Pages

November 29, 2016

كيف تكتب رواية عصرية ناجحة؟

أنيس الباشا


فيما مضى كانت الكتابة وتأليف القصص والروايات مسألة صعبة وشاقة تتطلب وجود موهبة خاصة وتستدعي من الكاتب أو المؤلف أن يستخدم كل مهاراته وأن يعتصر عقله ويطوع قلمه ليتمكن من إخراج قطعة أدبية قيمة تحجز مكانها بجدارة وسط بقية الأعمال المتميزة التي تنتجها قرائح المبدعين وتشكل مصدر الهام ومحل دراسة للأجيال اللاحقة..

أما اليوم فلم تعد الكتابة وتأليف القصص مسألة صعبة أو معقدة أو حتى تحتاج إلى مهارات أومواهب خاصة ومتميزة، ويكفي أن تتبع قواعد معينة وتستخدم أساليب معروفة لتنتج قصصا تحقق نجاحا وانتشارا ساحقا بل وتحصد أيضا عددا من الجوائز والأوسمة!..ولايهم حينها ما قيمة هذا العمل الأدبي وما الذي اضافه على مستوى المعرفة أوالثقافة أوالأدب أو التجارب والخبرات ، المهم أننا في عصر السرعة والانتشار والتركيز على "الشكل" على حساب "المضمون"..

وهذه الأساليب التي يتبعها كتاب اليوم تكاد أن تكون واحدة في مجملها وبينها اختلافات طفيفة تختلف فقط باختلاف الكاتب، إنما في نهاية المطاف لابد أن تجد هذه القواعد المتبعة من قبل المؤلفين منفردة أو مجتمعة فيما يُعرف اليوم ب"الأعمال الأدبية"، وعليك إذا أردت أن تكتب عملا أدبيا يحقق نجاحا مضمونا أن تستخدم هذه الأساليب الموضحة أدناه:

أولا: التوجه
التوجه عنصر مهم وحيوي جدا في نجاح وانتشار أي قصة الآن..عليك قبل أن تقرر كتابة أي قصة أن تقضي وقتا كافيا في متابعة نشرات الاخبار وقراءة وتحليل التقارير والتصريحات والمقالات الصحفية لتعرف ما هو الاتجاه والمزاج العام لدى الحكومات والمجتمعات الغربية وحتى المنظمات الانسانية والدولية العاملة في مختلف الدول.. فمثلا على المستوى السياسي إذا كان التوجه العام يصب ناحية تركيز العداء ناحية دولة ما أو نظام ما أو جماعة ما..فعليك أن تمسك بهذا الخيط وتبني عملك الأدبي كله على أساسه بحيث تتبنى في قصتك نفس الموقف الذي يتبناه الرأي المحلي والغربي، أما اذا كانت المنظمات الدولية تولول على موضوعات معينة وتسلط عليها الضوء مثل قضية الزواج المبكر أو تجنيد الأطفال فلتكتب قصة يكون بطلها طفل تم تجنيده أو رواية بطلتها طفلة تعرضت للزواج المبكر وعاشت تجربة بشعة، أو اكتب قصة تُظهر فيها بشكل مبالغ سيئات وعيوب نظام ما أو جماعة معينة يعاديها العالم ويهاجمها الإعلام ..وهكذا بحيث تجعل قصتك دائما ذات توجه يتماشى مع ما يشغل المجتمع الدولي بشقيه الحكومي والإنساني ولا تلتفت لأي معيار آخر عند اختيارك لموضوع عملك الأدبي..

ثانيا: عنوان القصة
احرص على ان يكون عنوان القصة غريبا ومركبا على غرار "متدحرجا أحببت زمنا" أو "عندما يعطس المريخ" أو "الطحالب تعشق مرتين"...الخ، أو استخدم مفردات غير مفهومة بالمرة مثل "بلاتنتيسفشخ" أو " سنطعيز 7".. هذه العناوين تساعد على تسويق الرواية مبكرا قبل حتى أن يقرأها أحد وتعطي القارىء إيحاء بأنه مقبل على قراءة نص غير تقليدي وخطير، وكن على يقين بأنه لا يمكن لأي ناقد أو قارىء أن يتجرأ وينقد أو يسفه رواية يحمل غلافها اسم "سنطعيز 7" والا اتهموه بالتخلف وقصر النظر وعدم مسايرة الحداثة!

ثالثا: لغة القصة
عليك أن تحرص على تطعيم وتضمين القصة بعبارات وكلمات توحي بالغموض والحداثة مثل : انتابته مشاعر لازوردية.. مثلما تلاشى الطحلب الزغبي في غياهب السديم الأزرق..رائحة الوقت البنفسجية.. الهوامش الانكسارية.. النظرات الخنفشارية..
وغيرها من الجمل التي يمكنك كتابة مئات منها في جلسة واحدة وأنت تحتسي كوبا من القهوة..

واستخدم ايضا جمل وتعبيرات معقدة من هنا وهناك توحي للقراء بأنك مثقف من الطراز الثقيل الذي يقرأ في اليوم مائة كتاب على الأقل (يمكنك الاستعانة ببعض مواقع الانترنت لتساعدك في تركيب هذه الجمل):
كرحلة برومثيوس الأزلية في بحر كريت..
عيناها كعيني ديوجين في بحثه المحموم عن رجل أمين.. 
كلا.. لن أصرخ كما صرخ سبارتاكوس في وجه طغاة روما..
 تنتظره هناك كما انتظرت بياتريس دانتي على أبواب الجحيم..
 سوداوي كأنه قادم من عوالم كافكا المظلمة..الخ

 فالقارىء العادي لن يفهم معظم هذه العبارات لكنه سيشعر بالقشعريرة حتما وهو يقرأها وستنتابه الهيبة من القصة ومن كاتبها ولن يجرؤ على أن يعلن أنه لم يفهم شيئا من هذا الكلام بل على العكس سيتظاهر بأنه معك على طول الخط وأن كلماتك "هزته حتى الأعماق" بل وربما يبكي من شدة التأثر والرهبة..

رابعا: محتوى القصة
عليك أن تعرف أنه لا يهم إن كانت قصتك مترابطة أم لا.. تحمل في طياتها رسالة أو هدف تريد ايصاله للقارىء أم لا، ففي عصر الحداثة كما قلنا الشكل أهم من المضمون لذلك عليك ألا تتعب نفسك وتضيع وقتك في محاولة بناء شخصيات القصة وتدقيق الحبكة وصياغتها وكل هذا الهراء الذي تخصص فيه الأولون وبرعوا فيه لانه كان لديهم المزاج الرائق للإهتمام بهكذا تفاصيل وكان لديهم جمهور يستمتع بذلك الاتقان..أما نحن فنعيش في عصر السرعة والبحث عن الاضواء والجوائز والإعجاب السريع المتفجر لذا عليك أن تركز على القشور وأن تنوع في المحتوى بحيث يناسب رغبات الجمهور المتعطش للجنس والعنف والابتذال..عليك أن تجعل الجنس جزءا من مكونات القصة حتى لو أقحمته فيها بشكل واضح وصريح لا يخدم سياق القصة، ولا بأس ببعض العنف أيضا خصوصا ضد النساء، واذا كنت تضع نصب عينيك وأنت تكتب تلك المؤسسات الغربية التي تقوم بتوزيع الجوائز وترجمة القصص العربية فعليك أن تجدف في الرواية وأن تجعل فكرتها الرئيسية تتمحور حول سوء معاملة المرأة التي ستقرر أن تتمرد وهو - أي التمرد - ما سيقوم به كل أبطال قصتك حيث يتمردون ويشككون في كل شيء ..في الدين وفي الخالق وفي كل الثوابت والقيم والأخلاق..

خامسا: أبطال القصة
سواء كانت بطلة الرواية جميلة أم قبيحة، سطحية أم عميقة، احرص على أن يكون اسمها "لارا" .. إن فرص نجاح القصص الحديثة التي تدعى فيها البطلة لارا كبيرة جدا اذا ما قارناها بالقصص الأخرى التي يكون فيها اسم البطلة فاطمة أو رشيدة مثلا.. فإذا ما وجدت ان كل القصص المنشورة مؤخرا استخدمت اسم "لارا" فاختر احد الاسماء التي تجدها في أي مسلسل تركي مدبلج وسيفي بالغرض، ويمكنك ايضا حين تصف البطلة ان تتخيل نفس شكل الممثلة التي اخذت هذا الاسم في المسلسل وهكذا توفر على نفسك عناء التخيل..أما بطل القصة فعليك أن تجعل شخصيته مزيجا من الشرق والغرب في نفس الوقت.. فهو شرقي حار الطبع غيور يحب الأكل المليء بالبهارات– وربما يصلي إذا كنت لن تلعب على تيمة الكفر و الالحاد- وهو في نفس الوقت عصري متحرر "كوول" يحب سماع موسيقى شوبارت وباخ ويعشق أكل ال "تشيز برجر"، كما أنه يدخن ويشرب البيرة والشمبانيا وربما الفودكا أيضا " وحاول أن تقرأ قليلا عن الفرق بين هذه المشروبات الروحية لأن القارىء الغربي سيلاحظ جهلك بسرعة عندما يقرأ ما كتبت عن هذه الأمور"

وهكذا وباتباعك لهذه الخطوات فإنك تضمن نجاحا ساحقا لقصتك وأن يتم طباعتها أكثر من مرة وربما ترجمتها للغات أخرى..خصوصا حين يقوم أحد النقاد الكبار – عن طريق الإحراج أو المجاملة أو حتى الشفقة-  بالكتابة عن روايتك ويصفها بأنها تُشكل"فتحا" في عالم الرواية الحديثة ونموذجا سيُحتذى به لعدة أجيال قادمة!

صحيح أن كثيرين الان يتبعون نفس الخطوات ويستخدمون أساليب متشابهة بل وربما الكلمات ذاتها مع بعض التغيير، فمثلا  قد تجد في رواية أن لون السديم "بنفسجي" ورائحة الوقت "زرقاء"، بينما في رواية أخرى العكس حيث يكون لون السديم "ازرق" ورائحة الوقت "بنفسجية" ، وبعضهم قد يجعل الهوامش "خنفشارية" ويصف النظرات بأنها "انكسارية".. لا بأس.. لا تجعل هذا يحبطك أويفت في عضدك ..أولا لأن معظم القراء لن ينتبهوا لهذا الأمر، وثانيا لانه بإمكانك دائما ان تضع بصمتك الخاصة وأن تصمم بنفسك مصطلحاتك "الخنفشارية السديمية" وأن تكسر كل الخطوط الحمراء التي كسرها من قبلك ..

المهم أن تتذكر دائما أن الهدف ليس كتابة قصة هادفة مفهومة لها جسم ورأس وذيل، بل المهم هو الحذلقة والتصنع والغموض وهي الطينة التي يمكنك أن تشكلها كما تشاء لتخرج منها بعشرات القصص الناجحة في زمن الرداءة الذي نعيشه.. لهذا لا تتردد كثيرا بل شمر عن ساعديك واشحذ قلمك واحجز لنفسك مكانا في هذا العالم المتعطش لكل ما هو سطحي وتافه..

ومبروك عليك الجائزة مقدما يا "مُبدع"!

October 30, 2016

ناقصون عقل ودين


أنيس الباشا 

من أشهر الأحاديث التي يحلو للذكور في المجتمعات العربية والمسلمة أن يستشهدوا بها حين يريدون أن ينتقصوا من مكانة المرأة هو الحديث المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا أمورهم إمرأة" أوالحديث الذي يصف النساء بأنهن "ناقصات عقل و دين" ، ومن الشائع جدا في مجتمعاتنا أن تجد المسلم الذي لا يحفظ أحاديث الشعائر مثل الحج أو الصيام أو أحاديث المعاملات والأخلاق لكنه يحفظ عن ظهر قلب كل الأحاديث التي تنتقص من قدر ومكانة المرأة وعلى رأسها هذين الحديثين الذين يرددهما الكثيرون وهم يبتسمون تلك الابتسامة المستخفة الساخرة على أساس أنهم يقررون حقيقة كونية راسخة!

وتجد أصحاب هذا المنطق يدافعون عنه بتعصب رغم أن نظرة بسيطة للواقع تناقض قولهم، فالعالم من حولهم فيه نساء نجحن بامتياز في إدارة وتولي شئون أقوامهن، بل وحتى في التاريخ القديم لدينا في القرآن الكريم نموذج ملكة سبأ الأنثى التي استطاعت بحكمة بالغة وذكاء أن تجنب قومها – وهم كما يظهر من السياق مجموعة من الأوباش لا يجيدون سوى لغة القوة - حربا لا قبل لهم بها وأن تقودهم من ظلمة الوثنية وعبادة الشمس إلى نور الإسلام وعبادة الله الواحد، بينما على الناحية المقابلة لدينا أيضا في القرآن مثل على ملك "ذكر" هو فرعون الذي عاث في الأرض فسادا واستكبارا وطغيانا حتى أودى بنفسه وبقومه إلى الهلاك!

ومع ذلك لا يزال أصحاب ذلك المنطق مصرون على رأيهم بأنه لن يفلح قوم ولوا أمورهم إمرأة، يقولونها بينما كثير منهم يستشير زوجته في كثير من الأمور ويأخذ برأيها ومشورتها ويتضح أنها على حق في كثير من الأحيان إلا أن كل هذا لا يفلح في زعزعة إيمانهم المطلق بأن النساء ناقصات عقل ودين!

ونسمع ونقرأ ونرى كثيرا نموذج ذلك الرجل كبير السن الذي تأتي فتاة صغيرة في عمر ابنته أو حفيدته فتسيطر عليه وتجعله كالخاتم في اصبعها و"تلهف" كل ثروته التي جمعها طوال عقود من الكد والتعب ثم تتركه وتهجره وهو يردد ويقسم في كل مناسبة أن النساء ناقصات عقل عكس الرجال "مكتملي" العقل أمثاله!

وعلى مستوى الجاسوسية وألعاب المخابرات فإن النساء "ناقصات العقل والدين" لعبن أدوارا قمة في الخطورة في هذا المجال وتمكن من انتزاع سيل من المعلومات من أفواه الرجال "كاملي العقل والدين" وكان لهذه المعلومات أثر بالغ في تغيير مسار التاريخ وانهيار دول وقيام أخرى ونشوب حروب وانهيار دول ومنظمات وكيانات..

إن مسألة النظر إلى المرأة بدونية واستصغار في مجتمعاتنا المسلمة لها أسباب وأبعاد كبيرة متجذرة في الوعي الجمعي لدى المسلمين خصوصا في المجتمعات المنغلقة والمتحفظة..وفي نفس الوقت يعيش هؤلاء تناقضا وانفصاما كبيرين حين يرددون دائما أن الإسلام هو الدين الذي كرم المرأة وفي نفس الوقت يؤمنون تماما بالأحاديث التي تنتقص من قدرها وتسيء لها لا لشيء إلا لكونها جاءت إلى الدنيا أنثى!

 والأحاديث كثيرة مثل أنها ناقصة عقل ودين وأن النساء هن أكثر أهل النار وأن المرأة - هي والحمار والكلب الأسود- يقطعون الصلاة وغيرها من المرويات التي أفرزتها وتناقلتها وأطرت لها عقول ذكورية عنصرية تؤمن بأن الكون كله خُلق من أجل الذكر وأن الأنثى مجرد متاع وتابع يدور في فلك الرجل والغرض منه فقط هو متعة وراحة الرجل..

وكما أن الأنثى ُوجدت في الحياة الدنيا لمتعة الذكر، هناك أيضا الحوريات من أجل امتاع الذكر في الحياة الآخرة، فكل شيء هو من أجل الذكر أولا وأخيرا بصفته المخلوق المدلل والمفضل، أما هي – أي الأنثى- فيكفيها شرفا وفخرا وانعاما أن تكون في الآخرة زوجة لمن كان زوجها في الدنيا والذي لديه أيضا إلى جوارها في الآخرة سبعون أو ثمانون أو مائة حورية .. ولا يهم إن كان ذلك الزوج قد أذاقها صنوف الويل والمرارة  أو كان سيء المعشر في الحياة الدنيا، فالمهم أنها ستجد في الآخرة رجل يسترها وكما يقول المثل ظل رجل ولا ظل حيطة.. وفي لمسة انسانية كريمة لم ينس واضعوا الأحاديث أن يضيفوا حديثا يعطي المرأة التي تزوجت بأكثر من رجل في الدنيا الحق أن تختار في الآخرة من بين هؤلاء الرجال من تريد أن تكون "زوجته"، فياله من كرم لا يقدر بثمن على المرأة المسلمة أن تقبل أقدام الرجال لكرمهم وتفضلهم هذا..!

وليس النظر إلى المرأة بدونية مقصورا على فئة المتدينين بل هو عامل مشترك تجتمع عليه فئات وفرق كثيرة، فالسنة والشيعة مثلا تجدهم يختلفون في أشياء كثيرة لكن حين يتعلق الأمر بالمرأة فإنهم على قلب رجل واحد! و سبحان من فرق و جمع!

وليست المسألة محصورة ضمن المسلمين فقط  بل انها موجودة أيضا في نصوص الأديان السماوية السابقة مثل اليهودية والمسيحية، والفرق فقط الآن بيننا وبينهم انهم عطلوا العمل بنصوص كتبهم المقدسة – خصوصا ما يتعلق بالمرأة- وحصروها ضمن جدران الكنائس والمعابد، بينما في حياتهم اليومية وضعوا قوانين تضمن المساواة بين الذكر والأنثى ولا تعطي للذكر أي أفضلية بل على العكس تراعي بعض هذه القوانين المرأة أكثر من الرجل!
فعلى سبيل المثال هنا في ألمانيا يحق للمرأة التي أنجبت أن تأخذ أجازة من عملها مدفوعة الراتب لمدة ثلاث سنوات ولها الحق بالعودة إلى عملها متى شاءت قبل انقضاء هذه المدة، ولم يكتف هؤلاء بوضع القوانين فقط بل طبقوها واحترموها، أما نحن فقد عطلنا كتاب الله العزيز وحصرناه بين جدران المساجد فيما يتعلق بأمور و شئون الحياة والعلم وفي نفس الوقت قمنا بتفعيل كل النصوص الوضعية الأخرى التي تنتقص من كرامة وقدر المرأة وجعلناها بمثابة نصوص مقدسة نافذة لا يمكن رفضها أو حتى مراجعتها..

والحقيقة أن الإسلام بالفعل كرم المرأة لكن ليس ذلك الإسلام الذي يروج له هؤلاء، والله سبحانه وتعالى ساوى تماما بين الذكر والأنثى ولم يعط الأفضلية لجنس على الآخر، والرسول الكريم كان مدركا لهذه الحقيقة وطبقها عمليا في حياته لكن الخلل جاء من العقليات والموروثات التي ظهرت أو طغت فيما بعد وكرست النظرة الذكورية المتعصبة والضيقة وألبستها لباس الدين، وبالطبع حاز هذا المنهج على رضى الذكور واستماتوا في الدفاع عنه جيلا بعد جيل، فمن يقبل أن يعترف بالمساواة مع المرأة ويضحي بكل الامتيازات التي منحها إياه السادة الفقهاء؟

فمن هذه الإمتيازات العجيبة أن له الحق المطلق بأن يتزوج بأربع نساء هكذا كما يشاء وله أن يطلق متى ماشاء ويمسك بمن يشاء! و له الحق في "تأديب" زوجته التي "لا تطيعه" أو لا يروق له أحد تصرفاتها بل و له ضربها! و له إذا دعى زوجته للفراش وامتنعت فإن الملائكة ستقوم بترك كل ما لديها وتنشغل بلعن تلك الزوجة الظالمة طوال الليل؟!
و بينما يتمتع الذكور بحق اللباس و التطيب كما  يشاءون فإن على المرأة أن تتغطى بشكل كامل و ألا تتطيب و إلا صارت في حكم الزانية!!  وفي كرم حاتمي أجاز لها البعض بأن تظهر عين واحدة فقط كي ترى بها الطريق فإن كانت تستطيع المشي بدون اظهار هذه العين فلا داعي لذلك وستر تلك العين أولى!

أما بالنسبة للميراث فللذكور نصيب الأسد من كل شيء دون فهم رياضي صحيح لآيات المواريث و للعم أو الخال حق في ميراث الانثى  الوحيدة!

وغيرها من الامتيازات والتفضيلات التي لا يتسع المجال لذكرها هنا لانها تحتاج إلى مجلدات، حتى الرواية المشهورة التي يطيبون بها خاطر الأمهات "الجنة تحت أقدام الأمهات" هي في واقع الأمر هدية للأبناء وليس للأمهات لأن الابن الذي يطيع أمه سيدخل الجنة أما هي فاحتمال دخولها النار قد يتجاوز ال 80% لأن "أكثر أهل النار من النساء"..

ولا يقبل انصار هذا الفكر أن يأتي أحدهم ليجادل بأن المرأة مساوية للرجل بل وربما تتفوق عليه في بعض المجالات، وأنه لا فضل ولا ميزة لذكر على أنثى بالخلق وإنما التمايز والتميز يكون بالعلم والعمل والأخلاق، ولا يعترفون أن المرأة تمكنت من قيادة دول عظمى مثل ألمانيا وبريطانيا وأمريكا باقتدار وكفاءة، وفي المقابل هناك الكثير من القادة والزعماء  "الذكور" تسببوا في كوارث وحروب ونكبات لأقوامهم ولغيرهم ، ومع هذا كله فهم مصرون كل الإصرار على أن الرجل أفضل وأعقل وأكمل وأنه لن يفلح قوم ولوا أمورهم إمرأة.. مما يجعلهم جديرون بالفعل بأن يحملوا هم صفة "ناقصون عقل ودين"!


October 20, 2016

!...ملك البطاطا

رشا المقالح


يعتبر شهر أكتوبر موسما للحصاد عند الألمان وتكثر فيه الاحتفالات الخاصة بالخضروات والمحاصيل، لذا عندما دخلنا إلى المركز التجاري الكبير في المدينة لاحظنا وجود "قطع زراعية" على أرضية  المركزحيث تم وضع فزاعات عليها ، و نشر سلال وصناديق تحتوي على بعض المحاصيل الزراعية مثل القرع والبطاطا  في إشارة إلى الموسم الحالي الخاص بالحصاد.





والبطاطا في ألمانيا من أهم المحاصيل إذ لا يكاد يخلو بيت منها وكم من مرة يخبرك جارك إذا التقيت به صدفة في الشارع أنه ذاهب إلى السوبر ماركت لشراء "بطاطا" ..يقولها بنفس النبرة واللهفة التي نتكلم بها نحن على اللحوم والدواجن..!

بالنسبة لنا فقد تربينا ونشأنا في اليمن ونحن نعرف أن البطاطا عبارة عن نوع واحد، يختلف فقط سعرها بحسب المواسم والكميات ومزاج البائعين أو رغبتهم في الاحتكار.. أما هنا في ألمانيا فحين تدخل السوبر ماركت تفاجأ
بأن البطاطا لها عادة قسم كامل خاص بها أو عدة رفوف تتراص عليها أنواع مختلفة من البطاطا! وطبعا احتاج الأمر إلى سؤال الألمان الذين شرحوا لنا أن هناك بطاطا سريعة الطبخ وأخرى هشة وثالثة قاسية و...و... وهناك البطاطا "الحيوية" أي التي انتجت بطرق طبيعية بدون أي أسمدة كيماوية أو صناعية، الخلاصة أنك كي تشتري بطاطا في ألمانيا تحتاج إلى أن تصطحب معك أحد الخبراء أو ربما تقضي بعض الوقت في تعلم أنواع البطاطا والفروقات بين كل نوع وآخر، أو إذا كنت لا تملك الوقت والمزاج الرائق لهذا فاختر كل مرة نوع وجرب أن تعرف الفرق بنفسك وأنت وحظك!





و في منتصف هذا الشهر دعتنا روضة الاطفال التي يرتادها طفلنا إلى حضور ما اسموه ب "مهرجان البطاطا"..! و عندما استفسرنا عنه أخبرونا أنه عبارة عن احتفال بمناسبة موسم الحصاد و أنه سيقام في الهواء الطلق في حديقة الروضة ، كما طلبوا منا أن نحضر معنا حبة بطاطا كبيرة  للدخول في المنافسة على لقب المهرجان، حيث أن الطفل الذي سيحضر أكبر قطعة بطاطا سيفوز بلقب "ملك البطاطا"..! 

وهكذا ذهبنا في يوم المهرجان الساعة الرابعة عصرا ومعنا حبة بطاطا كبيرة اخترناها بعناية، ثم بدأ الاحتفال بالوقوف في دائرة حول موقد مليء بالفحم المشتعل مع ترديد أغنية خاصة بموسم الحصاد ، و قام الأطفال بالرقص ، كل طفل يمسك بيد طفل آخر و يقفز مع ترديد كلمات الأغنية.


بعدها وقفنا في طابور، كل طفل مع والديه،  أمام "لجنة" وزن البطاطا، حيث تم وزن كل حبة بطاطا و تسجيل اسم صاحبها و اعطائه ما يشبه الميدالية مكتوبا عليها وزن بطاطته ليحتفظ بها حتى لحظة إعلان النتيجة في نهاية الاحتفال.


ثم انطلق الأطفال بعدها في اللعب حيث تم تجهيز بعض الألعاب المرتبطة بالبطاطا مثل القفز بشوال البطاطا، و الجري بملعقة بها بطاطا و القفز عبر الحواجز دون الإيقاع بها!!

  و بالتأكيد كان لا بد أن يكون "شي الخبز" من الفعاليات الأساسية في هذا المهرجان، فلا يمكن أن يخلو منه أي احتفال يقام في الهواء الطلق في ألمانيا.   حيث يتم لف قطعة من العجين حول طرف عصا خشبية ثم يتم تسويتها بتعريضها مباشرة لنار منبعثة من جمرات مشتعلة في موقد، وعندما ينضج الخبز يكون مقرمشا من الخارج و لينا بعض الشيء من الداخل، و يتم أكله مباشرة من العصا، و لاحظت أن الألمان يستمتعون بشدة بهذا الأمر! 

أما الأطفال فرغم برودة الجو إلا أنهم انطلقوا في اللعب والمرح وهم سعداء بهذا الوقت الاضافي الذي مُنح لهم كي يلعبوا ويستمتعوا في وجود آبائهم وأمهاتهم..




أما أجمل ما في الاحتفال فهو أطباق البطاطا التي تم تقديمها: شوربة البطاطا و حلقات البطاطا! فقد تم سلق كميات كبيرة من البطاطا وتم اعداد أطباق متنوعة قوامها البطاطا، فكانت هناك مائدة يمكن لمن يقف عندها ان يحصل على طبق شوربة البطاطا وبإمكانه أن يختار إما شوربة البطاطا مع قطع النقانق أو بدونها وكذلك الحال عند المائدة الاخرى التي يمكنك الحصول منها على طبق بطاطا مقلية مع قطع اللحم المفروم أو بدون.. وهكذا وبسبب هذه الخيارات المنفتحة التي تراعي خلفيات الناس فقد تمكنا من تذوق أطباق البطاطا بدون اللحم والتي كانت لذيذة بالفعل وتستحق أن يقام لها مثل هذا الاحتفال..!




و في نهاية المهرجان تجمع الأهالي مع أطفالهم لسماع النتيجة، و قام المشرفون بوضع منصة للفائزين و هي عبارة عن جذوع أشجار، و لسوء الحظ لم تفز بطاطتنا فقد كان وزنها ثلاثمائة و سبعة جرام فقط أما لقب "ملك البطاطا" فقد استحقه عن جدارة طفل كان وزن بطاطته يفوق السبعمائة جرام! ولا زلنا لا ندري من أين حصل ذلك الطفل على بطاطا بحجم بطيخة حيث أن البطاطا التي احضرناها كانت أكبر ما وجدناه في السوق! أما المركز الثاني فكان لطفل وزن بطاطته خمسمائة جرام والمركز الثالث لطفل وزن بطاطته أربعمائة جرام.. وهذه الأوزان المرعبة لحبات البطاطا تدل دلالة قطعية على أن البطاطا في ألمانيا متميزة ولها مكانة خاصة و ليست مثل البطاطا البائسة التي نعرفها في بلادنا ولذلك استحقت البطاطا الألمانية عن جدارة أن يقام لها مثل هذه الاحتفالات ! و الطريف أنه تم توزيع ثلاث ميداليات على الفائزين، و لكنها ميداليات مصنوعة من الورق المقوى و لها شكل البطاطا.. 



كانت الفعالية جميلة ومنظمة كعادة الألمان، والفكرة رغم بساطتها الا انها مهمة إذ من خلال هكذا فعاليات يتم تعريف الأطفال بأهمية هذه المحاصيل التي يأكلونها بطريقة جذابة وممتعة فقد اجتمعوا ولعبوا وأكلوا وتنافسوا..
و على الرغم من أن طفلنا لم يحصل على لقب "ملك البطاطا" و لم يحصل على الميدالية الفضية ولا البرونزية، إلا أننا تقبلنا الأمر بروح رياضية عالية، فالمهم هو المشاركة بحد ذاتها ومن يدري..لعل الحظ يحالفنا ونفوز في مسابقات قادمة مماثلة يكون فيها ابننا ملك الطماطم أو ملك الجزر أو الفاصوليا! لم لا؟ ففي ألمانيا كل شيء ممكن...المهم أن نعثر حينها على حبة فاصوليا بحجم برتقالة وعندها يغدو الفوز مضمونا..