Pages

September 16, 2016

!عندما يصبح الشرك بالله....تقوى


رشا المقالح

 
كيف يعبد المسلم غير الله و يشرك به دون أن يشعر؟ بل يعتقد أن ذلك الشرك يزيده تقوى و إيمانا و قربا من الله؟! و صدق الله القائل : (( و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون))...! عند مطالعتي لكثير من الموروثات الإسلامية و أيضا عندما أتتبع أحوال المجتمعات الإسلامية، أجد أن المسلم غارق حتى أذنيه في عبادة العباد و ليس في عبادة رب العباد! كيف لا و هومطالب بالرضوخ و الخضوع و الطاعة لغير الله منذ أن يصبح حتى يمسي، و هو ملاحق بغضب الله و لعنات الملائكة إن لم يفعل! فتجده يرزح تحت شتى أنواع القهر و الاستعباد "الشرعي" ، و يتكفل المحدثون و الفقهاء بتقديم الرضوخ و الخضوع  و الإذلال  للمسلم على أنه "أجر" و "ثواب" و "حق" و "واجب"...!
نجد أن الإستعباد – في الموروث الإسلامي – له مستويات مختلفة عامة و خاصة، سياسية و اجتماعية، وفي كل مستوى هناك جملة من الآثار و المرويات تؤكد ذلك بل و تحببه للناس و تجعله من صميم عقيدتهم الصحيحة...!
 فما هي مستويات إستعباد الإنسان المسلم؟!

1-    استعباد على المستوى السياسي
في الوقت الذي نجد القرآن يذم فرعون في عشرات المواضع نجد عشرات الأحاديث و غيرها من الآثار التي تمجد الحاكم و تأمر المسلم بالإذعان له  و نجد الانسان المسلم – كمواطن- مطالب بطاعة مفرطة تجاه الحاكم حتى لو كان ظالما. فمن أين جاء الأمر بهذه الطاعة "الفاحشة"  لشخص الحاكم، بغض النظر عن كونه عادلا أم ظالما؟!

نقرأ في قوله تعالى:  (( و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم)) فهل هذه الآية تدل على طاعة الحاكم الظالم و تحريم الخروج عليه؟ و هل أمر الله بطاعة "الحكام" الظلمة و الفسقة و المستبدين الذين فرضوا أنفسهم على الناس؟  أولا قوله تعالى: ((أولي الأمر منكم)) الأمر" دلالة على أن هناك مجموعة من الناس تجتمع و تقرر و أن القرار "تشاوري" لا يستأثر به شخص و "يستعلي" على الآخرين و إنما : ((و أمرهم شورى بينهم)) ،(( و شاورهم في الأمر))  و هذه المجموعة من الناس هم "منا" أساسا أي أنهم ينتمون لنا و يمثلون مصالحنا و نحن راضون عنهم، ثانيا "أولي الأمر" لا يملكون إجبارنا على طاعتهم و إنما نحن نمتثل من تلقاء أنفسنا لأن امتثالنا فيه مصلحتنا و ليس خوفا منهم فهم يجب ألا يملكوا القوة بإيديهم لدرجة أن يضربوا ظهورنا و يأخذوا أموالنا!! أليست هذه قمة العبودية لغير الله و قمة الشرك به ؟

لا يعقل أن يكون الانصياع للحاكم الظالم المستبد  جزءا من عقيدة المسلم لأن المسلم يجب أن يكون انسانا حرا لا يعبد إلا الله و لا يشرك به شيئا. فالله عز و جل ذم فرعون في أكثر من موضع بسبب علوه و استبداده : (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين )) و قال تعالى أيضا : (( و لقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين))، أفلا يعد ضرب الظهر و أخذ المال علوا و إسرافا؟ و هل يعقل أن يربي الرسول الكريم الانسان المسلم على الخضوع و الذل؟! فإذا كان الله عز و جل يقول : ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)) أي أن الله عز و جل يجعل مجرد الفظاظة سببا في انصراف الناس فكيف سيأتي النبي الكريم ليأمرهم بقبول جلد ظهورهم و أخذ أموالهم؟!

 هذا الحديث، و غيره من الأحاديث المماثلة، ذات طابع سياسي ، فعندما عجزوا عن إيجاد ما يؤطر لبطش الحاكم الظالم و استعلاءه على الناس في القرآن الكريم، اتجهوا إلى صناعة الحديث لإخضاع الناس في فترة من فترات الحكم الإسلامي. فمن يتتبع آيات القرآن يجد أنها تربي المسلم على كراهية الظلم و الاستبداد و الاستعلاء على الناس بينما من يتتبع كتب التراث يجدها تسوغ له القبول بالظلم و مجاراته  فمثلا:
((تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)) حديث
 
 )) من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله )) حديث
 
 (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) حديث

 (( من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية )) حديث

((من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمر فلا يبده له علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فأن قبل فذاك وإن لم يقبل فقد أدى الذي عليه)) حديث
(( إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر )) عبدالله بن عمر

((إن أول نفاق المرء طعنة على إمامه)) أبو الدرداء

 (( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السُنة والجماعة )) ابن تيمية

و هكذا إلى أن وجدنا من يتجرأ على القول أن حكم الخروج على  الحاكم الظالم "حرام"! و إن كنا لا ندري هل هذا الحكم هو دليل على الاستخفاف بالظلم و بكرامة الانسان المسلم أو هو استخفاف بالتحريم أساسا، إلا أنه بالتأكيد يربي المسلم على القبول بالعلو و الإسراف فلا حقوق له و لا كرامة...!

2-    استعباد على المستوى الأسري:
أ‌-       استعباد الزوج لزوجته
لا يختلف اثنان على أهمية الأسرة و أهمية العلاقة بين الزوجين و أنها علاقة قوامها المودة و الرحمة لكن في تراثنا الإسلامي نلمس شططا واضحا و تضخيما غير معقول لمقام الزوج فلم يبق إلا أن يتحول إلى "إله" تعبده زوجته و تسجد له...!  (( لو كنت آمرا احدا ان يسجد لأحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها))
 و من شدة تعظيمهم لحق الزوج تجرأوا على إخراج أحاديث نسبوها للرسول و هي أقل ما يقال عنها أنها بشعة منافية للذوق السليم مثل : (( حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه))...!

ثم جعلوا من الزوجة مجرد  وعاء جنسي ليس عليها سوى تلبية رغبات الزوج دون مراعاة حتى لحالتها النفسية :
((إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته و إن كانت على التنور))، ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح )) في الصحيحين ، ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها.)) صحيح مسلم
 و في الوقت الذي تنتشر في العالم الكتب و المراكز و الأبحاث و الأخصائيين النفسيين لتقديم الاستشارات للزوجين لحل خلافاتهما و فهم  نفسياتهما و التطرق إلى أهمية العلاقة الجنسية في التواصل العاطفي بينهما نجد الزوجة المسلمة في التراث الإسلامي مجرد أسيرة لرغبة الزوج الجنسية فكأنها مجرد وعاء لتفريغ تلك الرغبة و يجب عليها أن تسارع لتلبيتها و إلا لعنتها الملائكة!
و من المفارقة وجود حديث للرسول في قمة الرقي و اللطافة فيما يخص العلاقة الزوجية  يقول فيه : ((لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول. قيل و ما الرسول؟ قال القبلة والكلام)) لكن هذا الحديث يوصف بأنه ضعيف، في حين أن الأحاديث التي تسوق المرأة سوقا لمعاشرة زوجها تعد "صحيحة"...!
و على الرغم من أن العلاقة الحميمية هي جزء أساسي في الزواج و لكنها ليست كل شيء فيه، و إلا لكانت أشبه ما تكون بالمملكة الحيوانية، فالزواج عند الإنسان قوامه العشرة و المودة و الاحترام و مواجهة عقبات الحياة و تحدياتها معا، لكن تلك العلاقة في التراث تصبح مجرد طريقة لتفريغ شهوة الرجل دون أي اعتبار لإنسانية زوجته، و تصبح هي مرغمة على معاشرته دون أي اعتبار لمشاعرها.

هذا فيما يخص العلاقة الجنسية أما في الحياة اليومية فنجد أن الزوجة ليس لها رأي و لا قرار، و عليها السمع و الطاعة و لزوجها أن يضربها و يؤدبها و له أن يطلقها دون علمها ، ويجب عليها أن تستئذنه ليس فقط في خروجها من بيتها و إنما حتى في صيامها و قيامها و صدقتها! و اذا أطعمها زوجها فهي أعظم صدقة له أما هي إذا تصدقت من مال زوجها فعليها وزر إن هي لم تستئذن منه، فالمال ليس مالها و انما ماله هو ثم يرهبونها بأنها - على الأغلب - ستكون من أهل النار و أن عليها أن تتصدق لأنهم سمعوا الرسول عليه الصلاة و السلام يقول: (( يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار...))
 فإذا أرادت الخروج للعمل و إعالة نفسها و لتتصدق كيفما تشاء- لتنقذ نفسها من النار-  لقالوا لها : 
 ((المرأة عورة، إذا خرجت استشرفها الشيطان، و هي أقرب ما تكون من الله ما كانت في بيتها))

و لا يملك المرأ أمام  هذا الكم الهائل من حصار المرأة المسلمة و إذلالها و استعبادها إلا أن يتسائل: أليس هذا شكل من أشكال "عبادة العباد"؟؟!! لماذا على المرأة المسلمة أن تشرك زوجها بالله عز و جل و تخضع له بهذا الشكل المذل و لماذا له أن يتحكم في سكناتها و حركاتها و أن يأمر و ينهى كيفما يشاء؟! و هل يتبقى بعد كل ذلك القهر و الاستعباد فسحة ليتجلى فيها قوله تعالى : ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ))....؟!


ب‌-  استعباد الوالدين لأبنائهما
لا شك أن الوالدين لهما مكانة عالية و قد أمر الله بالإحسان إليهما و مصاحبتهما بالمعروف عند كبرهما و ذلك لفضلهما الكبير على أبنائهما فهما سبب وجودهم في الدنيا ثم إنهما يصرفان شبابهما في العناية و الرعاية و التربية و كل ما يتبع ذلك من مشقة و عناء. و عندما يكبران و يضعفان يحتاجان للإحسان من قبل أولادهما. و هذه من الأمور التي فرق الله بها بين الإنسان و الحيوان، فالحيوان ما إن يكبر و يشتد ساعده حتى ينطلق و ينفصل تماما عن والديه و لا يعد بحاجة لمعرفتهما، أما الإنسان فما أن يكبر و يقوى ساعده و يخرج في طلب الحياة و مواجهة تحدياتها و متغيراتها، يوصيه الله بأن لا ينسى والديه في غمرة ذلك و بأن يحسن إليهما و يخفض لهما جناح الذل من الرحمة في كبرهما و ضعفهما، و يذكره بفضلهما عندما كان صغيرا و ضعيفا ((و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا))  و ذلك أشبه ما يكون بالميزان الدقيق.  لكننا نجد في أدبياتنا الإسلامية أن ذلك الميزان مختل بشدة حيث تحول الأمر "بالإحسان" إلى أمر "بالطاعة" و شتان ما بينهما! و لكن هذا ديدن تراثنا الإسلامي الذي برع في جعل علاقة المسلم بالآخرين - حتى بأقرب الناس إليه - تتمحور حول الطاعة و الخضوع و الذل و القهر.

فالله عز وجل حين أمر الأبناء في كتابه الحكيم بخفض جناح الذل من الرحمة للوالدين و الإحسان إليهما دل ذلك الأمر الإلهي على معرفة كلية بسنن الحياة و مقتضياتها حيث يضعف الآباء في كبرهم و يشب الأبناء و يصبحون أكثر قوة و هم أصحاب الكلمة و القرار و هذه هي سنة الله  و لهذا أمرهم ألا ينسوا و هم في غمرة قوتهم و انشغالهم في معترك الحياة الإحسان إلى الوالدين و لا يحسن إلا من كان في موقف قوة ،أما الطاعة فلا تكون إلا لمن يملك القرار لهذا لم يأمر الله الأبناء "بطاعة" الوالدين لأن الوالدين و إن كان لهما فضل على أبنائهم لكن هذا الفضل لا يخولهم بإمتلاك القرار و التحكم في حياة أبنائهما بعد أن يبلغوا أشدهم و لهذا سنجد أنه حتى عندما اقترنت كلمة الطاعة بالوالدين في القرآن كانت بالنهي أي "لا تطعهما" ...!

و عندما نلتفت إلى واقع الحال في مجتمعاتنا نجد كثيرا من الآباء و الأمهات يضطهدون أولادهم بشدة و يمارسون عليهم القهر و الإذلال و يتحكمون في حياتهم و في خياراتهم و يتدخلون في شئونهم لدرجة لا تصدق، من اختيار مجالات دراستهم أو وظائفهم أو أزواجهم و حتى أسماء أطفالهم، بل و يأمرونهم في بعض الأحيان بفراق أزواجهم  و يهددونهم "بغضب الله" إن هم لم يمتثلوا لأوامرهم كيف لا و هناك حديث ينص على : ((رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد))..! أليس هذا شكل من أشكال الشرك بالله؟!

 يقول ابن تيمية : "أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك"...! و هذا كلام سوي، فلا يجب أن يجعل رضا الله  و سخطه في رضا و سخط شخص آخر مهما كانت مكانته حتى لو كان زوجا أو أبا أو أما أو حاكما، و إنما يحكم العلاقات الإنسانية – خاصة الإجتماعية منها - المودة و التراحم و العشرة الطيبة و المصاحبة بالمعروف، ولكن هل كل مصاحبة بالمعروف و إحسان – للوالدين و لغيرهما -  ينتج عنها رضاهم الكامل؟؟!! بالطبع لا، فقد يحسن أحدنا و يبالغ في إحسانه و لا يلقى سوى السخط ، لذا فإن الله عز و جل لم يشترط في كتابه الحكيم رضا الوالدين لرضاه و لم يجعل سخطه من سخطهم، و إنما جعل المعيار هو الإحسان و المصاحبة بالمعروف بغض النظر عن النتائج.  فليس كل الآباء لديهم الإنصاف و الحكم السليم حتى يُجعل رضا الله في رضاهم، و سخط الله في سخطهم فهم بشر يصيبون و يخطئون  بل إن كثيرا منهم يتجبرون على أبنائهم و يتحكمون بهم و كأنهم "ملكية" خاصة ويذيقونهم صنوف العذاب و مع ذلك لا نسمع أحدا يتحدث عن استبداد الآباء بأبنائهم و إنما عن "عقوق الوالدين" و وجوب "طاعتهم" ! و هكذا يجد المسلم نفسه أمام شكل آخر من أشكال عبادة العباد، و يتحول الأمر "بالإحسان" إلى أمر بتقبل الإذلال،  و قهر يمارس على المسلم تحت مسمى "بر الوالدين".

و نلاحظ أن كثيرا من المفسرين يعتقدون أن الله عز و جل عندما أتبع أمر الإحسان بالوالدين بأمر عبادته وحده و عدم الشرك به مرده فقط إلى المكانة العالية للوالدين، و قد يكون ذلك صحيحا و لكنه ليس السبب الوحيد، فالله عز و جل يعلم تمام العلم بصراع الأجيال و كيف أن جيل الآباء دائما ما يحاول فرض أفكاره و آرائه على جيل الأبناء، و أن هناك كثيرا من الآباء يسعون جاهدين لإملاء إرادتهم على أبنائهم بحجة أنهم هم من أخرجوهم إلى الدنيا و لهذا جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة و في ذلك إشارة إلى إمكانية محاولة الآباء استعباد أبنائهم و و "التأله" عليهم، و  كأن الله عز و جل يقول أن الانسان يجب عليه ألا يعبد إلا الله وحده و لا يشرك به أحدا مهما كانت مكانته و فضله، فحتى الوالدين رغم مكانتهما الكبيرة، فليس لهما إلا الإحسان و ليس من حقهما "استعباد" أولادهما :
((و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا))

((و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا. و بالوالدين إحسانا))

((و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا))

((و وصينا الإنسان بوالديه حسنا. و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون))

ولقد رأيت بأم عيني أمهات يظلمن أولادهن و عندما يسألن عن سبب ذلك تجد الواحدة منهن تقول بكل جبروت و استبداد : "أنا أم، أفعل ما أشاء...!" أوليس هذا شكل واضح من أشكال الشرك بالله؟!

3-    استعباد على المستوى الفكري
لاحظت عند النقاش مع بعض المتمسكين بالموروث أن لديهم شعورا واضحا بالقلق و الخوف و غالبا ما يكون لدى الكثير منهم  "هاجسا" أن هناك "مؤامرة" ما على دينهم! و هذا شعورطبيعي ناتج عن الجو الفكري الخانق الذي يحيا فيه المسلمون أو كما قال الشيخ محمد الغزالي : ((الذي يغلغل النظر في علل هذه الأمة يلحظ على عجل أنها تتنفس في جو فكري خانق و أن تغذيتها النفسية و الاجتماعية و العقلية و العاطفية رديئة أشد الرداءة. و هي تغذية لا تفقد فحسب عناصر حيوية مهمة، بل إن في بعض أجزائها عفونة و في البعض الآخر سموم!!)).

فكل شيء يقدم للمسلم في قوالب جامدة و عليه ابتلاعها كما هي دون نقاش و لا تساؤل،  فيتربى على أنه غير قادر بمفرده على التفكير و التدبر و حتى محاولة فهم كتاب الله بل و يهددونه بأن هذا أمر عظيم يجب أن يرده إلى أهل "العلم و الاختصاص" و  لا يحق له مخالفتهم فيما وصلت إليه أفهامهم، فإذا صادف حكما فقهيا ساذجا أرهبوه  بـ "إجماع العلماء" و إذا صادف حديثا سقيما أرهبوه "بالسند" ، و هكذا يواجه المسلم أرهابا فكريا لا يسمح له حتى بمجرد الشك أو التساؤل و إنما عليه السمع و الطاعة لا غير.

و كلما أشكل على بعض عوام المسلمين شيئا و جاءوا يسألون و يستفسرون عن ذلك قالوا لهم  هذه "شبهات" قديمة يحيكها أعداء الإسلام للإسلام و أهله و الأفضل الابتعاد عنها و عدم التفكير فيها و عدم إحيائها!
و لكي يقبل العقل المسلم تمرير كل ما سبق يقومون بتصوير الله و كأنه اله غاضب من الناس لأبسط الأشياء و أن عذابات عظيمة في القبر بانتظارهم لمجرد ذنوب بسيطة ، و يقنعونه أن كل من يغرد خارج سربهم فهو متهم "بالكفر" و "الزندقة" و "الاستشراق" و "العلمانية"  و "الماسونية" و غيرها من التهم التي لا تنتهي، و الطريف أنه كلما زادت قائمة التهم كانت دليلا واضحا على ضعف منطق صاحبها و رداءة حجته ليس إلا.

يؤسفني أن أرى الانسان المسلم - على الرغم من أن بين يديه أعظم كتاب وصل إلى الإنسانية - لكنه هش للغاية فكريا، مجبول على السمع و الطاعة في كل وقت. فلا وجود للحرية في قاموسه  بل إنه  يخشاها و يشعر أنها مرادف لـ "الفوضى" بينما نجد أن الحرية لدى الشعوب المتقدمة تأتي معها "المسئولية".
 و في عصرنا هذا صيغت الدساتير و القوانين العالمية التي تحفظ كرامة الإنسان و حريته و حقوقه و شكلت الأنظمة الديمقراطية المختلفة و التي تستند أساسا إلى سلطة الشعب، و تزدهر فيها البرلمانات و يقيد الحاكم بفترات رئاسية محددة، كل ذلك و لا زلنا نجد الانسان المسلم مطالبا بطاعة "السلطان" و القبول بظلمه و عليه ألا يجد غضاضة في أن يضرب ظهره و يأخذ ماله...!
أما من الناحية الاجتماعية فعليه أن يطيع والديه و يتحمل إملائاتهما و تسلطهما على حياته، ثم إن بإمكانه "شرعا" أن يتحكم في زوجته و أن يقهرها و يذلها و له أن يخضع أولاده بصفته والدا لهم و له "حق" استعبادهم و عليهم "واجب" طاعته...!

"ظلمات بعضها فوق بعض" اخرجت لنا انسانا تائها مقهورا، لهذا نجد المسلمين في آخر سلم الحضارة الإنسانية، فهم لا يشعرون بالأمان إلا عندما يكونون منقادين و خاضعين أو مستبدين جبارين، يكرهون التفكير و يخشون التدبر ويوكلونه لغيرهم. يخافون الحرية، فهم لم يعتادوها لا سياسيا و لا إجتماعيا و لا فكريا، و لن تنجح أي ثورة هوجاء في انتشالهم مما جبلوا عليه من الطاعة و الذل، و إنما هم بحاجة لثورة فكرية حقيقية  تعيد إلى الانسان المسلم ثقته بنفسه و بقدراته و باستقلاليته الفردية و كرامته و حريته. 

August 28, 2016

!الصلاة.... من شعيرة مقدسة إلى مبرر للتدليس و الافتراء

أدهم في الثانية و النصف من عمره
رشـا المقالح

في الثانية و النصف من عمره فوجئت به في إحدى المرات يقوم بوضع سجادة الصلاة على الأرض و يقوم بتقليد حركات الصلاة و يحاول أن يؤديها كما رآنا نؤديها. و في الثالثة من عمره تقريبا بدأ يركز أكثر على تفاصيل الصلاة الدقيقة مثل رفع الاصبع في التشهد وطريقة التسليم و على الاقوال التي نرددها، و عندما بلغ الرابعة من عمره، صار يحفظ الفاتحة من كثرة تكرارها في الصلاة و من كثرة قراءتنا لها و بدأ يميز أن الصلوات تتكرر عدة مرات في اليوم و الليلة و أن لها مواقيت معينة. و في إحدى المرات عندما كان في الخامسة من عمره فوجئت به يسمي الصلوات بعدد الركعات دون أن يعرف ان اسمها ركعة! فيقول هل ستصلي اثنين أم اربعة؟؟ و في السادسة من عمره بدأ يعي أن هناك صلاة في الصبح و في الظهر و في العصر و المغرب و قبل النوم. و صار يقلد حركات الصلاة بسلاسة و عفوية.

أدهم في الثالثة و النصف من عمره


فإذا كان هذا الطفل ذو السنوات الصغيرة في العمر قد تعلم كيفية الصلاة فقط من مشاهدته لوالديه،  فكيف بمئات بل آلاف المسلمين البالغين رجالا و نساء و الذين عاش رسول الله صلى الله عليه و سلم بينهم ثلاثة و عشرين عاما و هو يؤدي الصلاة يوميا خمس مرات في اليوم و الليلة و هم يشاهدونه و هو يكبر و يركع و يسجد و يسلم، ثم يأتي بعد ذلك من يتذاكى على المسلمين ليقول لهم لن تتعلموا الصلاة إلا أذا سمعتم " حدثنا فلان عن فلان عن فلان أن فلانا قال: رأيت رسول الله  إذا دخل في الصلاة كبر و رفع يديه"؟؟؟!!! ماهذا الاستخفاف بالناس؟؟!!



عندما نتتبع آيات القرآن الخاصة بالصلاة نجد أن الله عز و جل قد ذكر لنا بوضوح أهمية إقامة الصلاة و كيفية الوضوء لها و مواقيتها، و حتى أركانها "ركوع و سجود"أما التفصيل العملي لها فهو عبارة عن حركات معينة لا يتعلمها المرء بالقول و إنما بالفعل و لهذا كانت الصلاة سنة عملية و لا تحتاج لأقوال متواترة لأدائها. فالصلاة يتعلمها الناس بشكل عملي بمجرد مشاهدتها، و لهذا ذكر الله في القرآن الكريم دعاء ابراهيم و اسماعيل: ((رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) فالمناسك يتعلمها الإنسان بالرؤية.

 و أغلب تفصيلات الصلاة الواردة في كتب التراث تأتي على هيئة أن فلان "رأى" رسول الله يفعل كذا و كذا! فهل فلان وحده هو من رأى رسول الله يصلي و يكبر و يركع و يسجد؟ 
و لا أدري لماذا أفردت كل تلك المساحات الهائلة للحديث عن أركان شعيرة الصلاة بينما كان المسلمون يصلون ببساطة كما صلى الرسول، و دون الحاجة لفقهاء و محدثين و دون الحاجة الى جمع أحاديث بعد مائتي عام من وفاة الرسول! فهل انقطع الناس عن الصلاة قبل أن تظهر مثل تلك المؤلفات و قبل أن يستغرق المسلمون في ذلك الجدل البيزنطي عن الضم و السربلة؟؟

و هل عندما نتعلم من الرسول الكريم الكيفية التي نؤدي فيها الصلاة فهل يعني هذا أن نقبل كل ما نسب إليه من أقوال حتى لو خالفت القرآن الكريم؟!  لذا فإن قولهم أن "عدم ذكر كيفية الصلاة" في القرآن ما هي إلا حجة فاسدة يراد بها التدليس على المسلمين و جعلهم يتقبلون كل ما نسب إلى رسول الله من "اقوال" و تمريرها حتى لو خالفت كتاب الله العزيز!


فتراهم يقولون : " آمنوا بخرافة عذاب القبر و بأن هناك حساب قبل يوم الحساب "...فنقول لهم أن هذا مناقض لكتاب الله ، فيردون: "و لكن كيفية الصلاة غير مذكورة في القرآن"....!

يقولون : " المرتد يقتل" فنقول لهم و لكن حد الردة مخالف للقرآن الكريم، فيردون: "و لكن كيفية الصلاة لم تذكر في القرآن!!"

يقولون: "الزاني يرجم بالحجارة حتى الموت" فنقول لهم: و لكن هذا مخالف لما جاء في التنزيل الحكيم  فيردون: و لكن كيفية الصلاة لم تذكر في القرآن!"

يقولون: " آمنوا بالصبر على فسق الحاكم و ظلمه حتى لو ضرب ظهوركم و أخذ أموالكم " فنقول: و لكن هذا مخالف لنصوص القرآن و لرسالة الاسلام التي تسمو بالناس و ترفض استعبادهم، فيردون بنفس الرد السامج: "و لكن كيفية الصلاة غير مذكورة في القرآن!"

و هكذا تراهم يسوقون حجتهم الواهية كلما رأوا الناس راغبين في العودة إلى كتاب الله و تدبره و فهمه و رافضين لكل الشوائب التي علقت  برسالة محمد عليه الصلاةو السلام و التي وصفت بأنها "رحمة للعالمين"، و لكنهم يأبون إلا أن يصدوا الناس عن كتاب الله! و لا حول و لا قوة الابالله. 

و هكذا تحولت الصلاة من شعيرة مقدسة إلى  مبرر لتمرير كل الخرافات و الأحكام المناقضة لكتاب الله،  و رأينا أنفسنا أمام دين جديد تماما، خرج عن كونه دين الفطرة لأنه يحوي الخرافات و الأباطيل و الكثير من التناقضات، و لا يشبه الدين الذي جاء به محمد عليه الصلاة و السلام و الذي لن يستنكف بكل تأكيد عن طاعة الله فيما أوحاه إليه.

 و كلما طالبنا بالعودة إلى كتاب الله و التدبر و التفكر فيه، و وضعه في المكانة التي يستحقها كمعجزة خالدة للرسول عليه الصلاة و السلام  و كختام للرسالات و آخر ما أوحي من الله لبشر على الأرض، و الذي يحوي حقائق الكون و التاريخ الانساني، قفز المقلدون و أتباع المذاهب التراثية الجامدة - و الذين أفقدهم التقليد القدرة على التفكير النقدي -  ليصدوا عن الذكر و يرددوا على أسماع الناس الحجة الوحيدة التي حفظوها و هي "لا يوجد في القرآن تفصيل لكيفية الصلاة"  و لن يقتنعوا حتى لو كانت الإجابة واضحة و بسيطة يجليها أمامهم أطفال صغار بفطرتهم النقية...








August 17, 2016

(1) سايكو- يمني




أنيس الباشا

لطالما استوقفتني حكاية رجل الأعمال الأمريكي المشهور هنري فورد مع اليمنيين والتي تعود إلى العشرينيات من القرن الماضي وملخصها أن مصانع السيارات الشهيرة التي يملكها فورد شهدت حركة متواصلة من الاحتجاجات والمطالبات من قبل العمال مما جعل مستشاري هذا الأخير يدرسون امكانية جلب عمالة خارجية لا تثير المشاكل ووقع الاختيار على العمالة اليمنية باعتبار أن اليمنيين – حسب القصة- من أكثر العمال ميلا لعدم 
التنظيم النقابي وبالتالي فلن يكون هناك المزيد من المطالبات والاحتجاجات!

في الحقيقة لم يتسنى لي التأكد من مصداقية القصة، رغم أن الشيء الأكيد في الموضوع هو أن مئات اليمنيين يعملون بالفعل في مصانع فورد في مدينة ديترويت الأمريكية منذ عقود، وقد قمت بالتواصل مع شركة فورد لاستفسر عن مصداقية هذه القصة ولم يصلني أي رد إلى الآن.. وإن كنت في الحقيقة أميل إلى تصديق هذه الحكاية لأن طباع اليمنيين تتوافق مع ما ذُكر فيها! فالمواطن اليمني الأصيل لا يوجد في قاموسه شيء اسمه "مصلحة عامة" ولا يميل لتبني أو اتخاذ مواقف موحدة وهي المواقف التي تحتاج إلى توافق الأغلبية واختيارهم لمن يمثلهم ومن ثم وقوفهم صفا واحدا خلف من اختاروه من أجل الوصول في النهاية إلى هدف معين أو مصلحة جماعية، وهذا ما نفتقر إليه في اليمن للأسف.

و على الرغم من أن اليمنيين يتحلون بكثير من الصفات الجميلة التي تميزهم عن غيرهم، فهم شديدو الاعتزاز بالنفس و طيبون للغاية، و كرماء جدا مع بعضهم البعض و أيضا مع الغرباء و الضيوف، كما  أنهم - كمغتربين - يحترمون بشدة البلد المضيف، و يقدرون أهله كثيرا، و غالبا ما يشعرون أنهم سفراء بلدهم اليمن و بأنهم مسئولون عن تقديمه في أفضل صورة.

 لكن على الرغم مما سبق هناك بعض الصفات السلبية و التي نحتاج دائما كيمنيين لمراجعتها و التخلص منها و من بينها هذه الصفة التي نجدها في اليمني - كموظف أو كطالب أو كشخص منتمي إلى جهة معينة - و هذه الصفة أسميها : "نفسي يا نفسي"!


ففي المجتمعات الأخرى – حتى في بعض المجتمعات العربية - تتجمع الناس في العادة حول جهة تمثلهم سواء كانت نقابة أو اتحاد أو هيئة منتخبة ويكون على عاتق هذه الجهات أن تتبنى مطالب معينة فيها مصلحة الجميع وتكافح كي تحقق هذه المطالب ويقف الكل معها في سبيل تحقيق هذه الغاية..

لكن في اليمن هذا المشهد يعد غير مألوف. فتجد أن اليمنيين - كموظفين أو كطلاب - دائما ما يكون حالهم مثل حال الغنم القاصية وكل غنمة لها حدودها ومرعاها الخاص ولا تفكر إلا في نفسها ولذا يسهل على الذئاب أن تستفرد بالقطيع كله وتهاجمه وتتحكم فيه، ومن المستحيل تقريبا أن يتمكن شخص مهما كان لديه من الحكمة و المقومات والمؤهلات من أن يجعل مجموعة من اليمنيين تتبنى موقفا واحدا فيه مصلحة جماعية، فكل يمني رأسه "ناشفة" ويحتاج أولا إلى أن "يقتنع" واذا اقتنع فعلى مضض ويمكن أن يغير رأيه بعد نصف ساعة لأن "الموضوع ما دخلش رأسه" ومافيش منه فائدة..!

وقد عايشت بنفسي الكثير من المواقف والأحداث التي أثبتت لي بما لا يدع مجالا للشك أن اليمنيين لا يمكن أن يجتمعوا على هدف مشترك أو مصلحة جماعية أو رأي موحد تجاه مسألة تخصهم، ومن المواقف التي لا أنساها موقف مر بي أثناء دراستي في الجامعة، ففي أحد الأيام كان لدينا امتحان في إحدى المواد وكان موعد الإمتحان في الساعة الثامنة صباحا، وفي الليلة السابقة لذلك اليوم سهرت كالعادة من أجل الاستذكار وجاء الصباح وذهبت للكلية وجاءت الساعة الثامنة ومعيد المادة لم يصل وانتظر الطلاب نصف ساعة ثم ساعة وحضرة المعيد لم يأت ولم يبلغ الإدارة بشيء، وصارت الساعة العاشرة والحال على ما هو عليه والطلاب متململون ومرهقون لكنهم منتظرون في صبر وصمت، ومر بنا أحد الأساتذة الهنود وسألني عما يحصل فشرحت له الموضوع فأخبرني أنه اذا حصل أمر كهذا في الهند فإن الطلاب يمنحون مدرس المادة نصف ساعة فقط ثم يكون من حقهم أن ينصرفوا وأن يتم جدولة يوم آخر للإمتحان، راق لي كلام البرفيسور ووجدته منطقيا وقابل للتنفيذ فذهبت للطلاب أعرض عليهم الموضوع وكان اقتراحي بما أن السيد المعيد تأخر ثلاث ساعات ولم يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار وبما أننا جميعا مرهقون جراء السهر فلماذا لا ننصرف جميعا ويكون هذا رد عملي على المعيد حين يصل ومن ثم تضطر الإدارة إلى تحديد موعد آخر للإمتحان؟ بالتأكيد حين يأتي المعيد ولا يجد أحدا فإنه سيضطر رغما عنه إلى تأجيل الإمتحان وفي النهاية الخطأ خطأوه هو وليس نحن..

استحسن البعض الفكرة وتشكك الأغلبية بالطبع واستغرق الأمر حوالي ساعة أخرى كي "يقتنع" الكل بأن هذه الخطوة منطقية ويجب القيام بها من أجل الجميع، وكنت وقتها حسن الظن فلم يساورني الشك في أن الجميع سينفذ ما اتفقنا عليه لأن المصلحة العامة تقتضي هذا، وهكذا غادرت الكلية وكلي رضى عن ما قررناه بشكل جماعي وعدت للبيت وأنا أتخيل في نشوة وجه المعيد حين يصل بسلامته ولا يجد أحد من دفعتنا هناك ويدرك أن "رطعته" لنا بتلك الطريقة أمر غير مقبول وغير مسئول..ولم أكد استلق على السرير لأنال قسطا من النوم حتى رن جرس هاتفي وإذا بأحد أصدقائي من دفعتنا يتصل بي ويطلب مني أن أعود إلى الكلية بسرعة لأن المعيد وصل وهو يتحدث إلى الطلاب الآن وقد يمتحنهم في أي لحظة!

نهضت بسرعة وعدت للكلية وأنا مستغرب من هذا الذي حصل وكيف عاد المعيد ليجد الطلاب جميعا هناك بينما يفترض أنهم قد غادروا الكلية كما اتفقنا وحين وصلت تحول استغرابي الى شعلة من الغضب حين اكتشفت أن جميع الطلاب الذين وافقوا على مقترح المغادرة بقوا في الكلية بينما كنت المغفل الوحيد الذي تحمس وغادر المكان تنفيذا للإتفاق الجماعي! والأدهى والأمر أنني عرفت أن حضرة المعيد الذي جعل الطلاب ينتظرون أربع ساعات كاملة لم يكلف نفسه عناء الاعتذار حين التقى بهم بل وبخهم لمجرد أنهم فكروا في المغادرة! وكلما سألت أحدهم لم فعلت هذا أجابني بحسرة أنه كان يود أن ينفذ ما اتفقنا عليه لكنه لا يضمن مواقف البقية فمن يدريه أن الجميع سيغادرون ولن يبقى أحد وهكذا يُحرم هو وحده من الامتحان إذا جاء المعيد. وكانت النتيجة أن الكل بقى – لأنه لا أحد يثق في أحد - وتحول الأمر إلى موقف فردي بيني وبين المعيد الذي عرف بالطبع أنني صاحب المقترح وأنني كنت الوحيد الذي غادر الكلية وحرض الطلاب على العصيان والتمرد..

يومها تبين لي أن اليمني لا يمكن أن يضع يده في يد أخيه من أجل مصلحة مشتركة، وأن الشك وعدم الثقة بالآخرين هو السمة المشتركة لدى الجميع، وهذا الأمر صادفته لاحقا أثناء عملي في أماكن مختلفة ومرت بي مواقف عديدة تؤكد لي في كل مرة أنني محق ، أحيانا كنت أؤمل نفسي أن هذه المرة أو تلك ستكون مختلفة وأن التفكير الجماعي سيطغى على التفكير الفردي الضيق ولكن هيهات، وفي النهاية تيقنت أن هذه الصفة ربما هي نوع من الموروث الجمعي لدى الانسان اليمني عموما إلا بالطبع من رحم ربي وقليل ماهم..

ولهذا دائما نجد اليمني مظلوم و محروم من أدنى حقوقه و أبسطها  في الشارع أو في المدرسة أو في الجامعة أو في مكان عمله وفي كل جوانب حياته هناك دائما من يظلمه أو يهضمه حقوقه، وهذا لأنه للأسف لا يدرك أهمية العمل الجماعي والموقف الجماعي ولا يغلب أبدا المصلحة العامة على مصلحته الفردية والذاتية، ولا يبحث عن حلول جماعية بل يفضل عليها المواقف الفردية والحلول السريعة الجاهزة، ويعتقد أنه باتباعه لهذا النهج وهذا الأسلوب فإنه يتصرف بذكاء وحذر يجنبه وجع الرأس والوقوع في المشاكل!

وقد عرف الرئيس السابق صالح هذه الحقيقة واستغلها جيدا ولذلك تمكن من حكم اليمن لثلث قرن، وحتى حينما قامت ثورة ضده انقسم اليمنيون بين مؤيد ومعارض ومحايد ومتشكك وما لبثت بذور طبيعة "نفسي يا نفسي" أن ترعرعت ونمت و أفشلت الثورة التي حلم الناس انها ستنهي عقود من الاستبداد والفساد..

وحتى اثناء العدوان السعودي والخليجي السافر على بلادهم  انقسم اليمنيون ما بين مؤيد و مرحب و معارض و محايد و مقاوم و لم يتخذوا موقفا موحدا ضد هذا الاعتداء..

لذلك حتى لو لم يصلني أي توضيح من شركة فورد بخصوص تاريخ العمالة اليمنية لديهم فأنا مستعد أن أصادق على قصة اليمنيين معهم بل وأبصم عليها أيضا لأن العمال اليمنيين – في أي مكان- سيعملون ويعملون ويعملون في صمت وصبر ولن يشتكوا أو يعترضوا على أي انتقاص لحقوقهم ولن يساهموا في تأسيس عمل نقابي ناجح وحتى لو وُجدت نقابة تمثلهم فلن تكون مؤثرة وفاعلة لأنهم لن يتفقوا أبدا على رأي أو موقف ولو اتفقوا شكليا فلن يمضوا في موقفهم واتفاقهم إلى النهاية بسبب عقدة نفسي يا نفسي وماليش دعوة بحد..

في المقالة القادمة إن شاء الله نتحدث عن صفة أخرى من صفات المجتمع اليمني وهي الشعور بالنقص والدونية أمام الأجنبي والغريب أو ما يعرف ب "عقدة الخواجة"..