثر رحمة وانسانية..

June 29, 2018

!... الحياة بدون أسوار

ب





أنيس الباشا



من منا لا يذكر كيف كان شكل سور المدرسة التي كان يدرس بها؟ لا شك إن كثيرين قد حاولوا أو على الأقل قد شهدوا بعض محاولات "الفرار" من المدرسة عن طريق تسلق سورها. بالنسبة لي، فإن من أكثر المناظر التي رأيتها في أوروبا ولا زالت تستوقفني كلما صادفتها هي مشهد المدارس الكبيرة التي لا تحيط بها أي أسوار ومع ذلك يتواجد جميع الطلاب أطفالا كانوا أم مراهقين في المدرسة طوال وقت الدوام ولا يفر منهم أحد أو يفكر حتى مجرد التفكير في أن يغادر المدرسة عبر بابها "المفتوح" دائما أو عن طريق عبور تلك الأسوار بالغة القصر التي تعطي للمدرسة حدودها وشكلها الخارجي فقط ويمكن لطفل صغير أن يتخطاها بكل بساطة! 

نموذج لسور بيت يطل على الشارع مباشرة لكن السور قصير للغاية

شكل آخر لسور منزلي وبوابة المنزل نفسه مفتوحة

كثير من الاسوار المنزلية لها غرض جمالي وديكوري بحت


كثير من الأسوار المنزلية عبارة عن سياج من الأشجار المهذبة والمقلمة




وفي كل مرة أذهب فيها إلى المدرسة التي يؤمها ابني كي أشارك في أحد الفعاليات الخاصة بالتلاميذ وآبائهم أجد نفسي دائما أتوقف مبهورا أمام مشهد التلاميذ وهم يجرن ويلعبون ويلهون في ساحات المدرسة الواسعة وبجوار بابها المفتوح دائما وأسوارها بالغة القصر ومع ذلك لم أر تلميذا واحدا "نط" من فوق السور أو حاول حتى مجرد محاولة عبور السور إلى الخارج! هذه المشاهد لا تستوقف الناس هنا على الإطلاق فهي من الأمور الروتينية التي وجدوها ونشأوا عليها منذ الصغر، لكن بالنسبة لنا فعدم وجود أسوار هو أمر عجيب للغاية، حتى شقيقي حين زار  كوريا الجنوبية منذ عدة سنوات استوقفه ايضا مشهد المدارس والجامعات التي لا تحيط بها أي أسوار! فهذه المشاهد قطعا غير مألوفة لنا..

البوابة الرئيسية لمدرسة ابني وقد التقطت الصورة  في فترة الاستراحة حيث كان الاطفال يلعبون ويقتربون من البوابة بدون أن يتعدها

جانب من سور مدرسة ابني وهو سور قصير يمكن لاي طفل أن يتسلقه بسهولة


ففي بلادنا يختلف الأمر ، و منظر الأسوار هو أمر معتاد وشائع للغاية ، فهي موجودة ومنتشرة أينما ذهبنا، فلدينا أسوار تحيط بالمدارس، وأسوار تحيط بالبيوت، وأسوار تحيط بالمباني والشركات والمنشآت الحكومية، بل أن عندنا أسوارا تحيط بمساحات شاسعة وخالية من الأراضي الجرداء! فبالنسبة للمجتمعات العربية الشرقية تمثل الأسوار جزءا هاما في حياة الناس، والهدف منها في العادة هو الحماية وطلب الأمان و "إبعاد" المتطفلين والمتلصصين والفضوليون، أما بالنسبة للمدارس والجامعات فإن الهدف من تلك الأسوار هو إبقاء الطلاب واحتجازهم داخل مرافق المكان إلى أن ينتهي الدوام وحماية هذه الاماكن من "دخول" أي عناصر خارجية لا تنتمي للمكان، ولأن كل مفروض مرفوض وبسبب طبيعة وفطرة الإنسان الرافضة للتقييد والكبت فإن محاولات الفرار من مباني 
المدارس لا تنتهي ولا تتوقف.


 بل أن تلك المحاولات قد تنتهي أحيانا بنهايات مأساوية، أتذكر في أحد المرات حين كنت أدرس في المرحلة الإعدادية أننا شاهدنا من نافذة الصف محاولة فرار أحد الطلاب الذي تسلق أحد أسوار المدرسة العالية "يبلغ طوله أربعة أمتار على الأقل" وحين حاول النزول إلى الجانب الاخر قام بالتشبث ببعض كابلات الكهرباء الممدودة وللأسف فقد صعقه التيار ومات! ولو أن شخصا من خارج اليمن رأى ذلك المشهد المرعب لما تصور للحظة أن هذا "الهارب" هو مجرد طالب أراد الفرار من مبنى المدرسة ولظن أن الأمر يتعلق بمجرم خطير يقضي فترة عقوبة مؤبدة في أحد السجون المخصصة لعتاة المجرمين أو أنه سفاح محكوم عليه بالإعدام لذا يحاول بكل طريقة أن يفر من المكان كي ينقذ حياته!

لا أذكر أني تسلقت سور المدرسة يوما، لكني أذكر في أحد المرات أثناء الفسحة أننا كنا نتمشى في أروقة المدرسة لنجد أن أحدهم نسى اغلاق أحد الأبواب الخلفية للمدرسة التي تقود إلى الخارج والتي تكون مغلقة بإحكام في العادة لأن الدخول والخروج من وإلى المدرسة يكون عادة عبر بابها الرئيسي الضخم الذي يقف عليه حارس أو اثنين، وعندها أصابنا نوع من العته والاندهاش الممزوج بالسعادة لذلك الاكتشاف الخطير لدرجة اننا كنا نخرج من ذلك الباب إلى الشارع ثم نعود مجددا إلى المدرسة غير مصدقين أنه بإمكاننا مغادرة ذلك الحصن المسمى "مدرسة" هكذا ببساطة ومن ثم العودة إليه كما نشاء حتى أن البعض أصيب بنوبة من الهستيريا من هول وروعة ذلك الاكتشاف ! أما عندما يتعلق الأمر بالبيوت فإن الأسوار في بلادنا قد يتجاوز ارتفاعها الاربعة أمتار خصوصا تلك الأسوار التي تحيط بمنازل الأغنياء والمسئولين وأصحاب المناصب، ومن المشاهد المألوفة في اليمن أن ترى بيوتا و "فيلات" فخمة تحيط بها أسوار مرتفعة وممتدة على طول البصر، وعادة ما يكون هناك علاقة طردية بين ارتفاع وطول السور ومكانة أومنصب أو ثروة صاحب المنزل، أما البيوت العادية فتحيط بكثير منها أسوار أقل ارتفاعا وإن كانت مقارنة بالبيوت هنا في أوروبا تُعد مرتفعة ومبالغ في طولها وحجمها وامتدادها.

 ومع ذلك فإن تلك الاسوار التي تحيط بالبيوت في مجتمعاتنا كثيرا ما تفشل في منح الأمان والحماية والخصوصية لأصحابها. وأتذكر منزلا لأحد أغنياء المدينة التي عشت فيها طفولتي كان يحيط به أسوارا شاهقة يتجاوز ارتفاعها الأمتار الستة لكن هذا لم يفت في عضد المتلصصين الذين يجن جنونهم حين يرون أسوارا عالية كهذه ويتملكهم الفضول لمعرفة ماذا يوجد وراءها، لذا فقد كان البعض يصعد إلى هضاب الجبل الكبير المطل على المدينة كي يتمكن من رؤية ما وراء تلك الاسوار!

إن الأسوار التي نراها في كل مكان في مجتمعاتنا هي انعكاس لمظاهر الكبت والقمع والانغلاق الذي يعاني منه الناس، وكلما زادت الاسوار وعلت زادت الرغبة لدى الناس في محاولة تسلق هذه الاسوار سواء للفرار منها أو لمعرفة ما الذي يجري وراءها أو بداخلها. ووجود الأسوار المرتفعة في كل مكان هو دليل أيضا على تدني مستوى الوعي والتحضر لدى أفراد المجتمع، فمعظم بيوت الناس في الدول الغربية المتقدمة لا تحيط بها أي أسوار وكذلك الحال بالنسبة للمدارس والمنشآت والمباني، ومع ذلك فالجميع يحترم خصوصية الآخرين ولا يعتدي أو يتعدى عليها، والتلاميذ يذهبون يوميا للمدارس ويبقون هناك حتى انتهاء الدوام لا يفرون ولا يتسلقون الاسوار رغم انخفاضها الشديد بل ولا يحاولون حتى الخروج حتى عبر الابواب المفتوحة على الدوام بدون حراسة ولا حراس.

كثير من الاسوار الغرض منها فقط تحديد ملكية المكان ومساحة الارض المزروعة



إن وجود الاسوار وشكلها وحجمها هو بمثابة مؤشر فعلي على طبيعة وثقافة المجتمع، ففي المجتمعات المتقدمة التي تسود فيها لغة القانون والحقوق والواجبات ولا يُسمح فيها بأي شكل من أشكال القمع والقهر حتى في داخل البيوت وبين أفراد الأسرة الواحدة، هذه المجتمعات لا تنتشر فيها الأسوار العالية ولا يشعر أفرادها بأنهم في سجن مفروض عليهم وتتولد لدى الجميع صغارا وكبار الرقابة الذاتية فيذهب الطفل إلى المدرسة ويبقى بداخلها بإرادته ورغبته رغم انه لا يوجد في المبنى أي أسوار، والعكس في المجتمعات المتخلفة التي ينتشر فيها الظلم والقهر والقمع ويكون القانون فيها مجرد حبر على ورق وسيف مسلط فقط على رقاب الضعفاء، ففي هذه المجتمعات يشعر الناس بأنهم دائما في سجن لذا يحاولون الفرار منه بأي شكل ومتى ما سنحت الفرصة وكانت هناك تغرة في السور تسمح بالهروب أو بالتلصص واستراق النظر عبرها لأن الرقابة الذاتية واحترام خصوصيات الغير ثقافة لم يتربى عليها أفراد هذه المجتمعات "المسورة"!



لذلك فإن هذه المشاهد سواء مشهد التلاميذ في فناء المدرسة التي ليس لها سور أومشهد البيوت التي لا تحيط بها الأسوار ومع ذلك فتلاميذ المدارس لا يفرون من المدرسة وخصوصية الناس في بيوتها التي لا تحيط بها الأسوار محفوظة ومصانة، ستظل هذه المشاهد تستوقفني دائما وتجعلني أدرك بشكل عملي معنى التحضر والتقدم الإنساني والمجتمعي ، وسأظل كلما رأيت هذه المشاهد أتحسر و أقول "اللهم ارزقنا أسوارا أقل ارتفاعا وسلوكيات أكثر علوا"!

April 27, 2018

.... لن نُهزم



Pic from Pexels




أنيس الباشا



لن نُهزم..
أنى يُهزم من كان تاريخه
يضاهي الجبال..
كيف يُقهر من كان اعداؤه..
حفنة من "أشباه الرجال"!

لن نُهزم..
فنحن تاريخ و أصل و حضارة..
أما هُم.. فبقايا ولمم
بُعثرت فوق صحراء وحجارة..

لن نُهزم.. ولن ننكسر
بل سننهض من بين الرماد يوما..
لنقول ها قد عدنا..
كي نحيا ، وكي ننتصر..

لن نُهزم ..
هل سمعتم أن أُسد الغاب
تأذت يوما من عض الأرانب؟
أما علمتم أن كل حشودهم وجيوشهم
أوهى وأضعف من بيوت العناكب؟

لن نُهزم..
طالما بقى لدينا أناس..
ثابتون كألف ألف حائط
موقنون أن الدم والصبر
سيعيدان رسم كل الخرائط..

لن نُهزم..
فنحن أرض الكرامات
و أحفاد من نصروا
نحن مهد الحضارات
وقبر كل من عبروا..
أما حُفاة النفط
إن صالوا وإن صخبوا
فالقرن منبتهم..

والقرن -بإذن الله- مُنكسر! 


نوفمبر 2016