Pages

April 13, 2022

!.... حروبهم و... حروبنا

 

أنيس الباشا

لا صوت يعلو هذه الأيام على صوت الحرب الحاصلة في أوكرانيا، ومن الطبيعي أن يستحوذ هذا الحدث على اهتمام ومتابعة من قبل الجميع لأن الكل – بشكل أو بآخر – سواء على مستوى الأفراد أو الدول تأثر ويتأثر بتداعيات هذه الحرب سواء كنا نتحدث عن دول أومجتمعات في أقصى الشرق أو الغرب..

بداية قبل أن أتحدث في موضوع هذا المقال أود أن أؤكد بوضوح أنني كانسان وكفرد ضد فكرة الحرب بذاتها بغض النظر عمن يشنها وبغض النظر أيضا عن الأسباب والمبررات والدوافع التي قد تجادل وتحاجج بها الأطراف المتحاربة.. أنا شخصيا أنتمي لبلد دمرته – ولا زالت تدمره – حرب تسببت في مقتل ما يقرب من الأربعمائة ألف من ابنائه بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال وهو رقم مهول للغاية ويجعل الحديث عن أي مبررات أو تبريرات للحروب و النزاعات المسلحة في قمة السخافة و النذالة أيضا!

كان لا بد لي من هذا التوضيح لأن ما يجري في أوكرانيا قسم العالم إلى قسمين: مع وضد! وكل طرف يسوق حججه - و ربما أكاذيبه أيضا، وحتى مع تقدم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي العابر للحدود والقارات فإن حجم التضليل والتزييف لا يزال كبيرا ويلعب دورا في غسل الأدمغة والتأليب والتوجيه في اتجاهات معينة ولأغراض مختلفة، و كما تقول الحكمة المشهورة " الحقيقة هي أول ضحايا الحرب" لذا فإن ما دفعني لكتابة هذا المقال ليس الرغبة في أن أكون "مع" أو "ضد" ، لكن من خلال متابعتي للأحداث و لمجريات هذه الحرب تولدت عندي ملاحظات و انطباعات معينة ووجدت نفسي لاشعوريا أقارن بين هذه الحرب وبين الحروب التي تشهدها منطقتنا العربية وخصوصا الحرب العبثية التي تدور رحاها في اليمن، وهي ملاحظات بعيدة كل البعد عن محاولة لوم طرف أو تبرير لآخر، فكل شخص بإمكانه أن يتابع مجريات الأحداث و أن يطلع على حقائق التاريخ والجغرافيا و من ثم يستخلص و يكون رأيه الخاص أو حتى يتبنى آراء مسبقة وضعها غيره..!

 

وضوح الأهداف

منذ حتى قبل بدء الهجوم الروسي وإلى ما بعد دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا كانت القيادة الروسية واضحة في تحديد أهداف تحركها العسكري ( سواء اختلفنا أو اتفقنا مع هذه الأهداف من ناحية سياسية أو انسانية)..

فروسيا ترى – وهذا الموقف أعلنته بوضوح منذ سنوات - في انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو تهديدا لأمنها القومي و أعلنت انها لن تسمح بذلك وأنها ستقوم أيضا بضمان حماية القوميات الروسية الموجودة في شرق البلاد.. هكذا بوضوح و بدون عبارات انشائية أو عنتريات شعرية.. أقول هذا وأنا أتذكر التصريحات السعودية و الخليجية أثناء وبعد الحرب التي شنوها ضد اليمن! وهي عبارة عن عبارات و شعارات انشائية مطاطة خالية من أي مضمون أو أبعاد أو أهداف إستراتيجية.. فعبارات مثل "كسر يد إيران في المنطقة" أو "إعادة السلطة الشرعية المُنتخبة" أو "تحرير اليمن و اليمنيين من المد المجوسي الفارسي...الخ"، بل أن أسماء العمليات العسكرية لم تخل أيضا من الركاكة اللغوية على غرار "عاصفة الحزم" أو "إعادة الأمل" وغيرها..

و كل هذا كلام فارغ لا معنى له من الناحية العملية وربما كان مناسبا لجلسات شعرية أو مسابقات أدبية من الدرجة الثالثة لكن على أرض الواقع يجب أن تكون الأهداف الإستراتيجية للحرب واضحة و محددة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المقولة الشهيرة للمفكر كارل كلاوفيتز بأن الحرب هي " إمتداد للسياسة و لكن بطريقة أخرى.." 

 لكن بالنسبة لحرب اليمن فلم يكن هناك "سياسة" واضحة ولا أهداف منطقية لدى أولئك الذين اتخذوا قرار الحرب..! وتكفي مجرد الإشارة إلى التصريحات المبالغ فيها من قبل الدول التي شنت الحرب ضد اليمن وبأن الأمر لن يستغرق سوى أيام أو أسابيع لحسم الأمر و السيطرة على اليمن و ظل إعلامهم يردد هذه السيمفونية ( بطرق شعرية بحتة تضمنت القصائد و النثر المسجوع) حتى دخلت الحرب عامها الثامن و الأهداف التي تحققت هي تدمير اليمن و القضاء على بنيته التحتية المتواضعة وقتل مئات الآلاف من أبنائه وتجويع البقية بينما تتعرض السعودية والامارات للضربات المضادة من الجانب اليمني والتي تطال مدنهم و منشآتهم الحيوية!

 بالتالي يمكن لأي متابع مُطلع على مجريات الأحداث أن يخرج بنتيجة مفادها أن الحرب في اليمن لم يكن لها أي أهداف أو منظور إستراتيجي قريب أو بعيد المدى، وأن ما جرى لم يكن إلا أوهام متغطرسة لمجموعة من الأشخاص امتلكوا مقادير الحكم في بلدانهم و امتلأت أنفسهم بمزيج من عقد النقص و جنون العظمة و الرغبة في التدمير و استعراض العضلات إلى جانب رغبات انتهازية "لصوصية" بحتة تجلت بوضوح حين لم تسلم حتى "الأشجار"اليمنية من النهب و السلب!

 

حجم الدمار

لو سلمنا جدلا بصحة التقارير الغربية و نحينا جانبا ما يصدر في المقابل من الجانب الروسي حول بنك الأهداف و حجم الدمار و الاستهداف و قارنا هذا بأول سنة فقط من حرب اليمن لخرجنا بالحقائق التالية..

 رغم امتلاك روسيا لترسانة حديثة وهائلة من الأسلحة التي كان بإمكانها أن تدك أوكرانيا دكا إلا أن معظم الاستهداف و التدمير كان ضد مقار و أهداف عسكرية يتم الاعلان عنها من قبل الجانب الروسي و لا ينكرها حتى الجانب الغربي -الأوكراني.. فلم يحدث حتى الآن أن تم قصف مستشفيات أو سيارات اسعاف أو مدارس أو دور عبادة أو صالات للمناسبات الاجتماعية بشكل متعمد و متكرر مثلما حصل ويحصل في اليمن و كانت نتيجة ذلك سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين بينهم نساء وأطفال ..

حتى الأماكن التاريخية و الأثرية في اليمن لم تسلم من القصف الهمجي و التدمير بلا أي مبرر أو مغزى مما يثير التساؤلات عن الجدوى من القيام بذلك إلا لمجرد الرغبة في التدمير و الانتقام حتى من الإرث الحضاري و الإنساني (وهذا يؤكد و يعيدنا مجددا لمسألة عدم وجود أهداف استراتيجية واضحة!)

 

المسئولية

كان من اللافت جدا أن الأطراف المتحاربة في أوكرانيا أبدت رغبة حقيقية في الجلوس و التفاوض منذ الأيام الأولى للحرب وقد عقدت بالفعل عدة جلسات بين الجانبين الروسي و الاوكراني في دول مختلفة.. وكان هناك وضوح في تحديد المسؤلية فلم نسمع أن روسيا مثلا تهربت من التفاوض وطلبت بدلا من ذلك أن يجلس "الفرقاء" الأوكرانيون مع بعض ليتحاوروا بينما ترعى هي الحوار بصفتها "الشقيقة" الكبرى للجميع مثلما تفعل السعودية! و يرى بعض الخبراء أن أحد الأسباب وراء  الانسحاب الروسي من مناطق واسعة في أوكرانيا هو رغبة الجانب الروسي في عدم تحمل المسؤولية القانونية و الإدارية لهذه المناطق حيث تدرك روسيا أنها- لو بقت- فستكون مسئولة عن كل شيء يخص المواطنين هناك بصفتها سلطة احتلال.. قارن هذا مع مواقف السعودية والإمارات اللتين تسيطران على المناطق الجنوبية في اليمن أعلنوا انها "محررة" ومع ذلك لم تقم أيا من هاتين الدولتين بتحمل المسؤلية الإدارية والأمنية و الخدماتية لهذه المناطق التي تشهد فوضى وقلاقل أمنية و انعدام لأبسط مقومات الحياة و الخدمات المعيشية..!

بالإضافة إلى ذلك ترفض السعودية الإقرار وتحمل مسئوليتها وتصر حتى اليوم على أنها ليست طرفا في هذه الحرب..! و كأن جزر المالديف أو كولومبيا هي من يشن الحرب في اليمن وتقصف طائراتها كل شبر في البلد منذ ثمان سنوات! كما ترفض السعودية المشاركة في أي جلسات تفاوضية من أجل الوصول إلى تسوية أو مخرج لإنهاء الحرب.. كما ترفض أيضا بشدة الإقرار بتحمل المسؤلية عن تبعات الحرب أو حتى جزء منها (فيما يتعلق بالتعويضات وإعادة الإعمار)..

 

ختاما.. لا جدال أن الحرب شيء بشع و مُدمر و أنها وبال على رؤوس الجميع.. ولكن حتى في هذه المسألة لا تستوي الحروب فهناك فروق وشتان بين حرب و حرب.. و يكفي النظر إلى الحرب الدائرة في أوروبا الآن والحرب الجارية في بلدان عربية  كاليمن و العراق و سوريا و ليبيا لمعرفة الفرق بين حروبهم و .. حروبنا!

June 19, 2021

! مادام بتلقط ... خليها

 

Pic from Pexels





أنيس الباشا


في أحد المشاهد الطريفة للمسرحية الشهيرة "أهلا يا دكتور" التي عرضت في الثمانينات من القرن الماضي يقوم سمير غانم -رحمه الله- الذي يؤدي دور الطبيب بالكشف على مريض عجوز يعاني من عدة أمراض، وبينما يفحص الطبيب عيني المريض ينظر إليه ويسأله باستغراب "بتشوف بيها إزاي دي يا حسنين؟" وقبل أن يأتيه الرد يتابع الطبيب السؤال "ماشية مع حضرتك؟" وعندما يومئ المريض برأسه إيجابا يربت سمير غانم الذي يؤدي دور الطبيب على كتف المريض ويتابع "خلاص ما دام بتلقط ..خليها!"

هذا المشهد على طرافته وبالذات جملة "مادام بتلقط خليها" يمكن أن يلخص حال المعالجات الطبية في بلد متقدم مثل ألمانيا بالنسبة لمن يملكون تأمينا صحيا عاما أو ما يُعرف باسم "التأمين الصحي القانوني".. وبالتأكيد سوف يستغرب الكثيرون - بالذات في العالم العربي - من هذا الكلام لأن أغلب الناس هناك تعتقد أن أنظمة التأمين الصحي في دول  أوروبا المتقدمة تدلل الناس و توفر لهم أفضل الرعاية والمعالجة الطبية لمجرد أن أحدهم أصيب بإمساك أو دخل في نوبة عطس..!

وقبل أن أوضح علاقة ذلك المشهد بمسألة التأمين و الرعاية الطبية هنا لا بد أن أتحدث بشكل سريع عن التأمي الصحي وأنواعه في ألمانيا. بداية فإن القانون الألماني يلزم أن يكون لدى كل انسان مقيم على الأراض الألمانية تأمين صحي. وتتكفل الدولة بتغطية نفقات التأمين لمن لا يقدر على دفعها، يعني أنه لا يوجد شخص يعيش في ألمانيا ليس لديه تأمين صحي يغطيه في حال الاحتياج. و بشكل عام ينقسم التأمين الصحي في ألمانيا إلى نوعين: التأمين الصحي القانوني و التأمين الصحي الخاص.

في التأمين الصحي القانوني (العام) يتم تحديد الرسوم طبقًا لمستوى دخل الفرد، وأساس المحاسبة هو إجمالي الدخل حيثُ تُقتطع منه نسبةٌ ثابتة هي 14,6 بالمائة (من الراتب أو الدخل الشهري) كما يمكن من خلال هذا التأمين ضم الأطفال و الأزواج مجانا.

أما التأمين الصحي الخاص فهو مُتاح لفئات معينة مثل الأجانب و الموظفين الذين تزيد دخولهم الإجمالية عن حد التأمين الإلزامي أو رجال الأعمال أو موظفي القطاع العام (حيث تُعد هذه إحدى مزايا العمل في القطاع الحكومي). الخدمات التي يحصل عليها أصحاب هذا النوع من التأمين لا تخضع للقواعد الحكومية، وتتفوق على التأمين الصحي العام بأنها أكثر وأشمل من حيث التجهيز.

 بقى أن أضيف معلومة صغيرة مهمة هي أن أغلب الناس في ألمانيا لديها تأمين صحي عام ونسبة قليلة تتمتع بالتأمين الخاص. وبلغة الأرقام، فبحسب إحدى الاحصائيات في 2017 فإن حوالي 8.78 مليون شخص في ألمانيا كان لديهم تأمين خاص وهو ما يشكل 11% من مجموع عدد السكان (عدد سكان ألمانيا 82 مليون نسمة) وفي المقابل فإن ما يقرب من 73 مليون شخص يعيش في ألمانيا (بنسبة 89 %) لديهم تأمين صحي عام. أي أن فئة قليلة جدا من الناس تتمتع بمزايا التأمين الصحي الخاص والأغلبية يحصلون على تأمين عام.

والآن بعد أن تحدثنا عن التأمين الصحي وأنواعه في ألمانيا نعود لموضوع المعالجة نفسها التي أشرت إليها في بداية المقال، فحين يشكو الشخص من مشكلة مرضية فإنه يذهب أولا إلى طبيبه العام أو ما يسمى بالألمانية   Hausarztوهذا بدوره يقرر بعد الفحص الأولي الذي يجريه للمريض ما اذا كان بإمكانه معالجة الحالة أو اذا كان من الأفضل أن يحيل المريض إلى طبيب مختص، فمثلا عندما يتعلق الأمر بأعراض روتينية أو بسيطة يقوم الطبيب العام بمعالجة الحالة بنفسه وربما يصف بعض الأدوية عند الضرورة ( لا يميل الأطباء هنا في العادة إلى صرف أدوية على الفاضي والمليان ) ، أما لو كانت الحالة معقدة أو تحتاج لتخصص معين مثلا لو كان الأمر يتعلق بمشاكل في العظام أو القلب أو غيرها فحينها يقوم الطبيب العام باحالة المريض إلى مختص عظام أو أمراض قلب أو جلد وهكذا ، والخيار يُترك للمريض في أن يختار الطبيب المختص الذي يريده وبامكانه أيضا ان يطلب من طبيبه العام أن يرشح له بعض الأسماء.. ويمكن للشخص الذي يعاني من مشكلة صحية معينة أن يذهب مباشرة إلى الطبيب المختص دون المرور على طبيبه العام ، مثل أن يكون لديه مشكلة في عينيه أو في الأسنان أو الجلد ، فحينها يمكنه الذهاب إلى الطبيب المختص بهذا الفرع من الأمراض مباشرة .. وفي كل الأحوال سواء اكتفى المريض بزيارة طبيبه العام أو طبيب مختص يقوم التأمين العام بتغطية كل النفقات المطلوبة..

 لكن الذي يحدث في كل هذه الحالات ، يعني سواء زار المرء طبيبه العام أو تمت احالته إلى طبيب مختص في فرع معين من فروع الطب أو ذهب هو بنفسه إلى الطبيب المختص مباشرة فإن مسألة التعاطي مع المرض أو الشكوى وايجاد علاج أو حل لها يعتمد على الحالة نفسها وينطبق عليها مبدأ "مادام بتلقط ...خليها".. بمعنى أنه حين يشكو شخص ما من أن لديه ضعف في إحدى ساقيه، حينها سيقوم الطبيب العام بفحصه واذا وجد أن الحالة ليست مستعصية أو متردية ولا تشكل عبء أو عائق حقيقي أمام الشخص لممارسة حياته فإنه قد ينصح المريض بممارسة بعض التمارين أو ربما يحيله إلى نادي صحي للمشاركة في بعض الجلسات العلاجية ، أي أن الطبيب العام قد يجد أن الموضوع لا يحتاج إلى الإحالة أصلا إلى طبيب مختص..يعني ما دام بتمشي خليها !

 وليس الأمر كما قد يتصور البعض بأنه مجرد أن يستيقظ أحدهم ويكتشف أن لديه صداع أو فقدان شهية أو تنميل في إحدى ساقيه ويقرر الذهاب إلى الطبيب فإن الدنيا حينها ستقوم ولن تقعد وسيتم ادخال المريض المستشفى على الفور واستدعاء أكبر وأمهر أطباء البلاد لإجراء عدد من الفحوصات المعقدة أو إجراء عملية جراحية ، وربما يقوم وزير الصحة شخصيا بزيارة المريض والإطمئنان عليه فيما بعد..!

 لا.. ليس الأمر كذلك على الإطلاق إنما يُقدر الأمر بقدره وظروفه وفي أغلب الأحوال يتم تسوية المسألة في عيادة الطبيب العام نفسه..

 ولكن إذا كان هناك فعلا ما يدعو إلى القلق أو كان هناك شيء يهدد حياة المريض أو يؤثر بشكل واضح على ممارسته لحياته الطبيعية فحينها يتم اتخاذ كل الاجراءات اللازمة و تكون هناك اختبارات وفحوصات وإحالات ومراجعات وربما حتى إجراء عملية جراحة إن تطلب الأمر إلى أن يتم التأكد أن كل شيء على ما يرام..وفي كل هذه المراحل يقوم التأمين العام بتغطية كل النفقات ولا يدفع المريض إلا رسوما رمزية أحيانا خصوصا فيما يتعلق بالأدوية..

 أما لو كان الشخص مليونيرا فإن الوضع يختلف بالطبع ، فبإمكانه بالتأكيد في أي وقت يشعر فيه بصداع خفيف أو فقدان للشهية أو ألم في أصبع قدمه الكبير أن يحجز في أفخم المستشفيات الفندقية وأن يحصل على أفضل أنواع الرعاية والعلاج و المتابعة و طبعا كله بحسابه!

 و كما ذكرت .. فمالم يكن هناك تهديد حقيقي لصحة المريض أو لم يكن المريض مليونيرا فإن القاعدة التي تسري في موضوع الرعاية والعلاج لأغلبية الناس حتى في بلد متقدم مثل ألمانيا يمكن تلخيصها في ذلك المشهد وفي تلك الجملة تحديدا.. "ما دام بتلقط .. خليها"!

 

May 24, 2021

!....الضعيف أولا

 




أنيس الباشا


عندما تمشي في شوارع أي مدينة ألمانية ستلاحظ دائما أن هناك علامات واشارات معينة مختلفة تنظم حدود السرعة المسموح بها خصوصا في الأحياء السكنية أو بالقرب من مدارس و رياض الأطفال، حتى أن بعض الشوارع المفضية إلى أحياء سكنية تُلزم سائق السيارة بأن يسير بسرعة منخفضة جدا تقارب سرعة مشي الانسان العادي وذلك مراعاة لوجود مساحات داخل هذه الاحياء قد يلهو أو يلعب فيها الأطفال ..

هذه الاشارة تلزم السائق بالسير بسرعة المشي حرصا على سلامة الأطفال وساكني المنطقة



يجب ألا تزيد السرعة عن 30 كم في جميع الشوارع التي تحتوي على بيوت أو مجمعات سكنية 

وإذا أراد الشخص أن يركن سيارته في أحد الأماكن المخصصة لذلك سيلاحظ دائما أن هناك أماكن يتم حجزها وتخصيصها لذوي الاحتياجات الخاصة وتكون هذه الأماكن في موضع متميز بحيث تراعي القرب من المكان الذي سيقوم فيه الشخص الذي يعاني من اعاقة -أو من يصطحبه- بايقاف سيارته فيه، هناك أيضا مواقف تُخصص للآباء و الأمهات الذين يصطحبون أطفالهم ويُراعي فيها قربها أيضا من بوابة المكان (مثل السوبرماركت أو المركز التجاري) وأيضا سعتها بحيث تسمح بإنزال عربة أطفال أو أكثر.. هناك أيضا مواقف سيارات كاملة مخصصة فقط للنساء وتكون عادة قريبة من مداخل ومخارج مرآب السيارات خصوصا المواقف الكبيرة أوالتي تقع تحت الأرض..

هناك دائما مواقف لذوي الاحتياجات الخاصة وتكون قريبة جدا من مدخل المكان


هذه المواقف تُخصص للآباء الذين يصطحبون أطفالا في سياراتهم وتكون واسعة وقريبة من المدخل


وحين تفكر أن تستقل حافلة عامة أو قطار ستلاحظ أن الحافلات والقطارات تُصمم بحيث يمكن لمن يستخدمون الكرسي المتحرك الصعود والنزول إلى ومن الحافلة أو القطار بدون صعوبة، كما ستلاحظ أيضا أن هناك أماكن  ومساحات داخل وسائل المواصلات هذه مخصصة للمعاقين وكبار السن والحوامل وتكون في العادة قريبة من بوابة الصعود والنزول حتى يسهل عليهم الركوب أو المغادرة..


على الجانبين مواقف مخصصة فقط للنساء وهي قريبة من مدخل ومخرج المرآب ومضاءة بشكل جيد

حتى دورات المياه و الحمامات سواء كانت في حدائق عامة أو مراكز تجارية أو مكاتب حكومية أو حتى تلك التي توجد في الاستراحات بين الطرق السريعة ستجد دوما أن هناك حمامات مخصصة لذوي الاعاقات ومن يستخدمون الكرسي المتحرك أو من لديهم أطفال يحتاجون إلى تغيير الحفاظ..

هذه المراعاة الشديدة لفئات المجتمع المختلفة لا تقتصر فقط على هذا الشكل "الظاهري" الذي يراه المرء في الشوارع والمحلات والطرقات ووسائل المواصلات، إنما تتعدى هذا إلى مراعاة حقيقية و ملموسة لأفراد المجتمع في احتياجاتهم و متطلباتهم والتي ترتكز على فقرات وقوانين ومواد تُشكل ما يعرف بالكود أو القانون الإجتماعي الذي يسعى لتحقيق العدالة والرفاهية الإجتماعية لجميع فئات المجتمع خصوصا الفئات الضعيفة..


إن القوانين الإجتماعية التي تُطبق في ألمانيا كانت ولا تزال من الأمور التي تثير اعجابي وانبهاري خاصة بالنظر إلى الخلفية التي جئت منها كشخص نشأ وعاش في مجتمع هو أقرب إلى الغابة حيث لا سيادة للقانون ولا وجود للعدالة إلا في القصص و الأفلام، مجتمع لا يُراعي الفرد أو يرحم الضعيف أو يُنصف المظلوم، و الحق فيه يؤخذ بالقوة أو بالمحسوبية أو الاكتفاء ب "الحسبنة" وانتظار يوم البعث والقصاص..!

فهذه القوانين التي تمت صياغتها وتعديلها وتطويرها عدة مرات إلى أن دخلت حيز التنفيذ بشكل نهائي في السبعينات من القرن الماضي وهي مقسمة إلى فصول ومواد وفقرات عديدة لكنها تهدف في النهاية إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص و المساواة ، كما أنها تراعي ظروف جميع أفراد المجتمع خصوصا الفئات الضعيفة فيه مثل الأطفال والنساء و أصحاب العاهات أو الإعاقات..


ولا يمكن أبدا الحديث بالتفصيل عن هذه القوانين الاجتماعية شديدة التفرع و التعقيد في هذا المقام الصغير، لكن هناك على سبيل المثال فقرات ومواد عديدة تتحدث بالتفصيل عن الحقوق والمزايا و المساعدات التي تلتزم الدولة بتقديمها لجميع فئات المجتمع وتختلف هذه الحقوق باختلاف ظروف الأشخاص الحاصلين عليها.. فمثلا الأسر التي لديها أطفال – خصوصا التي عندها عدد كبير من الأطفال - تكون هناك مساعدات خاصة ومختلفة تقدم لهذه العائلات من جانب هيئات حكومية مختلفة وذلك كي تتمكن هذه الأسر من توفير مستلزمات و متطلبات الأطفال المختلفة (بعيدا عن الاحتياجات الأساسية مثل المأكل و المشرب).. 

التلاميذ والطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة يحصلون دائما على تخفيضات أو اعفاءات كاملة فيما يتعلق بوسائل المواصلات أو تذاكر المسارح والحفلات وكذلك الالتحاق بالنوادي لممارسة الهوايات والأنشطة، هناك مراعاة وقوانين خاصة بالمرأة العاملة "الحامل"، قوانين أخرى مخصصة لدعم الأم أو الأب الذين يعولون أطفالا بمفردهم أي ليس لدى أحدهما شريك حياة يساعده في تربية ورعاية الأطفال..


أما فيما يتعلق بالصحة والمرض والعلاج فوفقا للقانون فإن التأمين الصحي إجباري لكل من يقيم على الأراض الألمانية.. و"إجباري" هنا لا تعني الاكراه أو الارغام إنما تعني أن كل شخص يجب أن يتمتع بتأمين صحي يغطي احتياجاته العلاجية والصحية، فالشخص الذي يعمل يُقتطع جزء من راتبه مقابل التأمين الصحي ومن لا يتمكن من دفع نفقات التأمين تتكفل الدولة بدفعها عنه إلى أن يتمكن هو من تغطية نفقات تأمينه الصحي بنفسه،الأدوية التي تُصرف للأطفال من قبل طبيب حتى سن الثامنة عشرة مجانية أي لا يدفع الآباء شيئا مقابل الحصول عليها من أي صيدلية مهما كانت أسعارها مرتفعة، الأشخاص ذوي الدخول المحدودة يدفعون نسبة بسيطة مقابل الأدوية التي قد يقررها الطبيب لهم وتتكفل الدولة بدفع الباقي، الأشخاص الذين لديهم أمراض مزمنة مثل السكري وغيره يحصلون على تخفيضات كبيرة أو اعفاءات مقابل الأدوية التي يتعاطونها بشكل مستمر..

هناك قوانين تُلزم شركات العقارات بأن تخصص نسبة من الشقق و العقارات التي تمتلكها وتعرضها بأسعار مخفضة كي يتمكن العاملون و ذوي الدخول المحدودة من استئجار هذه العقارات ..

هناك أيضا مواد عديدة صُممت بعناية لتشمل فئات المجتمع الضعيفة وتضمن حصولهم على أشكال مختلفة من الدعم و الحماية، بل أن الشخص ذو الاحتياجات الخاصة لو كان لديه شخص أو قريب يرعاه حتى لو كان هذا القريب من الدرجة الأولى مثل أن يقوم أب أو أم برعاية طفل أو ولد مصاب بإعاقة أو مرض مزمن فإن هناك مساعدة مالية يتم تخصيصها لهذا الشخص نظير رعايته لذلك المعاق! تخيل هذا ؟ يعني أن هذه القوانين لا تراعي فقط الشخص المُعاق بل أيضا من يقوم برعاية هذا الشخص حتى لو كان ابنا يرعى أمه أو والد يرعى ابنته، لأن العناية بشخص لديه اعاقة مسألة مُجهدة نفسيا وجسديا وتحتاج إلى جهد وتفرغ ومن يتفرغ لهكذا مهمة لن يجد الوقت كي يعمل ويعيل نفسه لذا تُعتبر رعايته لهذا المٌعاق "عملا" يستحق عليه أجرا شهريا "بغض النظر عن صلة القربى أوأنه من واجبه فعل ذلك بدون مقابل كما هو سائد في ثقافتنا"!! 

بالطبع أنا لا أتكلم هنا عن "المدينة الفاضلة"، فهناك دوما ثغرات أو نواقص أو حتى تعقيدات بسبب البيروقراطية و الروتين، لكن ما يثير الاعجاب و الاحترام هو أن جميع هذه القوانين الاجتماعية التي تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية و تراعي ظروف فئات المجتمع خصوصا الضعيفة،هذه القوانين تُطبق بالفعل وليست مجرد حبر على ورق، فهي تُطبق في كل مكان وتسري على الجميع وتلتزم بها كل الجهات الرسمية وغير الرسمية فلا يحتاج المرء إلى وساطة أو محسوبية أو رشوة كي يحصل على حقوقه من خلال هذه القوانين إنما كل ما يجب عليه عمله هو معرفة الحقوق التي تنطبق على حالته ومن ثم التقديم عليها، وحتى موضوع معرفة هذه الحقوق هناك جهات وهيئات رسمية وغير رسمية تتولى هذه المهمة، وفي حالة وجود أي لبس أو اشكال أو ظلم أو انتقاص لحق من الحقوق فهناك دوما طرق سلمية للتسوية أو الاعتراض أو الشكوى، أو يمكن أن يلجأ المتضرر للقضاء في النهاية وقطعا سينصفه القضاء إن كان الحق معه بدون الحاجة لوساطة أو رشوة، وحتى في هذ الجانب هناك مراعاة أيضا فالشخص الذي يريد أن يرفع دعوى ما أو يشتكي على جهة رسمية أو غير رسمية وليس لديه الامكانية المادية يمكنه أن يتقدم بطلب كي يحصل على مساعدة مادية من الدولة تتيح له توكيل أو استشارة محامي ..!


لذلك توصف مثل هذه المجتمعات بأنها "متقدمة" ليس فقط من ناحية اقتصادية أو صناعية وإنما من الناحية الاجتماعية و الانسانية أيضا، فسواء كانت الدولة غنية أم فقيرة، لديها موارد أم لا، لها ثقل سياسي أو تفوق عسكري أو تكنولوجي، فإن مقياس تقدمها الحقيقي وُرقيها هو بمقدار انحيازها إلى أفراد مجتمعها و مراعاة أوضاعهم و أحوالهم ومحاولتها تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فلا يمكن أبدا أن تكون هناك حياة كريمة للناس في بلد أو مجتمع لا يصون حقوق أفراده ولا يُراعي ُضعفائه..