Pages

April 30, 2017

!أنت السبب..نعم أنت


أنيس الباشا 

المنطق والعقل يقولان أن الشخص الذي يرتكب الفعل الخطأ يستحق أن يلام عليه، لكن في عالم الواقع فإن الناس في العادة تميل لتوجيه اللوم إلى الضحية وليس إلى الجلاد!

يُسرق من أحدهم شيء ما فيتهمونه بالإهمال واللامبالاة، تتعرض إحداهن للتحرش أو حتى الاغتصاب فتُتهم بأنها هي السبب كونها مصدر فتنة أو أنها لم تتصرف بحكمة، يُفصل أحدهم من عمله بشكل تعسفي فيُتهم بأنه لم يقدم أداءا جيدا أو لم يتقن أصول النفاق، تتعرقل معاملة حكومية لآخر فيلام بأنه لم يدفع رشوة وإلا كان عمله قد أنُجز.. وهكذا تحصل الضحية على النصيب الأكبر من التقريع واللوم بينما الأغرب والأعجب من كل هذا ليس فقط  أن لا ينال الجاني نصيبه من اللوم بل أن يتم تبرئته واختلاق المبررات له في بعض الأحيان!

فعلى سبيل المثال قام النظام السعودي بشن أقذر وألعن حرب في التاريخ القديم والحديث ضد بلد فقير وضعيف مثل اليمن واستقدم المرتزقة من كل مكان وقصف البلد بكل أنواع الأسلحة وفرض حصارا جائرا عليه أوصل الملايين من الناس للمجاعة وسفك الدماء في صالات العزاء وقاعات الأعراس بصواريخ الإف 16 وأشعل حروبا أهلية في كل مكان في اليمن كل هذا تحت مبررات وذرائع واهية لم تقنع حتى من يقفون مع هذا النظام ويدعمون حربه العبثية الفاشلة، وبعد كل هذا يأتي من يقول لك أن السبب هو اليمنيين أنفسهم وليس النظام السعودي..
وقد أفهم أن نلوم أنفسنا كيمنيين بسبب التشتت والاقتتال الداخلي الذي نعيشه – والذي تغذيه أطراف خارجية ومحلية – وبالطبع لو كان هناك نوع من الوعي العام وتغليب المصلحة الجماعية لما كنا نعاني كما نعاني الآن، لكني لا أفهم أن يتم سكب اللوم على اليمنيين وتبرئة من يشن العدوان ويزين سماء البلاد بطائراته الحربية التي تقصف وتقتل وتدمر بلا تمييز منذ أكثر من عامين..

المشكلة أن عقدة تقريع النفس أو لوم الضحية متجذرة في العقلية العربية ، فعلى مدى قرون تم غرس فكرة الشعور بالذنب من منظور ديني خاطىء بعيد كل البعد عن فهم منهج الدين الحقيقي في هذا الجانب، ونتيجة لهذا الفهم القاصر والسطحي فإن تفكير الإنسان العادي يتوجه تلقائيا إلى لوم النفس عند كل مصيبة أو حادث يقع باعتبار أنه المسئول الأول والمتسبب في ذلك، فلو أن نيزكا سقط من السماء فوق رأسك أنت فهذا بسبب أنك مقصر وعابث تخلفت عن صلاة العصر في جماعة أو ضحكت كثيرا قبل شهرين أو قضيت ليلة أمس في متابعة فيلم أكشن مشوق أو غيرها من متع الحياة البريئة التي يصوروها المتنطعون على أنها كبائر وجري ولهث وراء الدنيا..وذلك النيزك اختارك أنت بالذات لتلك الأسباب البسيطة وترك الطغاة والمجرمين الذين ارتكبوا فظاعات وجرائم بحق البشرية بأكملها وتلوثت أيديهم بأنهار من الدماء مثل شارون أو جورج بوش أومحمد بن سلمان أوالبغدادي!

وبهذه العقلية وبذلك التفكير القدري الجبري نتعرض لمآسي كثيرة في الحياة لا ذنب لنا ولا يد فيها لكننا نلام عليها سواء من أنفسنا أو من قبل الآخرين، والمصيبة أن البعض وكنتيجة لشعوره بالظلم الواقع عليه يتجه إلى التنفيس عن غضبه وألمه فوق من هو أضعف منه، وهكذا نسمع عن الأب الذي يضرب أطفاله أو الزوج الذي يهين زوجته ويسيء معاملتها أو الجار الذي يؤذي جيرانه، ومعظم هؤلاء كانوا ضحايا بالأساس لأنواع مختلفة من القهر والظلم من أطراف مختلفة تفوقهم قوة وقدرة ولم يجدوا طريقة للتنفيس عن ألمهم إلا بممارسة الظلم على أطراف أضعف منهم..

ويزداد هذا التوجه للوم الضحية في المجتمعات التي لا يوجد فيها حضور وتطبيق للقانون والعدالة ويعتمد فيها أخذ الحقوق أو رد الظلم على النفوذ والقوة والطرق الملتوية البعيدة عن القانون وأدواته.. ففي هذه المجتمعات يشعر معظم الناس بالخوف ويدركون أن البقاء في مجتمعاتهم هو للأقوى وبالتالي فإن من لا يملك أسباب ووسائل القوة والجبروت يكون هو الطرف المعرض للظلم والاضطهاد وسلب الحقوق، بينما في المجتمعات المتحضرة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون فإن الناس لا تعاني من عقدة لوم الضحية لأن العدالة حاضرة وسيف القانون مسلط فوق رؤوس الجميع وصاحب الحق سيأخذ حقه ليس بالقوة الشخصية أو بالنفوذ وإنما بالعدل والقانون لذا فليس هناك مبرر للوم المجني عليه أو صب الغضب على أطراف ضعيفة لا تستطيع هي الأخرى أن ترد الأذى وتدفع الظلم عنها..

وفي المجتمعات المتخلفة والعربية خصوصا تتكفل عقدة الذنب وربط كل مصائب الحياة بالبعد عن الشعائر والعبادات وبالتالي استحقاق غضب الخالق مما يجعل تفكير الناس يتجه إلى لوم النفس أولا باعتبارها تستحق ما حصل لها بدلا من لوم المجرم أو الجاني او حتى البحث في الاسباب الموضوعية التي أدت إلى حصول الظلم أو المتاعب والمشاكل، أما المجتمعات المتقدمة التي لا تعاني من عقد دينية خاطئة فتتعامل مع المصائب والأحداث بطريقة مختلفة سواء كانت على مستوى فردي أم جماعي، فلو تعرضت فتاة مثلا للتحرش في مجتمع غربي فلن يقم أحدهم بلومها أو انتقادها وتحميلها مسئولية ما حدث انما سيتعاطف الجميع معها باعتبارها ضحية وبأنه في كل الأحوال لم تكن تستحق أبدا أن تتعرض لأي نوع من أنواع الأذى النفسي أو الجسدي، ولو تعرض شخص لأي نوع من الظلم أو الاضطهاد في عمله فالقانون والنقابات في صفه حتى يأخذ حقه ولن يلومه أحد أو يطالبه بتقديم تنازلات غير مقبولة بدعوى الحرص والذكاء..

ومالم تتحرر العقلية العربية من عقدة لوم النفس هذه وربط المصائب الدنيوية بقلة أو كثرة أداء الشعائر ومالم تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات تحترم القانون وتطبقه على الجميع بلا استثناء سيظل الظلم يقع على رؤوس الناس وبدلا من البحث عن الجاني ومحاسبته سنستمر في جلد أنفسنا على اعتبار أننا السبب فيما حصل ويحصل، وستستمر تلك الأم بضرب أطفالها وسيواصل ذلك الزوج إهانة زوجته وسيواصل ذلك الجار إيذاء جيرانه وكل يلوم الآخر بأنه هو السبب!

April 28, 2017

!ابريل، شهر الجنون


أنيس الباشا






يتندر الألمان على شهر ابريل ويرددون مقولة مشهورة عن هذا الشهر تقول: "إبريل يفعل ما يحلو له" أو بالألمانية : 

April April, der macht was er will

ومن يحضر شهر ابريل في ألمانيا يدرك على الفور كم هم صادقون في هذه المقولة!
في المعتاد فإن الطقس في معظم دول أوروبا يسير بوتيرة زمنية تتكرر بين الفصول الأربعة "شتاء – ربيع- صيف- خريف"، ورغم ان هناك بعض الاختلافات والتحولات في المناخ وارتفاع أو هبوط درجات الحرارة أو معدل هطول الأمطار وتساقط الثلوج عما هو معتاد في العقود الماضية، إلا أنه وبشكل عام يمكن القول أن الطقس في ألمانيا يتكرر بطريقة نمطية مرتبة فبعد أشهر الشتاء يأتي الربيع يليه الصيف ثم الخريف وهكذا تتكرر الفصول الأربعة بانتظام وفي أشهر معينة من السنة وهذا الانتظام يعكس نفسه على كثير من نواحي الحياة الاجتماعية والعملية والتجارية في البلاد..

فهناك موسم التخفيضات الصيفي وهناك ايضا موسم التخفيضات الشتوي وأعياد الربيع واجازات الخريف، ويقوم الناس بالتخطيط لنشاطاتهم المختلفة بحسب طبيعة فصول السنة، فالتسوق مثلا يكون في شهر كذا وكذا والزيارات العائلية في شهر كذا والسفر في شهر كذا الخ.

لكن شهر ابريل هو الاستثناء من هذه القاعدة، فهو شهر متمرد بكل معنى الكلمة ورغم أنه من المفترض أن الربيع يبدأ "رسميا" في 21 مارس، إلا أن شهر ابريل لا يمكن تصنيفه انه شهر ربيعي أو حتى خريفي أو شتوي، فهو شهر جميع الفصول الأربعة حيث يتقلب الجو بين الربيع والشتاء والصيف والخريف بطريقة جنونية وبدون أي مقدمات.
 تخدعك الايام الأولى لهذا الشهر التي تصحب معها بعض الجو الدافىء فتتنفس الصعداء وتقوم ب "ركن" وتخزين الملابس الشتوية من معاطف برد ثقيلة وبول أوفرات وأغطية رأس وأيدي وأقدام، وتقبل على الملابس الخفيفة التي تناسب جوا كهذا لتفاجىء بعد بضعة أيام بأنك بحاجة مجددا إلى أن ترتدي "عدة" الشتاء لأن الطقس انقلب ودرجة الحرارة التي كانت 18 أو 19 أصبحت 2 أو 4 أو حتى - 3 !

والمصيبة أن هذا التحول المفاجىء في الطقس قد يباغتك بالفعل وبدون أي سابق إنذار، فقد تفتح النافذة لتجد الشمس ساطعة والسماء صافية والجو يوحي بالدفء ونشرة أخبار الطقس تقول ان الحرارة الآن 15 درجة فترتدي ملابس خفيفة وتخرج بكل حماس ونشوة لتستمتع بهذا الجو في بلد يشهد طقسا ماطرا غائما معظم أيام السنة، وبعد كم ساعة تفاجىء بأن الطقس انقلب 180 درجة وأن الشمس اختفت والسماء تلبدت بالغيوم والرياح هبت والبرودة زادت وفوق هذا كله.... بووووم يتساقط المطر الغزير ليبلل الدنيا من حولك وكل قطرة تسقط كأنها ضحكة يطلقها عليك شهر ابريل وهو يتفرج عليك بملابسك الخفيفة وأنت بلا حذاء مطر ولا مظلة..

والعكس أيضا قد يحدث، فقد تخرج وأنت في كامل استعدادك لجو عاصف بارد ممطر فترتدي ما يلزم وتنتعل حذاء المطر وتحمل مظلتك في يدك وأنت تضحك في أعماقك من أن ابريل لن يخدعك هذه المرة لتفاجأ بعد قليل بشمس ساطعة وجو صحو وحرارة معتدلة تجعل منظرك يبدو مضحكا لكن يعزيك قليلا ان هناك الكثيرين من حولك وهم من أهل البلد لكنهم قد خُدعوا مثلك وانتصر عليهم ابريل مجددا!

ورغم تكرر هذا النمط من الجنون في هذا الشهر إلا أن المرء لا يسلم من أن يُخدع مرة أو مرتين خلال هذا الشهر في كل عام، ففي هذا الشهر العجيب يمكن أن ترتفع درجة الحرارة لتجعلك تصبب عرقا وانت في الخارج وبعد بضعة أيام يمكن أن يتساقط الثلج أيضا! وعندها يمكنك أن تتخيل كيف يبدو منظر شخص يرتدي ملابس خفيفة ويمشي وسط أمطار ثلجية، أو آخر يرتدي معطفا ثقيلا وشال صوفي ويمشي تحت أشعة شمس حارة..لا تضحك عليهم أو تعتقد أنهم حمقى ، انهم ببساطة أناس خدعهم شهر ابريل وضحك عليهم مرة أخرى..

ووسط هذا كله ، تدرك أهمية طريقة لبس الطبقات  layers المتبعة في ألمانيا وهي طريقة عملية وذكية تتمثل في ارتداء عدة طبقات من الملابس بحيث اذا انقلبت حرارة الجو بإمكانك دوما أن تخفف من إحدى الطبقات، فعلى سبيل المثال يمكن ان ترتدي صديريا وفوقه معطف ثقيل فإذا خفت برودة الجو يمكنك ان تخلع الصديري وتكتفي بالمعطف أو العكس، وكذلك الحال مع قطع الملابس الاخرى مثل قفازات الأيدي وأغطية الرأس والأوشحة، والمسألة يمكن تلخيصها في قول المرحوم الممثل سعيد صالح في المسرحية الشهيرة مدرسة المشاغبين "كل ما تتزنق..اقلع حاجة"!

نعم ..إنه ابريل شهر الجنون والطقس المتقلب، لكن الناس لا تجن ولا تتقلب بل تعلموا أن يستعدوا وأن يتأقلموا مع فصول السنة ومع تقلبات الجو، فالمنازل تُبنى بطريقة معينة بسبب الأمطار التي تهطل طوال الوقت ولتتوائم أيضا مع تساقط الثلوج، ومياه الامطار يتم تصريفها من الشوارع والطرقات أولا بأول، والملابس والأدوات الخاصة بكل طقس وكل موسم موجودة ومتوفرة وهكذا يستمر الناس في ممارسة حياتهم وأنشطتهم على مدار السنة وخلال شهور العام سواء كانت شهورا عاقلة أم مجنونة..





April 25, 2017

!لو كان التدخين رجلا لقتلته


 رشا المقالح


كنا نتسوق في إحدى المرات في السوبرماركت، عندما انتبه طفلنا للمرة الأولى لعلب السجائر و للصور التحذيرية المطبوعة عليها. ظهرت على وجهه علامات الانزعاج الشديد و تسائل ببراءة و خوف عن معنى ذلك. أخبرناه أن هذه تسمى سجائر و أنها مضرة بالصحة و أن من يقوم بالتدخين فإنه يعرض جسمه للتلف و يصبح مريضا مثل أولئك الأشخاص المرضى الذين يظهرون في تلك الصور التحذيرية.
لكن أسئلة طفلنا لم تقف عند هذا الحد، فقد شغل موضوع التدخين عقله تماما فاستمر بإلقاء الأسئلة علينا و في كل مرة  كانت إجاباتنا تولد مزيدا من الأسئلة! "ما هي السيجارة؟ و لماذا يدخن الناس؟و لماذا يبيع السوبر ماركت السجائرإذا كانت سيئة للغاية وغير صحية؟ "

و بما أننا لا ندخن،  و نعارض التدخين بشدة فقد كانت هذه فرصة جيدة بالنسبة لنا لنغرس في ذهن طفلنا أن التدخين هو عادة سيئة للغاية و أنه يستنزف الصحة و المال. لذا قمنا باستعارة  بعض كتب الأطفال من المكتبة و التي تحتوي على صور لجسم الانسان : الفم و الأسنان و الحلق و الرئتين ، و شرحنا له كيف يؤثر التدخين سلبا على تلك الأجزاء.

كما جعلناه يشاهد بعض مقاطع الفيديو الموجهة للأطفال على اليوتيوب و التي تشرح مدى خطورة التدخين، بطريقة مبسطة و سلسة . ليس ذلك فحسب، و لكننا قلنا له أيضا كيف يمكن أن تؤدي السجائر إلى نشوب حرائق إذا لم يكن المدخن حريصا. ربما تحمسنا كثيرا و انجرفنا بشدة، و لكن من يمكنه أن يلوم الآباء عندما يقومون بمسئولياتهم التربوية تجاه أطفالهم؟

لاحظنا بعدها أنه أصبح مهووسا بموضوع التدخين فكنا كلما خرجنا يتلفت يمنة و يسرة بحثا عن أي شخص يمسك
بيده سيجارة، ثم في أحد الإيام عندما كنا في السوق و وقعت عيناه على شخص يدخن، قام على الفور بتغطية أنفه و فمه بوشاحه الثقيل ثم صرخ بعدها بشكل هيستيري: "هناك مدخن! اتصلوا بالشرطة!"قلنا له و نحن نغالب ضحكاتنا أن المرء لا يستدعي الشرطة لمجرد أنه رأى شخصا ما يدخن السيجارة في الشارع، شعر بالصدمة للحظة ثم صاح: "إذا يجب أن نتصل برجال الإطفاء لإخماد السيجارة!"
كان مشوشا جدا و منزعجا، وأستطيع أن أرى لماذا، ففي ذهنه الصغير الذكي لا يمكنه سوى أن يتساءل كيف يكون التدخين خطيرا و مع ذلك يسمح به من كل من رجال الشرطة ورجال الاطفاء؟! فهو يحترمهم بشدة و يراهم أبطالا يحافظون على الأمن والأمان و يبعدون المخاطر عن الناس، فكيف لا يبعدون السيجارة و هي تعد من المخاطر؟! 
في الأيام التالية، قضينا الكثير من الوقت لنشرح له أن التدخين محظور في الأماكن المغلقة مثل المباني العامة و وسائل النقل العام. ولكن يمكن للمدخنين التدخين في الأماكن المفتوحة، ثم قلنا له أن التدخين هو "خيار"، وهناك من الناس من يتخذ خيارات سيئة و يختار الإضرار بنفسه للأسف الشديد، و لكن من جهة أخرى هناك أشخاص أذكياء، مثلنا بالطبع، الذين يختارون عدم التدخين لما له من مخاطر كبيرة على صحة الإنسان.

كنا نأمل أن يكون تفسيرنا منطقيا و أن يعمل على إزالة حيرته لكنه في اليوم التالي عندما كنا في الطريق إلى روضة الأطفال، مررنا بسيدة، حمدا لله أنها لم تكن تدخن! فبادرها ابني بابتسامة  عريضة قائلا : "صباح الخير!" ثم بعدها التفت إلي قائلا بفخر: "ماما، نحن نقول صباح الخير فقط للناس الذين لا يدخنون أما أولئك المدخنين فنحن لا نلقي عليهم التحية أبدا، أليس كذلك؟؟"

شعرت لحظتها بانزعاج حقيقي فهذا الأمر لم يعد محتملا، و لكن ليس بسبب أسئلة طفلي البريئة و إنما بسبب هذا العالم المليء بالمدخنين و الذين يجعلون مهمتنا كآباء و أمهات صعبة للغاية،  لذلك،فقد حان دوري الآن لطرح الأسئلة!

أولئك الذين يدخنون، لماذا تدخنون و أنتم تعرفون تمام المعرفة أن التدخين يأكل صحتكم و أموالكم، كما أنه يجعل رائحتكم كريهة!حقا كريهة! كما أن تصرفكم هذا يربك أطفالنا و يشوش أذهانهم! أما بالنسبة للآباء و الأمهات المدخنين، هل يمكنكم حقا الذهاب إلى النوم بضمير مستريح؟

رأيت في أحد الأيام، أما مع طفلتها و التي لا تتجاوز الثلاث سنوات من العمرأمام أحد متاجر الأثاث، و قد قامت تلك الأم بإشعال سيجارة و تدخينها، و بينما كنت مشغولة في الحكم  عليها  و انتقادها لأنها تدخن أمام طفلتها و تقدم لها نموذجا سيئا، انضم إليها رجل يبدو أنه الأب حيث أشعل سيجارة هو الآخر و قام بتدخينها، ثم أمسك كل منهما بيد الطفلة و ساروا مبتعدين و هم ممسكين سيجارتهم بيد و ابنتهم باليد الأخرى!!!

كان ذلك منظر يبعث على الإنزعاج بالنسبة لي،  كما لو كانت الطفلة تسير مع "مدخنتين" بدلا من السير مع "والدين"!

وبصفتي شخصا لا يتسامح مطلقا مع التدخين، تمنيت لحظتها أن يكون اقتراح طفلي باستدعاء الشرطة للمدخنين فعالا و نافذا. ألا يجب أن يكون هناك حظر قانوني على هذه العادة البشعة في وجود الأطفال؟؟!! فهؤلاء الأطفال يتعرضون للتدخين السلبي و هو يعرضهم لعدد من المشاكل الصحية! من حق الأطفال أن يتنفسوا هواء نقيا و أن يروا آبائهم يتنفسون أيضا هواء نظيفا، كما يجب أن يتم وضع قانون يمنع تعريض الأطفال للتدخين السلبي و يعدها إساءة و إيذاء للطفل تماما مثلما تم تجريم ضرب الأطفال.


وإلى أن يقرر صانعو القرار و الآباء المدخنون أن يكونوا على قدر عال من الشعور بالمسئولية، فإننا سنستمر في تثقيف طفلنا و توعيته بمخاطر التدخين، وأن التدخين هو خيار سيء للغاية يختاره المدخنون بإرادتهم وسيندمون على اختيارهم هذا يوما ما.