Pages

March 30, 2017

...من استعجل أبطأ


أنيس الباشا


بالتأكيد مررت بهذه التجربة من قبل..عندما تضطر للوقوف في طابور ما او الانتظار لبعض الوقت من اجل ان تنجز معاملة ما.. عندها ينتابك الملل والضيق.. تزفر في عصبية.. تنظر في ساعتك.. تشرأب بعنقك لترى كم عدد الناس أو الأرقام أمامك وكيف تسير عملية تحركهم .. يا لهذا البطء المستفز الذي يتحرك به هؤلاء القوم فقط عندما لايكون لديك أنت ترف الانتظار، يبدو أن كل الناس قرروا أن يأتوا إلى هذا المكتب اليوم لأنك فيه! المشكلة أن هناك طن من المشاوير والمهام التي يتعين عليك انجازها اليوم بالذات وذلك الموظف او تلك الموظفة وراء الشبابيك يتعاملون بتراخ وليس لديهم أدنى فكرة عن التعطل والتأخير الذي يسببوه لك.. كم هم مستفزون وليتك فقط تجد الفرصة لتخبرهم بهذه الحقيقة وانهم يستحقون تلك الوظائف المضجرة والمملة التي يتقاضون عليها تلك الرواتب الهزيلة، لكنك لن تجرؤ على ذلك بالطبع والا عقدت الوضع على نفسك أكثر فهؤلاء الموظفون ينتظرون منك هفوة فقط كي يفرغوا كل عقدهم واحباطاتهم وكراهيتهم لعملهم فوق رأسك..

 لذا تزفر مرة أخرى ويبدأ عقلك لاشعوريا في عمل معادلات وهمية محاولا استنتاج الوقت الذي ستستغرقه عملية الوقوف والانتظار هذه .. لم تكن يوما بارعا في الرياضيات لذا فكل المخرجات والارقام التي يستنبطها عقلك تبدو مخيفة ووفقا لها فإنك ستضطر للانتظار الى يوم الدين اذا بقيت في مكانك وهكذا لا يعود بإمكانك عمل أي شيء آخر.. هنا يبدأ ذلك الصراع المرير بداخلك.. هل تغادر المكان على الفور وتعود في وقت آخر أم تواصل الانتظار عل معجزة ما تحدث في الخمس الدقائق القادمة تجعل  الامور تسير بوتيرة أسرع؟ تتململ في وقتك وتحرك قدميك في مكانهما دلالة على الصراع الذي يعتمل بداخلك والذي لايظهر على ملامحك التي تحرص على جعلها هادئة قدر الإمكان.. ذلك الرجل الاصلع البدين الواقف خلفك يبدو عليه التوتر والعصبية وهو ينقل قدميه أيضا و يزفر طوال الوقت حتى ان وهج انفاسه الثقيلة يلسع قفاك.. الأبله..! كأنه يضره ان ينتظر هنا لساعات، انك لا تعرفه لكنك تستطيع ان تخمن بل وان تقسم على أن هذا صاحب هذه الملامح الخاملة والكرش الكبير لايملك وقتا ثمينا يضيعه هنا مثلك.. هناك ايضا ذلك الفتى المراهق المائع الذي يقف أمامك وقد ارتدى بنطالا ممزقا ويقف في لامبالاة واستهتار يلوك قطعة من اللبان و يدير عينيه في المكان متظاهرا بالوسامة وهو يلقي نظرات يظنها قاتلة باتجاه الفتيات المتواجدات.. تقاوم بصعوبة رغبة عارمة في صفعه على قفاه والقائه خارج المكان.. لم يكن ينقصك إلا أمثال هذا الرقيع الذين يسبقونك في الطابور ويقللون من فرص انجازك للمهمة التي اتيت من اجلها بسرعة بينما ليس لديهم حتى عُشر وقتك الثمين.. تتأمله في غل للحظات وتستفزك تلك الخصلات التي يسدلها على جبهته وذلك البنطلون المتراخي الذي يلبسه والذي بالكاد يصل الى اعلى فخذيه، تدرك فورا ان امثال هذا الفتى لا يضيرهم الوقوف في هكذا طوابير لأيام وليس لساعات خصوصا لو كان هناك فتيات في الجوار!

تزفر مجددا وتلقي نظرة على ساعتك للمرة الألف، تبا.. اذا استمر الحال على ما هو عليه فلن تتمكن من اللحاق بمواعيدك الأخرى، المشكلة أنه يتوجب عليك أيضا الانتهاء من هذه المهمة السخيفة وإلا اصبحت عبئا اضافيا يُضاف إلى جدول مهام الغد المزدحم أصلا..

وهكذا بعد لحظات عصيبة من التردد وعمل معادلات زمنية معقدة ومرهقة تقرر أن تستسلم، لن يمكنك ان تتحمل تلك الانفاس الثقيلة على رقبتك أو تستمر في رؤية ذلك البنطلون المتراخي الذي يبدو من تحته اللباس الداخلي لذلك الفتى المستهتر أمامك، لذا تنسحب من الطابور ولا تنسى قبل خروجك ان تلقي نظرات نارية على من حولك، لو أن النظرات تقتل لتحول هؤلاء إلى رماد في لحظات، تغادر المكان في خطوات سريعة، ربما تعود مجددا بعد الانتهاء من بعض المشاوير الضرورية وحينها ربما يكون الازدحام أقل وبالتأكيد لن تجد ذلك الفتى الرقيع ولا ذلك الرجل البدين ذو الأنفاس الثقيلة..


ولو أن أحدا نقل لك عبر بث فيديو مباشر ما جرى في المكان الذي كنت فيه قبل قليل لشعرت بالندم على قرارك بالانسحاب ولتمنيت انك ظللت هناك لخمس دقائق إضافية.. فبعد انصرافك بخمس دقائق فُتح فجأة شباك خدمة آخر واتجه كثير ممن كانوا يقفون في طابورك إلى ذلك الشباك بحيث تقدم الصف كثيرا حتى ان ذلك الفتى المراهق وجد نفسه بعد عشر دقائق فقط يقف أمام شباك الموظف المختص وقد نسى ذلك الأبله أن يحضر أوراقه الشخصية لذا غادر بسرعة كي يعود مجددا أي أن دورك كان بعده مباشرة..


لكنك لم تكن هناك لترى هذا المشهد، فقد اندفعت بسرعة الى الخارج وانت تلعن الجميع في سرك وتتمنى ان يظلوا واقفين هناك الى يوم الدين وأن لا ينجز أحدهم أي معاملة، اتجهت الى سيارتك وفتحت الباب بعصبية وأدرت المحرك وانطلقت بسرعة وانت تختلس النظر الى ساعتك.. سيكون عليك أن تمر بمكتب  البريد أولا ثم السوق لشراء بعض الاغراض، أم هل الافضل ان تبدأ بالسوق ثم البريد، عليك أن تمر على المدرسة لكي تحضر الأولاد لكن من المهم أيضا ألا تنسى أن تجلب من السوق كل ما هو مكتوب في تلك القائمة التي أعدتها زوجتك هذا الصباح وأوصتك مرارا بألا تنسى أي شيء فيها، تذكر ان سداد الفواتير ايضا يجب أن يتم اليوم والا لن تتمكنوا من طبخ أي شيء ناهيك عن الحياة بدون كهرباء ولا انترنت ولا.. إن مشكلة الأوضاع المعيشية انها تتفاقم بحيث لم يعد هناك مجال ل ... وفجأة طرااااااااااااخ


اصطدام تلك الشاحنة القديمة بسيارتك قطع حبل افكارك ومن حسن الحظ أنه لم يقطع حبلك الشوكي من منبته، تترنح من الصدمة والمفاجأة قبل أن يصلك صراخ سائق الشاحنة الغاضب الذي يبدو انه تمالك نفسه من الصدمة بسرعة خارقة بحيث أنك وبعد خمس ثوان فقط من الاصطدام وجدت رأسه عند نافذتك يحدق فيك بعيون متقدة، تزفر في عصبية وانت تغادر السيارة ورأسك يغلي من الغيظ، لقد اصطدم بك هذا الأحمق من الخلف ثم وجد في نفسه الجرأة ليغضب وينفعل وكأنه هو الضحية! بالتأكيد لا يملك رخصة ولا يبدو انه يعرف الف باء القيادة، لكن عليك أن تتوخى الحذر لأن تلك العصا الغليظة التي يحملها قد تهوي فوق رأسك في أي لحظة وستكون مصيبة ان تتسخ بذلتك بالدماء لأن عليك ان ترتديها غدا في الاجتماع والمصيبة أن غسالة البيت معطلة منذ أسبوع ولم تجد الوقت الكافي لاخذها الى ورشة التصليح..!

المهم أنك وانت واقف تحت حر الشمس في الشارع تستمع لصراخ ذلك السائق أدركت انك ستتمالك اعصابك ولن تنتزع العصا منه لتهشمها فوق رأسه، لكنك ستصر على أن يأتي رجال المرور ويثبتوا انك لست المخطىء لان سيارتك تعرضت لضرر كبير لن يمكنك اصلاحه بنفسك كما ان ذلك السائق مصر على الا يتركك تنصرف قبل أن تدفع له ثمن اصلاح سيارته باعتبار أنك المخطىء، لذا فلا مفر من الانتظار وخوض المعركة وهذا معناه ضياع النهار بأكمله، وهكذا تبتلع ريقك في مرارة وأنت تدرك انه لن يمكنك اليوم ان تسدد الفواتير ولا أن تمر بالسوق ولا أن تعود إلى المكتب الحكومي الذي غادرته للتو، بل أنك ستضطر أيضا للاتصال بزوجتك كي تقوم هي باحضار الأولاد.. فعلا كما تقول جدتك رحمها الله "من استعجل أبطأ"!

وكل هذا بسبب خمس دقائق فقط.. أو حتى عشر دقائق، فمن الحماقة أن تتصرف بانفعال لمجرد انك اضطررت الى الوقوف والانتظار ولم تستطع أن تتحمل بضع دقائق حتى يأتي دورك، مثلك مثل شخص قطع طريقا طويلا ليصل في النهاية الى صخرة تسد الطريق، يأخذ فأسه ويهوي عليها بمائة ضربة ثم يصاب باليأس ويلقي بالفأس وينصرف ليأتي شخص آخر بعده يهوي على الصخرة بضربة واحدة فقط فتنكسر لان ضرباتك المائة قد مهدت الطريق واختصرته..

لذا تعلم الصبر.. ليس الكثير منه وانما القليل ..وحين تروادك نفسك بأن الامر سيستمر الى مالانهاية وأن دورك لن يأتي حاول أن تعطي نفسك وقتا اضافيا.. انتظر خمس دقائق أو أكثر وربما تغير الوضع، اضرب الضربة رقم واحد بعد المائة فربما تنكسر الصخرة وان لم تنكسر فاضربها ضربة ثانية وثالثة، لا تيأس وتتراجع فيأتي شخص آخر ويقطف ثمار تعبك..لا تضيع الوقت في الانسحاب وتغيير الاولويات فقد تجد نفسك في النهاية وقد خسرت اضعاف الوقت الذي أردت توفيره بينما لم تنجز نصف المطلوب.. و في الأخير..احترس ايضا من سائقي الشاحنات الذين يروق لهم أن يصدموا سيارات الآخرين من الخلف ويظنون أن الحق معهم لأن معهم هراوات غليظة!


March 21, 2017

!...هكذا نأكل و هكذا يأكلون


رشا المقالح


ما بين الشرق و الغرب هناك فروق شتى، أكثرها طرافة تلك التي تتعلق بعادات الأكل و طرق إعداد الطعام و طرق تقديمه. فكل شعب له عادات غذائية معينة و معتاد على مذاقات تختلف من بلد لآخر، فالمذاق هو شيء تنشأ على تقبله و اعتياده.


و قد لاحظت فروقا جوهرية بين المذاق العربي و المذاق الغربي خاصة في المناطق الباردة. و كان من أبرزها طرق إعداد الشاي و القهوة و السمك،  و درجة السخونة المقبولة للمشروبات و المأكولات و طريقة إعداد المائدة و الجلوس حولها. تعالوا معي في جولة سريعة للتعرف على أبرز تلك الملاحظات!

 الأكل على الطريقة الغربية و الأكل على الطريقة العربية
هناك من يكتب بيده اليمنى و هناك من لا يستطيع الكتابة سوى باليد اليسرى، و لكننا في اليمن لا نأكل سوى باليد اليمنى، و لم أصادف طوال حياتي في اليمن شخصا يأكل بيده اليسرى حتى لو كان "أعسرا" ..!
و لم أفكر أبدا أن الأكل باليد اليمنى سيكون مشكلة حتى دعيت إلى العشاء للمرة الأولى في منزل غربي!
صحيح أن طريقة تقديمهم للأكل تختلف تماما عن طريقة تقديمنا له، فهم يأكلون على الطاولة بينما اعتدنا نحن ان نأكل طعامنا على الأرض، كما أنهم يأكلون في أطباق منفردة و ليس من طبق واحد كما نفعل نحن. و نحن في أكلنا لا نعتمد على الشوكة و السكين مثلهم، و على الرغم من أنك – كشخص قادم من اليمن – قد تتجاوز كل الفروقات السابقة و تتأقلم معها جيدا و تقدم كل التنازلات الممكنة حتى لا تبدو شاذا أمام رفاقك الجالسين على المائدة، لكن التنازل الوحيد الذي لن تستطيع تقديمه هو أن تأكل باليد اليسرى!

تقنيا هذا مستحيل و يفوق قدرتك على التحمل و سيتحول الأمر من مجرد دعوة لطيفة للعشاء إلى معركة تتضمن محاولات بائسة لتصويب الشوكة إلى فمك المفتوح ببلاهة في انتظار ما يلقى إليه من طعام. كل هذا و انت تشاهد الجالسين من حولك يأكلون ببساطة بيدهم اليسرى، و دون أي معاناة.

اتيكيت الأكل يفرض أن تمسك بالشوكة بيدك اليسرى بينما تمسك بالسكين باليد اليمنى، و أجد نفسي من أشد المعارضين لهذا الاتيكيت الأخرق، لسببين رئيسيين أولهما أننا شعب لا نأكل باليد اليسرى، و ثانيهما نحن لا نأكل طعامنا بالشوكة أصلا! فنحن نستخدم الخبز بدلا عن الشوكة في الإمساك بالطعام.

شخصيا، اضطر لمخالفة هذا الاتيكيت و الإمساك بالشوكة باليد اليمنى و بالسكينة باليد اليسرى، و ذلك لأن يدي اليمنى متمكنة جدا و قادرة على فعل ما هو أكثر من مجرد تقطيع الأكل أو اسناده على الشوكة فلماذا لا أستخدمها في الإمساك بالشوكة و القيام بالعمل الحقيقي بدلا من تضييع قدراتها الحقيقية فيما لا يفيد؟!

 يجب أن يتم مراجعة هذا الاتيكيت فعلى ما يبدو أن من  وضعه هو شخص ضيق الأفق لم يفكر بكل الاحتمالات الممكنة.


 نحن و هم و "الكريمة"!
تعد الكريمة في اليمن منتج مستورد فهي ليست جزءا من المطبخ اليمني، و إنما دخلت إلى اليمن مع العولمة. و مع أن الكريمة وفدت إلينا من الخارج إلا أننا  نستخدمها في اليمن بشروطنا نحن و حسب طريقتنا في استطعام  الأكل. فالكريمة عندنا في اليمن لا تؤكل إلا مع اأصناف الحلويات. صحيح أن كل شعب يستطعم بطريقة مختلفة تماما، ولكن هناك خطوط حمراء لا يجب تجاوزها و من بينها ألا نأكل السمك مع الكريمة! 

عندما دعتنا جارتنا الألمانية في إحدى المرات إلى مطعم لأكل السمك، قلت في نفسي السمك هو السمك و ليس فيه حلال و حرام و لا أي محذورات و لذا سوف نطلب أي صنف من أصناف السمك و نأكل دون خوف...!و بالفعل طلبت أنا و زوجي طبقا يسمى الماتيس الشتوي  ‘Winter Matjes’   و هو من أشهر انواع السمك في ألمانيا، و هكذا جلسنا بكل "ألاطة" في انتظار طبق السمك و نحن نشعر أننا في أمان و أن لا مفاجاءات مع السمك. و لكن عندما وصلت الأطباق كانت المفاجأة!

"سمك نيء غير مطبوخ" مع كريمة حلوة المذاق!!







كيف يأكلون السمك مع الكريمة؟؟!! وليته كان سمكا مطبوخا انما نيء حيث اكتفوا بوضعه في محلول ملحي لعدة أيام ثم وضعوه أمامنا على الأطباق!ا  وكمحاولة يائسة أخيرة كأمنية المحكوم عليه بالإعدام سألنا النادلة ما إذا كان السمك قد تم طبخه ولو لبضع دقائق وتمنينا أن تكذب وتقول نعم لكنها  أصرت بفخر شديد أنه نيء ولم يطبخ و لم يتم حتى تقريبه من أي مصدر حراري!

- الأكل الحار
 جرب - أنت الشخص القادم من بلاد مثل اليمن - أن تطلب من أي مطعم تركي في المانيا، سندويتش شاورما "حار" و آخر غير حار، ثم اطلب من الجرسون أن يضعهما في طبق واحد أمامك و ألا يخبرك أيهما الحار، ثم تذوق من كل منهما و أتحداك بعدها أن تعرف أيهما الحار و أيهما غير الحار! لماذا؟ لأنهما لا يختلفان عن بعضهم البعض في الطعم فكلاهما بالنسبة لك أصلا غير حارين! فكثير من الأكلات القادمة إلى البلاد الغربية من مطابخ شرقية  مثل المطبخ التركي يتم تعديل التوابل فيها حتى تتلائم مع الذائقة الغربية.
و الطريف أنك عندما تسأل الغربيين هل تحبون الأكل الحار فسيجيبون بابتسامة عريضة نعم بالتأكيد!! و لكن عندما نتذوق ما يسمونه بالأكل الحار نقول لهم هل تسمون هذا أكلا حارا؟ لا بد أنكم تمزحون!

- الشاي  و القهوة
نحن العرب نشرب الشاي و كذلك القهوة بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي يشرب بها الغربيون هذين المشروبين الساخنين و الذين يتمتعان بأهمية كبيرة في كل أنحاء العالم.

فمثلا إذا أردنا نحن اليمنيون شرب الشاي فيجب أولا أن نقوم بغلي الماء على موقد الفرن في وعاء يسمى بالعامية "الجزوة" و من ثم نضيف السكر ثم الشاي "الفرط" و ربما الهيل أو النعناع حسب الرغبة، أما بالنسبة للشاي مع الحليب فنحن نضيف الحليب و الشاي إلى الماء المغلي و نتركه يغلي لعدة دقائق، و بعدها  يجب أن يقدم الشاي ساخنا بل و لدينا القدرة على شربه ساخنا فور وصوله! 

أما بالنسبة للقهوة فطريقة إعدادها تشبه طريقة إعداد الشاي، فنحن نقوم بغلي الماء في "الجزوة" أيضا و اضافة السكر و الهيل و مسحوق القهوة - و الحليب أيضا حسب الرغبة - و ترك جميع المحتويات تغلي لفترة ثم يتم تقديمها و شربها ساخنة أيضا. 



أما الشاي على الطريقة الغربية فالماء يتم غليه بغلاية الماء، ثم يتم وضع كيس الشاي في الفنجان و يصب عليه الماء الساخن. ثم لا يشرب الشاي إلا بعد أن يتحول الماء الساخن إلى ماء فاتر! فليس لديهم القدرة على شربه ساخنا جدا كما نفعل نحن! 


أما الغربيون فيستخدمون ما يسمى بـ "جهاز تحضير القهوة" و هذا الجهاز يأتي بأشكال و أحجام مختلفة، و عندما اشتريناه للمرة الأولى ، كنا نتأمله في شغف و كأنه "آلة الزمن" .وقتها  لم نعرف أين نسكب الماء و لا أين نضع القهوة! و لكن بعد الإستعانة باليوتيوب - الحمدلله أننا نعيش في عصر الإنترنت - و مع الممارسة و التكرار، صرنا خبراء في استخدام ذلك الجهاز، و اكتشفنا في تلك الآلة ميزة عجيبة و هي أنك مهما استخدمت من أنواع مختلفة من القهوة و مهما غيرت في مقدار الماء أو مسحوق القهوة فإنك تحصل في كل مرة على "نفس الطعم السيء"...! 





  و يعتمد تحضير القهوة في هذا الجهاز على وضع مسحوق القهوة في فلتر مصنوع من الورق، و يتم وضعه في قمع، ثم بعدها نقوم بصب الماء في خانة منفصلة و بعدها يتم تشغيل الجهاز، فيسخن الماء حتى الغليان و يتجه إلى القمع حيث القهوة في الفلتر فيتخلل الماء القهوة و لينزل في الوعاء الذي يقع أسفل فتحة القمع حيث تتقطر القهوة بداخله. 


و بعد أن تنتهي عملية تقطير القهوة "سيئة المذاق"، يقومون بصبها في الفناجين و تقديمها مع وعاء منفصل للحليب و وعاء للسكر ليتم اضافتهما حسب الرغبة.  و لكم أن تتخيلوا أن القهوة الناتجة عن هذه الطريقة ليست ساخنة جدا ، و ببعض الخيال أيضا يمكنكم أن تستنتجوا كيف تتحول القهوة بعد إضافة الحليب  البارد إليها إلى "عصير" فاتر عديم المذاق ليس بها تلك اللسعة والدخان المتصاعد من فنجان قهوتنا العربية.





لا زلنا مع ذلك نضطر لاستخدام ذلك الجهاز ليس لأننا نريد تقليد الغربيين في طريقة شربهم للقهوة و لكن لأننا عندما ندعو معارفنا و أصدقاءنا و جيراننا الغربيين فلا بد أن نعد لهم القهوة بالطريقة التي اعتادوا عليها، أما عندما نشرب قهوتنا الصباحية فنحن نعدها بطريقتنا التي اعتدنا عليها، فللقهوة المعدة بهذة الطريقة نكهة خاصة لا يفهمها إلا من اعتاد عليها، و لهذا كتب محمود درويش ثم غناها لاحقا مارسيل خليفة : "أحن إلى خبز أمي و  قهوة أمي..." و لو كانت أمه تعد القهوة على الطريقة الغربية لما غنى لقهوتها على الإطلاق!


 و في كل الأحوال، تظل ملاحظة هذه الفروقات الطريفة في عادات المأكل و الملبس و غيرها من الاختلافات الثقافية من الأمور الممتعة حقا، فهي تجربة غنية بالتفاصيل...تفاصيل حتى و إن كانت صغيرة إلا أن لها أهميتها  في رسم الصورة الكبيرة للشعوب و المجتمعات على اختلافها وتنوعها..





February 27, 2017

..لن اترك مقعدي


أنيس الباشا 

هل خطر ببالك يوما أن مجرد موقف بسيط يتخذه انسان عادي قد يؤدي إلى تغيير هائل يمتد أثره لأجيال؟
نعم.. ليس بالضرورة أن يكون الانسان بطلا فذا أو قائدا عسكريا أو شخصية هامة لكي يؤثر على محيطه أو فيمن حوله، و هذا بالضبط ما حدث مع السيدة روزا باركس التي لم تكن تتوقع أن الموقف العنيد الذي اتخذته في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر ديسمبر وهي في طريق عودتها إلى منزلها سوف يكون له أثره الكبير والهائل وسيجعل اسمها يدخل التاريخ من أوسع أبوابه.



في تلك الأمسية الباردة من شهر ديسمبر عام 1955 كانت روزا باركس الأمريكية من أصل افريقي تستعد للعودة إلى منزلها بعد يوم عمل شاق في متجر الخياطة الذي تعمل به، ركبت الحافلة وجلست في الصف الخامس من المقاعد، بعد قليل امتلأ الباص وصعد عدد من الأمريكيين “البيض” إلى الحافلة، وبحسب قوانين ولاية ألاباما التي حدثت فيها هذه الواقعة فإن قوانين الفصل العنصري كانت تنص على أن مقاعد الحافلات الأمامية يجب أن تظل محجوزة للبيض بينما يتوجب على السود الجلوس في الخلف، وبالاضافة لهذه الممارسة المقيتة فإن سائقي الحافلات تعودوا أن يطلبوا من السود أن يخلوا مقاعدهم للبيض حين يكون هناك ازدحام وتكون مقاعد البيض كلها ممتلئة وهي ممارسة عنصرية اضافية لا ينص عليها القانون لكنها ظلت تطبق لسنوات مع أن الاحصائيات تقول ان 70 % من راكبي الحافلات في مدينة مونتجومري بولاية ألاباما هم من السود!

وهكذا حين صعد أولئك البيض إلى الحافلة ولم يجدوا مكانا للجلوس قام السائق بالالتفات الى الصف الذي تجلس فيه روزا وطلب من السود الجالسين هناك أن يقفوا وهكذا تتوفر بضعة مقاعد للسادة البيض، كان الجالسون اربعة أفارقة بالاضافة الى روزا، نهض الثلاثة فورا وامتثلوا للأمر بينما رفضت روزا أن تترك مقعدها وتشبثت بعناد في حقها بأن تظل جالسة على المقعد الذي دفعت ثمن تذكرته..

والآن.. لو أن الأخت روزا باركس فعلت كما فعل البقية ونهضت وتركت مقعدها لما سمعنا عنها شيئا ولما كنا هنا نحكي قصتها، كانت ستعيش وتموت مثلها مثل أي شخص آخر ينتمي لطبقة السود أو ما يعرف ب "الامريكيون الأفارقة" وهي الفئة التي تكافح لتظفر بعيش كريم في بلد تفنن في اضطهادهم واذلالهم منذ قرون.

جميعنا بلا استنثاء بارعون في الشكوى والتذمر من سوء الاحوال ورداءة الاوضاع سواء على مستوى محلي ضيق أو على مستوى عالمي أوسع، لكن من منا لديه القدرة على أن يمتلك حس المبادرة وأن يكون هو القدوة ويقوم بعمل ما – أي عمل- ليغير من الواقع الذي يعيشه ويعاني منه كما يعاني الآخرون؟

لنأخذ مثالا على أبسط مستوى...كم مرة سمعنا عن أناس يشتكون من تراكم القمامة والأوساخ سواء في الحي أو في الشارع أو على مستوى المدينة كلها، لكن من مِن هؤلاء فكر في أن يرفع كيسا من الأرض أو على الاقل لا يرمي هو بمخلفاته في عرض الطريق بلامبالاة؟ من الذي سيقرر أن يقوم  بتنظيف وكنس مدخل بيته  أو مدخل الشارع يوميا أو حتى مرة في الاسبوع؟ لا أحد.. لكن الامر الذي سيتفق الجميع عفويا على فعله هو الشكوى والتذمر وأن الزمن تغير والنفوس صارت أسوأ!

نعود للسيدة روزا التي رفضت بعناد أن تترك مقعدها ليجلس عليه شخص آخر لمجرد أن لونه ابيض، مما جعل السائق يثور ويصب جام غضبه على تلك السيدة الافريقية ذات ال 42 عاما والتي – بكل وقاحة  – تصر على الجلوس بينما السيد الابيض واقف! هددها السائق بأنه سيتصل بالشرطة ليلقوا القبض عليها فما كان من روزا إلا أن لملمت أطراف معطفها الرث واحتضنت حقيبتها بقوة وهي تقول بهدوء يخفي خلفه براكين وحمم من الغضب والقهر والمرارة “ إذن فافعل”..



وبالفعل تم اعتقال روزا وحُكم عليها بأنها مذنبة وتم تغريمها مبلغ عشرة دولارات اضافة الى مبلغ اربعة دولارات مصاريف المحكمة، لكن هذه الحادثة كانت الفتيل الذي اشعل شرارة التغيير، فقد تحمس عدد من الناشطين مع قضية روزا ومن بينهم القيادي في نقابة الحمالين إدجار نيكسون وتم الاتفاق على مقاطعة شاملة للحافلات العامة وتم الترويج والاعلان لهذه المقاطعة في كل مكان في المدينة، كان الطلب موجها لكل السود بأن لا يركبوا الحافلات العامة يوم الاثنين 5 ديسمبر 1955 –وهو  يوم محاكمة روزا –  وقد خاطب الاعلان السود بلهجة واضحة مؤثرة “بمقدوركم ألا تذهبوا للمدارس يوما واحدا ، اذا كنتم تعملون استقلوا التاكسي أو امشوا على الاقدام، ولكن رجاء لا تركبوا الحافلات أبدا يوم الاثنين”

لسوء الحظ كان يوم الاثنين يوما ماطرا، لكن برغم ذلك امتثل جميع السود المقيمين بالمدينة للطلب وحتى من استخدموا التاكسيات في تنقلاتهم ركبوا مع سائقين سود والبعض استخدم الدراجات الهوائية بينما اضطر حوالي اربعين الف شخص إلى المشي يومها وقطع مسافات طويلة بعضها يصل لثلاثين كيلومترا!

والآن لنتخيل موقفا مشابها يحصل في أي بلد عربي، مجموعة أو فئة من الناس تتعرض للظلم والاضطهاد أوالتهميش ثم تأتي الفرصة للمطالبة بالحقوق ويكون على الناس فقط أن يتخذوا موقفا موحدا وأن يقدموا بعض التنازلات والتضحيات.. ماذا ستكون النتيجة؟

قبل سنوات عديدة كنت وشقيقي نملك مشروعا تجاريا صغيرا عبارة عن محل لتقديم خدمات الكومبيوتر والانترنت، وفي إحدى المرات فوجئنا بمشروع ينفذه مكتب الاشغال بالمدينة يقضي بعمل أرصفة واسعة ذات شكل موحد لجميع الشوارع التجارية في المدينة وكانت خطة المشروع تقضي بأن يتم هدم كل الارصفة الحالية المختلفة في الشكل واللون ثم يتم بناء أرصفة جديدة موحدة مكانها.وهكذا تم اعلام جميع ملاك ومستأجري المحلات بالموضوع.. إلى هنا والكلام مقبول وما دام الأمر – مع انه غير ضروري- فيه نوع من التحسين فلم لا؟

لكن يبدو أن أحد العباقرة العاملين في هذا المشروع فكر في أن الحكومة يمكن أن توفر مبالغ كبيرة تم رصدها لهذا المشروع “الحداثي” الذي لم يطالب به أحد من الأساس في مدينة تعاني من شح المياه وانقطاع الكهرباء وتعاسة الشوارع "التي يريدون أن يجملوها بالأرصفة!"، وهكذا قام ذلك العبقري بتعديل الخطة بحيث يتولى مكتب الاشغال عملية "هدم" الارصفة وهي المهام التي تجيدها كل الجهات الحكومية العربية ببراعة واقتدار، ثم جاءنا من يبلغنا في اليوم التالي بأن على كل صاحب أو مستأجر محل أن يقوم بتمويل عملية بناء الرصيف التابع له مع الالتزام بالمواصفات والمعايير التي  وضعها مسبقا مكتب الاشغال والويل كل الويل لمن يخالف أو يرفض!

اشتعلت اعماقي غيظا من هذه التصرفات المافياوية وتمنيت ان يقف جميع من لهم شأن بالموضوع موقفا واحدا لرفض هذا الاجراء المفروض بطريقة تعسفية سافرة، وحين سمعت ان هناك اجتماعا لكل من يملك محلا في ذلك الشارع التجاري الطويل لمناقشة هذا الموضوع ذهبت وأنا غير متحمس بسبب تجارب سابقة ولدت لدي قناعة بأن الحجر يمكن أن يتكلم يوما ما لكن لا يمكن لليمنيين أن يتفقوا على رأي أو موقف، لكني فوجئت بأن كل من اجتمعوا يومها كانوا رافضين للموضوع رفضا باتا وأكدوا أن علينا أن نقف جميعا ضد ذلك القرار الظالم وأن تنفيذ هذا المشروع التافه – كذا وصفوه بالحرف- يقع على عاتق الحكومة وليس علينا نحن، وهو كلام منطقي للغاية وبدا لي كأعذب سيمفونية سمعتها في حياتي، وكادت الدموع تطفح من عيني حين سمعت أحدهم يصيح في حماس بأننا كأصحاب أعمال ومشاريع صغيرة أو كبيرة لن نرضى بالاستغلال بعد اليوم وأنه من الواجب علينا أن نعقد اجتماعات اخرى لمناقشة كل المشاكل والمضايقات التي نواجهها من قبل الجهات الحكومية التي تتفنن في التضييق علينا، وتطوع آخر بالقول أن علينا أن ننشئ نقابة خاصة بنا تعمل على توحيد صفنا و جمع كلمتنا، كنت اتلفت يمينا ويسارا وأنا شبه مصدوم وما أسمعه أجمل من أن أحلم به، وتراءت لي بعين الخيال مشاهد ثورية درامية وطافت بذهني صور لتلك الاحتجاجات المدنية والحقوقية التي طالما قرأت عنها – في بلدان الغرب بالطبع – وكان جسدي يرتجف وقد بدا لي أنني سأعيش إحداها قريبا، كان المشهد دراميا خصوصا حين انتهى الاجتماع وتعانق الجميع في حرارة مؤكدين القسم بأن يكونوا صفا واحدا ويدا واحدة أمام الظلم والقمع والاضطهاد و...و...، و خرجت بسرعة وأنا أغالب الدموع والمشاعر التي انتابتني طوال ذلك اليوم وأشعر بنشوة عارمة وأنا أتخيل وقع الصدمة على أولئك الفاسدين في مكتب الأشغال ..

لكنني تفاجأت بعدها بيومين بأن أعمال البناء والرصف بدأت في كل ركن من الشارع ، قلت لنفسي
أنه ربما وصل للمسئولين أصداء اجتماعنا وقرارنا بعدم الرضوخ فقرروا القيام بالعمل بأنفسهم، إلا أن أحد أصدقائي جاء ليؤكد لي أن  الملاك والمستأجرين – الذين اجتمعوا بالأمس- هم من يدفع ويمول عملية بناء الأرصفة الجديدة وبكل حماس وأريحية! كانت الصدمة شديدة..ماذا عن كل ذلك الحماس والصراخ والقسم الذي لم يصمد حتى اسبوعا واحدا..؟

 ثم تملكني العناد والرفض فقررت ألا أستسلم للابتزاز وأن أقاوم وحدي، وكان من المضحك أن نقاشاتي اليومية مع موظفي مكتب الاشغال الذين استمروا بالمجيء إلي يوميا لاقناعي بدفع "أتاوة" البناء لم تكن تتمحور حول اعتراضي على أحقية الموضوع من عدمه أو قانونيته أو أي منطق آخر، بل كان الجميع يكرر لي نفس الجملة تقريبا "ما دام الجميع انصاعوا ورضخوا ودفعوا فلماذا تكون أنت الاستثناء الوحيد..أليس من الأفضل و"الأسلم" أن تدفع مثل البقية"؟ ولأن حجتهم كانت أقوى من حجتي ولعدم وجود أناس من عينة إدجار نيكسون أو مارتن لوثر كينج من حولي والذين حظيت بهم الاخت روزا بانكس والتي لم تنقصها هي ايضا الشجاعة والصمود، وحرصا مني على الحفاظ على ما بقى من قواي العقلية جراء تلك الزيارات اليومية التي لا تنقطع فقد اضطررت للأسف في نهاية المطاف بأن أوافق على دفع المبلغ الذي كان يجب أن يتحمله مكتب الأشغال منذ البداية..

بالطبع هذه القصة مجرد مثال بسيط يوضح طبيعتنا العجيبة المتناقضة التي لا تعرف كيف تقف وتتفق من أجل مصلحتها ..هكذا كنا  وهكذا سنكون ولذا يستمر مسلسل تعرضنا للظلم والاضطهاد وانتقاص الحقوق.

أما مع روزا بانكس فقد كان الأمر مختلفا ..كان أقصى ما يحلم به من دعوا لذلك الإضراب في يوم محاكمة روزا وذلك دعما لحقوق السود ورفضا للعنصرية والمهانة ضدهم أن ينفذ الاضراب خمسون بالمائة من مجتمع السود وكانت النتيجة صاعقة.. لقد التزم 99% بدعوة المقاطعة ، وحاولت الجهات الامنية عمل اي شيء لايقاف الاضراب وتم اعتقال بعض الداعمين الرئيسين للمقاطعة والتأجيج مثل رائد الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج وزميله رالف أبيماثي ، كما اندلعت أعمال عنف وتعرضت اربع كنائس للسود ( لاحظ الدور الذي لعبته السلطة الدينية لنصرة الحق والحرية وعوام الناس وليس العكس) بالاضافة إلى منزل مارتن لوثر لاعمال شغب وتفجيرات، لكن شرارة المقاطعة والاحتجاج والمطالبة بانهاء التعامل المهين مع السود انتشرت كالحمى وظهرت في مناطق أخرى من الجنوب الأمريكي المليء بالممارسات العنصرية، ورفض السود في كل المدن ان يتركوا مقاعدهم في الحافلات من أجل البيض تماما كما فعلت الملهمة الأولى روزا، وامتد الاضراب من يوم واحد إلى 381 يوما!

ولأنه لا توجد قوة يمكنها ان تصمد أمام إرادة الناس مجتمعين، ففي الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1956 حكمت المحكمة العليا ضد قوانين الفصل العنصري وبأنها غير دستورية. وبعد تلك الحادثة ولنصف قرن تقريبا أضحت روزا بانكس ايقونة للحرية والكرامة في أمريكا كلها ونالت العديد من الجوائز والأوسمة. ففي عام 1996 حصلت روزا على الوسام الرئاسي للحرية وعام 1999 تم تكريمها بالوسام الذهبي للكونجرس الأمريكي وهو أعلى وسام يُمنح لمدني في الولايات المتحدة وقد حصل عليه من قبل جورج واشنطن وتوماس أديسون والأم تيريزا. وحين توفت روزا عام 2005 عن عمر 92 عاما كانت أول إمرأة في تاريخ الأمة الأمريكية يتم وضع جثمانها في مبنى الكابيتول منذ وفاتها إلى حين الانتهاء من مراسم الجنازة والدفن وهو اجراء لم يحظ به سوى 30 شخصا في تاريخ الولايات المتحدة منذ عام 1852 وليس من بينهم إمرأة واحدة . كما كان يوم جنازة روزا حافلا حضره العديد من الرؤساء ونكس فيه العلم الأمريكي وعلقت شارات حداد سوداء على كل المقاعد الأمامية لحافلات النقل.



وفي عام 2001 أعلن مدير متحف فورد في ميتشيغن عن شراء الحافلة القديمة رقم 2857 وهي الحافلة التي كانت تستقلها روزا حين رفضت التخلي عن مقعدها وقد تم شراءها وتجديدها بمبلغ 492 ألف دولار أمريكي.




لم تنجب روزا أطفالا لكنها خلدت اسمها في وجدان الكثيرين وعرف العالم كله قصة هذه السيدة الشجاعة التي قررت يوما أن تقف بشجاعة ضد الظلم والاضطهاد الذي يطالها ويطال بني جلدتها.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يجلس في الحافلة رقم 2857 على مقعد روزا


في الكتاب الذي يحكي سيرتها الذاتية تقول روزا عند استرجاعها لذلك الموقف مع السائق "يقول الناس دائما أنني رفضت التخلي عن مقعدي لأنني كنت متعبة، لكن ذلك ليس صحيحا.. لم أكن يومها متعبة جسديا لكن التعب الوحيد الذي كان لدي هو التعب من مواصلة الاستسلام"

ترى كم منا يعاني من هذا التعب المعنوي؟ تعب الاستسلام والقبول بالظلم والاضطهاد والقهر سواء كان من جهة حكومية أو من رب العمل أو حتى من والد أو من زوج أو من أخ ؟ ما الذي نفعله كأفراد وكشعوب لمواجهة الظلم؟ لاشيء سوى مزيد من الشكوى والتذمر والتحمل.. ولذلك ولأننا لم نظفر بأناس من عينة روزا بانكس ومارتن لوثر كينج فسنظل دائما نعاني من التعب الجسدي والنفسي، وسنتحمل الوقوف والذل من أجل راحة الظلمة والمستبدين، لن نتشبث بمقاعدنا ونقرر ألا نتركها حتى نحصل على حقوقنا كاملة، بل سنخضع ونرضخ إلى أن يأتي اليوم الذي لا نجرؤ فيه حتى على مجرد الشكوى أو التذمر.