Pages

May 20, 2023

!... أنه القانون يا سادة

 


صورة تعبيرية من موقع بيكسابي


أنيس الباشا


 

دائما حين أتجول في شوارع أي مدينة ألمانية تستوقني دائما بعض المشاهدات التي ربما تمر على أهل البلد مر الكرام لكن وقعها مختلف علي أنا القادم من بلد أخر وثقافة مختلفة تماما. فمثلا يسترعي انتباهي أن جميع المحلات التجارية والبنوك ومراكز التسوق حين ينتهي الدوام فيها تُغلق بأبواب زجاجية فقط ويستطيع من يمر جوارها أن يشاهد كل شيء بالداخل، ومع ذلك نادرا ما تحصل حوادث سطو أو نقرأ عن محاولة اقتحام أو كسر لتلك الحواجز الزجاجية، وطوال السنوات التي عشتها هنا لم أسمع أو اقرأ عن حادثة سطو واحدة في المدينة التي أعيش فيها.

هناك أيضا منظر يستحق الوقوف عنده وهو عندما يرغب المرء في تزويد مركبته بالوقود فيتوقف في أي محطة للوقود ويقوم بملء خزان السيارة بنفسه ثم يتوجه إلى المحل الملحق بمحطة الوقود وهناك يُعلم الموظف أو الموظفة برقم الخزان الذي استخدمه ومن ثم يقوم بدفع المبلغ المطلوب! هكذا وبدون أن يكون هناك أي حراسة أو موظف يراقب أو يشرف على العملية، أما من يفكر في تعبئة الخزان ومن ثم المغادرة بدون الدفع فكل ما على إدارة المحطة فعله هو الرجوع إلى كاميرات المراقبة وإبلاغ رقم السيارة إلى الشرطة التي ستقوم بعملها وتفرض على الهارب الدفع مع الزامه بغرامة أيضا!

من المشاهد الأخرى التي تستوقفني هي حين أرى نساء وفتيات يتجولن في أوقات متأخرة في أحياء وشوارع المدن، البعض منهن يركب الدراجات الهوائية او يسير على قدميه في أمان وسلام. أما في أوقات الحر فتخرج المرأة هنا مرتدية ما تشاء من لباس يُظهر أكثر مما يستر، أما الشواطئ فحدث ولا حرج، ومع ذلك فحوادث التحرش تكاد تكون معدومة، والمرأة تخرج وتسير وتلبس وتمارس حياتها بحرية وأمان.

أبضا فيما يتعلق بقواعد المرور، لاحظت أن غالبية الناس تلتزم بهذه القواعد ولا تخرقها في العادة.

هل نحن نتكلم عن المدينة الفاضلة؟ قطعا لا، فهناك بالتأكيد مجرمون وأوغاد و مخالفون للقانون والقواعد في كل المجتمعات الإنسانية ولا توجد على الأرض مدينة تقطنها الملائكة، والواقعة الشهيرة التي حدثت في مدينة نيويورك الأمريكية في سبعينات القرن الماضي معروفة حين انقطع التيار الكهربائي لخمس وعشرين ساعة فقط حصلت خلالها حوادث نهب وتخريب لا تصدق!

إذن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يجعل بعض المجتمعات في الظروف العادية أكثر أمانا والبعض الآخر لا؟

قد يجادل البعض ـ خصوصا من ينتمي للثقافة الشرقية العربية ـ بأن الإجابة هي في "الدين"! الدين والتدين هما مقياس الأخلاق وصمام الأمان للمجتمعات، وهي إجابة غير صحيحة طبعا ولا تحتاج لشرح أو اقناع إذ تكفي نظرة واحدة ومقارنة بسيطة بين المجتمعات المتدينة او التي تدعي التدين وبين المجتمعات الأخرى التي أتحدث عنها والتي يوجد فيها أمن وأمان وصيانة لحقوق وكرامة الناس لنعرف الفرق، ممارسة الشعائر الدينية قد تمنح صاحبها الراحة النفسية أو الأمان، لكن الدين ليس هو مصدر الأمن والأمان فيما يتعلق بالتعاملات والتفاعلات بين أفراد المجتمعات.

إن العامل الذي يوفر لأفراد المجتمع بكل أشكالهم واختلافاتهم الأمن والأمان هو القانون وسيادة القانون وانفاذ هذا القانون، ولنضع مليون خط تحت كلمتي "سيادة" و "انفاذ" القانون!

فالقانون بشكل مجرد ومكتوب لا يكفي أبدا لضمان حقوق الناس و حماية مصالحهم ومنح المجتمعات الأمن والأمان مالم يكن هناك احترام حقيقي لسيادة القانون وتطبيق فعلي له لا يستثني أحد ولا يحابي أو يجامل فئة على حساب فئة أخرى.

إن القانون في البلدان المتقدمة سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة أو كندا أو أستراليا يستمد قوته وفعاليته من كونه لا يفرق بين الناس ولا يتم تطبيقه بشكل مزاجي يخضع للتقلبات والأهواء والوساطات أو المحسوبيات. القانون في هذه البلدان صارم ويسري على الجميع بلا أدنى استثناء بدء من رأس السلطة وانتهاء بأصغر فرد في المجتمع. وهذا هو ما نفتقده بشدة في مجتمعاتنا العربية حيث القانون موجود فقط على الورق، أما تطبيقه وانفاذه فتلك مسألة أخرى تعتمد على عوامل عديدة ليس من بينها احقاق الحق أو إرساء العدالة. وكل فرد عاش أو يعيش في هذه المجتمعات يدرك جيدا هذه الحقيقة ولربما عانى هو نفسه من هذا الأمر. القانون عندنا يحتاج إلى "وساطة" للوصول إليه وإلى "وساطة" لتطبيقه! ما يوجد في مجتمعاتنا العربية للأسف هو قانون الغاب حيث الغلبة للأقوى ولصاحب النفوذ والتأثير والمال، أما الضعيف فلا يمكن أن يجد العدالة أو الانصاف في القانون بل على العكس يفاجئ بأن هذا القانون سيف مسلط على رقبته هو فقط لأنه الطرف الأضعف.

وفي الحوادث الرهيبة التي قد تتحول إلى قضايا تهم الشارع أو الرأي العام نجد عندها رئيس البلد أو الملك "يتكرم" ويوجه بأخذ الإجراءات اللازمة ومحاسبة الجاني! بينما لو كان هناك قانون وكانت هناك سلطات تنفيذية حقيقية تنفذ هذا القانون في هذه البلدان لقامت هذه الجهات بواجبها بغض النظر عن حجم الجريمة أو خلفية أطرافها أو ضحاياها و لما احتاج الأمر إلى توجيهات رئاسية أو ملكية!

إن سيادة القانون وانفاذه وتطبيقه على الجميع هي ما يجعل المحلات التجارية تستخدم واجهات زجاجية لإغلاق أبوابها، وهي ما يجعل المرأة أو الفتاة تسير في الشارع أو تستلقي على شاطئ البحر وهي أمنة على نفسها وكرامتها، وهي ما يجعل سائق الشاحنة أو السيارة يلتزم بقواعد المرور لأن القانون دائما هناك فوق الجميع لا يحابي أحد أو يفرق بين الناس عندما ترتكب الأخطاء أو تتجاوز الحدود.

إن سيادة القانون واحترامه هي ما يجعل ملك بريطانيا أو مستشار ألمانيا أو رئيس وزراء أستراليا لا يجرؤ على مس شعرة من رأس أي مواطن عادي بدون وجه حق أو بدون الاحتكام إلى القانون والقضاء، وبنفس المنظور إن ثقة المواطن في القانون والقضاء في هذه البلدان هي ما تجعله يعرف أن بإمكانه أن يشكو وأن يقاضي رأس السلطة نفسه ويأخذ حقه منه لو تعرض للظلم.

إن المشاكل والظلم والتعدي على الحقوق موجود في كل المجتمعات بلا استثناء، الفرق فقط هو أن هناك مجتمعات تطبق القانون وتفرضه على الجميع وهناك مجتمعات لا تطبق القانون إلا على الضعيف!

لذلك أعود وأقول أن ما نحتاج إليه في بلداننا ومجتمعاتنا كي نشعر بالأمن والأمان هو أن نُعلي من شأن القانون وأن يفرض هذا القانون هيبته وسلطانه على الجميع بلا استثناء ولا تمييز أو محاباة، هل يعني هذا أن المشاكل و الجرائم ستختفي حينها وأن السلام والعدل والرخاء سيعم الأرجاء؟ لا.. لكن عندما يطبق القانون على الجميع سيعيش الناس في أمان على الأقل لأنهم يعلمون أن القانون موجود هناك ليحميهم ويصون حقوقهم حين تُمس وليس العكس.. وإلى جانب سيادة القانون فإن مجتمعاتنا في أمس الحاجة أيضا إلى سلطة قضائية مستقلة وعادلة وهذا الأمر له أهمية شديدة جدا لا تقل عن أهمية سيادة القانون وهو ما سيكون موضوع المقال القادم بإذن الله..


April 9, 2023

هل العالم على شفا حرب نووية؟ و من سيضغط الزر أولا..؟

 

الصورة من موقع pixapay


أنيس الباشا

 

في قصيدته الشهيرة "نار وجليد"  Fire and Ice تحدث الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست عن نهاية العالم وهل ستكون بالنار أم بالجليد، وينحاز الشاعر في القصيدة إلى أولئك الذين يعتقدون أن فناء البشرية سيكون بالنار. ويبدو أن الأحداث الأخيرة الملتهبة التي يشهدها العالم تتجه نحو تحقيق ما تنبأ به الشاعر في قصيدته التي نشرها قبل مائة عام تقريبا!

 منذ بداية الحرب التي اشتعلت بين روسيا من جهة وبين أوكرانيا على الناحية الظاهرة وحلف الناتو من خلف الواجهة في فبراير من العام الماضي والأحداث تسير بوتيرة متسارعة ومتصاعدة تجعل الكثير من المتابعين والمحللين يميلون إلى السيناريوهات المتشائمة وعلى رأسها بالطبع السيناريو النووي.

لقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية أحداثا متسارعة تمثلت في قيام الولايات المتحدة بتزويد أوكرانيا بأسلحة "نوعية" وإعلان بريطانيا نيتها تسليم أوكرانيا قذائف مزودة باليورانيوم المنضب إلى جانب وصول شحنات من الدبابات الحديثة إلى أوكرانيا وعلى رأسها الدبابات الألمانية الشهيرة ليوبارد، وجاء الرد الروسي سريعا بالإعلان عن نشر أسلحة نووية "تكتيكية" في بيلاروسيا واشتعال لهيب المواجهات العسكرية بين الجيش الروسي ونظيره الأوكراني في باخموت وما سبق هذه الأحداث من "تطويق" أمريكي للصين تمثل في إقامة او استحداث قواعد عسكرية جديدة في الفلبين وتايوان وكوريا الجنوبية، وصولا إلى التوتر المتصاعد بين القوتين في بحر الصين الجنوبي الذي وصل ذروته حين حاولت إحدى المدمرات الأمريكية قبل أيام التوغل في المياه الإقليمية الصينية مما اضطر وزارة الدفاع الصينية إلى ابعادها وإصدار بيان رسمي يندد بهذه الاستفزازات الأمريكية.

في ضوء هذه التطورات لم يعد الحديث عن استخدام الأسلحة النووية مجرد مبالغات أو تخمينات بل أن السؤال الأساسي فيما يتعلق بهذه النقطة تحول من صيغة "هل يمكن؟" إلى "متى؟" وأصبح العالم يلتقط أنفاسه بتوجس مشوب بالهلع خوفا من اللحظة التي يقرر فيها أحد الأطراف المتصارعة الضغط على "الزر" النووي!

ولعل ما صرح به مؤخرا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يصب في اتجاه هذا القلق حين قال إن الأمريكيين يحتاجون للصلاة بعد قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا! وقبل تصريح ترامب بأيام كانت التصريحات التي صدرت عن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عقب القرار الذي صدر عن محكمة الجنايات الدولية بحق الرئيس الروسي في قمة التشاؤم حيث حذر الرئيس الصربي من أن العالم يقترب من حرب عالمية ثالثة وأنه ليس هناك نهاية للجنون الذي يحدث والذي يشبه ما كان عليه الحال أبان الحربين العالميتين الأولى والثانية!

وللأسف مع مرور الوقت تتجه الأحداث إلى المزيد من التصعيد، فمنذ بداية المواجهة مع روسيا كانت الولايات المتحدة حريصة دائما على التأكيد أنها لن تزود أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى وذلك حرصا على تجنب المواجهة المباشرة مع روسيا، لكن الموقف الأمريكي تغير في هذه الناحية وها هي التقارير الروسية تؤكد أن أوكرانيا حصلت على الصواريخ النوعية من أمريكا إلى جانب أسلحة متطورة أخرى مثل طائرات إف 16. هذه الخطوات الأخيرة كسرت كل قواعد الاشتباك المُتعارف عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبدء ما عُرف بالحرب الباردة وصولا إلى الصراع الحالي بين روسيا والغرب. فمع مرور الوقت يمضي كل طرف في اتجاه التصعيد ولا تبدو في الأفق بوادر تسويات سلمية أو تنازلات أو سلالم تسمح للأطراف المتصارعة بالنزول من على شجرة الصراع والجلوس على طاولة المفاوضات

أما عن الحرب الأخرى التي تشنها كلا من الصين وورسيا لتقليص هيمنة ونفوذ الدولار الأمريكي فهي قضية مشتعلة للغاية وبالتأكيد لن تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج من هذه الحرب ضد أخطر وأقوى أسلحة السيطرة لديها!

 وعلى صعيد الجبهات الداخلية في دول الغرب التي طالما عرفت الهدوء والاستقرار فالأمور ليست أقل توترا، فهناك موجة من الاحتجاجات والتظاهرات تشهدها بعض المدن والعواصم الأوروبية لأسباب مختلفة تتعلق بالغلاء والتضخم وانخفاض القدرة الشرائية ومشاكل في قطاعات التوظيف والصحة والتقاعد، ومعظم هذه القضايا هي انعكاسات وتوابع للحرب والصراع الحالي بين روسيا والغرب.

كل هذه المؤشرات تصب في اتجاه التصعيد وتُنبئ بمزيد من التدهور والاندفاع غير المسئول نحو الحافة. بالتأكيد لا أحد يتمنى فناء العالم، لكن القراءة المدققة للأحداث لا يمكنها استبعاد السيناريوهات المتشائمة، وفي النهاية يجب ألا ننسى أن من يمسكون بدفة وزمام الأمور هم بشر في النهاية تحركهم نوازع وأطماع ومخاوف بشرية بحتة، بالتالي لا يمكن استبعاد قرارات تهورية قد تنجم عن لحظة ضعف أو يأس بشري خصوصا حين يتعلق الأمر بمخاوف "وجودية". ونحن في عصر تكاثرت فيه الأزرار النووية بعد أن كانت حكرا على القوتين العظميين، فهناك زر نووي في الصين وآخر في كوريا الشمالية وزر نووي في إسرائيل وربما تشهد نهاية هذا العام ولادة زر نووي "إيراني"!

لقد أطلقت إسرائيل على مشروعها النووي حين بدأته اسم "ميكرع هاكول" بالعبرية ومعناها "قبل أن يضيع كل شيء" في إشارة إلى أن اسرائيل لن تستخدم هذا السلاح المدمر ضد العرب إلا عندما يُهدد وجودها بالفناء. وبالأمس فقط أعلنت روسيا رسميا أن الولايات المتحدة والغرب يشكلان تهديدا "وجوديا" للبلاد، فهل باتت لحظة الضغط على الزر النووي قريبة؟

في قصيدة فروست التي أشرت إليها في بداية المقال استخدم الشاعر النار كرمز للقوة المدمرة التي قد تُنجم عن النفس البشرية حين تمتلئ بالحقد والكراهية، والجليد كرمز للطبيعة البشرية الباردة الخالية من المشاعر والأحاسيس. لكن البشر تطوروا وطوروا معهم أسلحة الدمار والفناء، وهكذا قد تصدق نبوءة الشاعر ويتحدد مصير العالم بقرار بشري قد ينجم عن مشاعر "نارية" أو "جليدية" لكنه في كل الأحوال سيكون مدمرا بما فيه الكفاية مالم تحصل معجزة ما تتمكن من إذابة بعض طبقات الجليد المشتعل.


March 25, 2023

الاستجابة الألمانية لضحايا الزلازل في تركيا وسوريا.. بين الآمال الزائفة والحقائق المؤلمة

 



أنيس الباشا


لعل من أكبر المآسي التي شهدها العالم مؤخرا هو الكارثة التي حلت بالناس جراء الزلازل المدمرة التي ضربت مناطق متفرقة في جنوب تركيا وشمال سوريا وتجاوزت حصيلتها من القتلى عشرات الآلاف في كلا البلدين بينما يبلغ عدد المتضررون جراء هذه الكارثة بالملايين.

ومهما بلغت بلاغة الكلمات فلا يمكن لها أن تصف مدى بشاعة وقسوة هذه الكوارث وتداعياتها التي قد تستمر لمدة طويلة، وبعد إطلاق نداءات الاستغاثة سارعت الكثير من الدول بتقديم العزاء والمساعدة لتركيا وسوريا لكن المؤسف أن هذه المساعدات لم ترق إلى مستوى الكارثة التي كان يتوجب أن تحظى بدعم واهتمام دوليين على قدر ومستوى الحدث.

وقد استوقفني مؤخرا القرار الذي صدر عن وزارة الداخلية الألمانية حيث تم الإعلان عن إمكانية السماح لذوي المنكوبين من الزلزال أن يستضيفوا مؤقتا أقربائهم وفق "شروط محددة". وبحسب ما ورد عن وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر فأن الحكومة تعتزم السماح لضحايا الزلزال بدخول ألمانيا "بتأشيرات عادية تصدر بسرعة وتكون صالحة لثلاثة أشهر"، حسبما نقلت عنها صحيفة "بيلد آم زونتاغ". وتتيح هذه الآلية المبسّطة للمنكوبين "العثور على مأوى وتلقي علاج طبي" في ألمانيا. وأضافت الوزيرة "إنها مساعدة طارئة...نريد السماح لعائلات تركية وسورية في ألمانيا بأن تأتي بأقربائها من المنطقة المنكوبة من دون بيروقراطية".

وقد جاء هذا القرار استجابة لطلبات ومناشدات تقدم بها بعض أعضاء البرلمان الألماني "البوندستاج" وعدد من الجاليات والمنظمات الإنسانية على رأسها الجالية التركية في ألمانيا.

ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل كما يُقال، وبحكم طبيعة عملي في تقديم الاستشارات والتوجيه للأشخاص ذوي الخلفيات المُهاجرة، توقفت كثيرا عند هذا القرار وحيثياته وآلياته، فمنذ بدأ الحديث عن هذا الموضوع بادر الكثيرون بالفعل إلى طلب المشورة والسؤال بلهفة وأمل عن كيفية مساعدة الأقارب المتضررون هناك. لكن المفاجأة المؤسفة هي أن هذا القرار ظاهره الرحمة وباطنه غير ذلك وهو على أرض الواقع لا يمثل لهؤلاء أي أمل ولا يقدم أي شيء ملموس في هذا الاتجاه!

ودعونا ندقق قليلا في تفاصيل وأبعاد هذا الإجراء، فبحسب ما ورد عن الجهات الألمانية المختصة، يجب أن يوقع من يتقدم بطلب لجلب أقاربه من الدرجتين الأولى والثانية على إقرار بالتكفل بمعيشتهم ونفقاتهم في ألمانيا، وهذا الإقرار بالمناسبة ساري المفعول لمدة خمس سنوات كاملة وهو الأمر الذي لم غفلت عن ذكره كل المواقع الإخبارية التي نشرت هذا الخبر، بالإضافة إلى أن هذا الإقرار لجلب أشخاص آخرين من خارج ألمانيا يمكن دائما عمله ـ تحت شروط معينةـ حتى لو لم تكن هناك كارثة إنسانية متعلقة به. و الشرط الآخر الذي تم ذكره هو أن على القادمين من المناطق المنكوبة التوقيع على تعهد بالعودة إلى ديارهم وعدم طلب اللجوء وكذلك لابد من تقديم جواز سفر ساري المفعول لمن يرغب في الحصول على التأشيرة.

وبالنظر إلى هذه الشروط "التعجيزية" فإن المرء يحق له أن يتساءل عن مدى جدية هذا الإجراء وهل جاء فعلا كاستجابة إنسانية عاجلة لهذه الكارثة؟ أم أن المسألة هي محاولة لإظهار التعاطف والدعم ولو بطريقة شكلية يُدرك صُناع القرار أنه لا يمكن تنفيذها بشكل عملي؟

إن أحد أكبر المعوقات التي يواجهها بلد متقدم صناعيا واقتصاديا مثل ألمانيا هي تفشي البيروقراطية بشكل كبير خصوصا في المؤسسات والدوائر الرسمية والحكومية وهي الحقيقة التي قد تصدم الكثيرين لكنها مسألة يعرفها ويتذمر منها الجميع سواء كانوا من أهل البلد أم من الوافدين عليه. ولأني على صلة مباشرة بهذه التعقيدات البيروقراطية خصوصا من خلال عملي فقد كنت آمل حين سمعت لأول مرة بهذا القرار أن يكون هناك توجه حقيقي لإزالة العقبات البيروقراطية ولو بشكل استثنائي خصوصا أنه وقبل صدور القرار بشكله الحالي كان هناك حديث عن ضرورة وجود حل "سريع" أو كما جاء على لسان متحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية قبل صدور هذا القرار حين أكد أن وزارتي الخارجية والداخلية تتشاوران لإيجاد "حلول غير بيروقراطية قدر الإمكان". لكن قراءة الشروط التي أُرفقت بهذا القرار تؤكد العكس وأن الإجراءات المصاحبة لهذه العملية معقدة كالعادة ولن يتمكن الناس من الاستفادة منها على المدى القريب.

أما بالنسبة للشروط الأخرى، فإن اشتراط التكفل بنفقات وإقامة الأقارب الذين يرغب المرء في دعوتهم للمجيء يُعقد المسألة ويجعلها شبه مستحيلة ، فهناك عشرات الآلاف من المهاجرين الذين يعيشون بالفعل ألمانيا و لم يتمكنوا بعد من الحصول على عمل لأسباب مختلفة يطول شرحها لكن يكفي أن نذكر أن التعقيدات "البيروقراطية" وبطء الاستجابة من السلطات المسئولة أحد أهم هذه الأسباب، وحتى من يعملون ويعيلون أنفسهم فإن التكفل بنفقات الإقامة والعلاج و المعيشة لمن سيستضيفونهم من أقاربهم مسألة صعبة للغاية في بلد مرتفع التكاليف كألمانيا وخصوصا بعد التضخم والغلاء الذي شهدته البلد مؤخرا وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بشكل غير مسبوق!

لو كان الدافع من هذا القرار هو المساعدة في مواجهة هذه الكارثة لما كانت هناك حاجة لإلزام الناس بهذا الشرط التعجيزي، والسلطات في ألمانيا تُدرك جيدا أن تداعيات أزمة كورونا مُضافا إليها حرب أوكرانيا قد عصفت بالاقتصاد و بالمستوى المعيشي لعشرات الملايين من الناس في ألمانيا وتسببت في موجة من التضخم لم تعرفها البلد منذ عقود، ومنذ بداية أزمة كورونا وإلى الآن تم تسجيل افلاس وإغلاق مئات الشركات والمصانع وتضاعفت نسبة البطالة، فكيف يُتوقع بعد كل هذا أن يتمكن المقيمون الذين لديهم أقارب في تركيا أو في سوريا من التكفل بنفقاتهم ولمدة خمس سنوات كاملة؟ وبالنسبة للمتضررين من هذه الكارثة كيف يمكن لهم اثبات القدرة المالية على الإنفاق في الوقت الذي فقدوا فيه أصلا كل شيء!

لو كان الموضوع يتعلق باستجابة "إنسانية" عاجلة لتم على الأقل تعديل مدة الالتزام هذه وجعلها في أضيق الحدود أو حتى حصرها في نطاق رمزي حتى يتمكن الناس بالفعل من الاستفادة من هذا الإجراء وجلب أقاربهم المتضررين من تلك الكارثة إلى ألمانيا. والجزئية الأخرى التي تم اغفالها في هذا الجانب أيضا هي أن التكفل بالنفقات لا ينحصر في أمور العلاج والغذاء فقط بل يتعلق أيضا بالمساحة المخصصة للسكن والقانون الألماني في هذا الشأن صارم حيث يجب أن تكون هناك مساحة كافية "مُحددة بالأمتار" وذلك حسب عدد الأشخاص الذين يتشاركون العيش معا تحت سقف واحد خصوصا أولئك الذين يقطنون في شقق سكنية أو بيوت محدودة المساحة، وهو ما يُشكل عقبة أخرى أمام من يرغبون في الاستفادة من هذا الإجراء.

ثم نأتي إلى موضوع جواز السفر الذي لا يزال يُمثل مشكلة جوهرية في تطبيق هذا الإجراء، فوجود جواز السفر شرط للحصول على تأشيرة، فقد أكد متحدث باسم الخارجية الألمانية على أهمية وجود جواز سفر لدى المتضررين وأن عدم وجود جواز سفر يمثل مشكلة بالتأكيد، وهذا بدوره يعني عبئا إضافيا ومزيدا من التعقيدات لأولئك الذين فقدوا بالفعل مقتنياتهم وأوراقهم ووثائقهم جراء الكارثة.

هناك حاليا في ألمانيا عشرات الآلاف من المهاجرين من بلدان مثل أفغانستان وسوريا والعراق الذين تركوا بلدانهم ولجئوا إلى ألمانيا قبل سنوات قليلة، ولايزال الكثيرون منهم يعانون من أجل موضوع لم الشمل مع عائلاتهم وأقاربهم من الدرجة الأولى بسبب البيروقراطية والتعقيدات القانونية، ويبدو أن الحال لن يختلف كثيرا مع هذه "الاستجابة" الحكومية من جانب الحكومة الألمانية والتي أُريد لها "نظريا" أن تخفف من معاناة الناس المتضررين في تركيا وسوريا لكنها عمليا لا تعني سوى أمل زائف سيتلاشى ويتحطم على صخور البيروقراطية الصماء التي لا تعنيها الكوارث ولا تأبه بالنكبات!

April 17, 2022

! واضربوهن .. كلاكيت ثاني مرة

 

Pic from Pixabay



أنيس الباشا


تصاعد الجدل مؤخرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول مسألة "ضرب" المرأة و انقسمت الآراء بين مؤيد و مدافع عن الموضوع وبين رافض و مُهاجم للفكرة من أساسها..

وبين الطرفين المؤيد و الرافض برز فريق ثالث - ويُشكل أقلية- يحاول أن يتبنى موقفا وسطيا بين الطرفين حيث يحاول "تسويق" الفكرة و لكن من خلال تمريرها على مرشحات و فلاتر لإزالة ما علق بها من مفاهيم صادمة و لمحاولة الحفاظ على قدسية النص و عدم المساس به...

و في هذا المقام  سأُورد باختصار مواقف الأطراف الثلاثة حيال هذه المسألة ثم أطرح استنتاجي الخاص الذي ربما يكون خاطئا أو صائبا لكنه في النهاية وجهة نظر  واجتهاد شخصي غير ملزم لأحد ..

 

بداية فإن مجرد التسليم بصحة المسألة أي إباحة ضرب المرأة بالمفهوم الفعلي الشائع للفعل "ضرب" لأي سبب من الأسباب  هو أمر مرفوض و مستنكر و مستهجن من ناحية انسانية بحتة ولا يقبل به أي شخص عاقل يؤمن بأن الانسان - ذكرا كان أم أنثى- مخلوق له كرامة.. و الضرب مهما كان أسلوبه أو نوعه أو طريقته كما يسوغ بعض الفقهاء لتمريره هو في النهاية فعل يمس و يهين كرامة الإنسان صغيرا كان أم كبيرا..

و الموقف الرافض تماما للمسألة يمكن فهمه إذا نظرنا للموضوع من هذه الزواية لأنه من الصعب جدا خصوصا في هذا العصر المتقدم و المليء بالقوانين و الحريات المدنية أن يتقبل المرء فكرة إعطاء "رخصة" بالضرب تتيح لطرف أن يستخدم "العنف" ضد طرف آخر..

على الناحية الأخرى فإن الفريق المدافع عن الفكرة ينظر للأمر بطريقة "تسليمية" بحتة باعتباره دين.. وأي نقاش أو جدال فيه هو خروج على الملة و المعتقد و كفر بالله و بالأحاديث التي تتناول هذه المسألة..لذا فهذا الفريق لا يناقش ولا يقبل حتى مجرد الجدل حول هذا الموضوع وسهام التكفير او الإتهام بالجهل و الضلال جاهزة و متحفزة للإنطلاق في كل صوب!

أما الفريق الذي يحاول التخفيف من الأمر واتخاذ موقف وسطي فيتمثل في مجموعة من المفكرين "التنويريين" اللذين يجدون أنفسهم  في موقف صعب و حرج، فمن ناحية  يؤمن هذا الفريق ب "قدسية" النص و في نفس الوقت يدرك صعوبة و إشكالية "التطبيق" فيحاول أن يبحث عن مخرج يحفظ له الاثنين أي قدسية النص مع وجود "شكل" من أشكال التطبيق يمتاز بالمرونة و لايبدو "صادما" أو مُستهجنا كما هو الحال في الفعل نفسه "الضرب"..

وربما تجدر الإشارة إلى أن هناك أيضا مجموعة من الناس تجد نفسها في إشكالية حقيقية لأنها مؤمنة تماما بقدسية النص والتفاسير التراثية له ولا تشعر بميل أو تقبل للفكر "الحداثي"، لكن في نفس الوقت يشعر هؤلاء في قرارة أنفسهم بأن شيئا ما ليس على "مايرام" من ناحية "التطبيق" وهذه الفئة لا تستطيع - أو بالأحرى لا تجرؤ- على تقديم تفسير مختلف عما جاء في كتب الفقه يساعد على إزالة هذا الإشكال وهي أيضا لا تميل للتفسيرات الحديثة كما قلنا.. لذلك و بسبب الإيمان المطلق لدى هذه الفئة بالنص و بالعقيدة فهي تقبل الفكرة حتى إن كانت هناك  بعض "التحفظات" الداخلية عليها حيث يتم وأد هذه التحفظات سريعا بسبب الخوف و الرهبة و الخشية من الخروج من "الملة" و التشكيك في العقيدة ذاتها ومن ثم استحقاق غضب الخالق..! وبالمناسبة هناك أشخاص من هذه الفئة من الناس ينتهي بهم المطاف أحيانا إلى رفض المنظومة الدينية ككل و الخروج منها بشكل متطرف و عنيف و ربما إلى النقيض تماما..!

والآن بعد ان استعرضنا مواقف الأطراف المختلفة حيال هذه القضية.. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو أي من وجهات النظر هذه يمكن أن تقدم الحل لهذه المعضلة؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال لابد- من وجهة نظري-  أن نولي انتباها لنقطتين أساسيتين:

أولا: القرآن الكريم هو هنا محور القضية لأن مسألة "ضرب" الزوجة ذكرت فيه بشكل واضح لذلك سواء كان الشخص مؤمنا بقدسية القرآن أو متشككا فيه، وبغض النظر عن خلفيته الفكرية، فمن أجل دراسة الموضوع بتجرد و بموضوعية يجب أن يكون محور القياس و المعايرة هو اللغة العربية و ذلك لأنها اللغة التي كُتب بها هذا الكتاب..

ثانيا: اجتهادات و تأويلات السابقين و اللاحقين و كل ما يلحق بها من تفسيرات و مرويات غير مُلزمة و لا يؤخذ بها إلا على سبيل الاستئناس ، و لسنا هنا في صدد الحكم على النوايا و المقاصد وراء كل اجتهاد..

فإذا ما طبقنا هاتين النقطتين و شرعنا في دراسة و تحليل النص القرآني الذي وردت فيه قضية الضرب فإننا سنتوصل إلى الملاحظات التالية:

سورة النساء يغلب عليها الحديث في أمور و شئون "مالية" وهذا مُلاحظ منذ بداية السورة حيث تتحدث الآية الثانية مباشرة في السورة عن أموال اليتامى ثم يتوالى الحديث عن مهر الزواج وعدم اعطاء الأموال للسفهاء، ثم تتطرق السورة لموضوع "الوصية" و تقسيم الإرث بالتفصيل في كذا آية..

وقبل تناول الآية التي تتحدث عن ضرب الزوجة يجب التوقف "سياقيا" عند الآيات السابقة لها مباشرة مثل الآية رقم 32:

((وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا))

فالآية -بوضوح- تتحدث عن النصيب المكتسب في الدنيا "الأرزاق و الأموال" لدى الرجال و النساء وهذا يقودنا مرة أخرى إلى مسألة  "الأمور المالية"..

 ثم تأتي الآية رقم 34 وهي محل النقاش:

((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا))

أول نقطة يجب الالتفات لها في الآية أعلاه هي المفردات "أنفقوا" و "من أموالهم" مما يؤكد ما سبق الإشارة إليه من أن الموضوع يتعلق بنواحي "مالية"..

والآن لو سرنا مع التيار الذي يفترض أن العقوبات المذكورة هنا سببها "نشوز" الزوجة بمعنى دخولها في علاقات غير مشروعة وتصرفات "مائعة" أغضبت الزوج فإن السؤال المنطقي هنا هو كيف يعقل ان تكون أول "وسيلة" يوصى بها الزوج -سواء كان شرقيا حار الطباع أم غربيا بارد المشاعر- جراء مثل هذا التصرف بأن "يعظ" زوجته؟

حتى في الغرب الذي يوصم من قبل المتدينين بأنه "منحل" و فاسد فإن  الخيانة والعلاقات خارج إطار الزواج غير مقبولة في هذه المجتمعات و يمكن حينها أن تستخدم - اذا تم اثباتها- كمبرر لفسخ الزواج و التنصل رسميا من تبعات المسؤلية المالية فيما يتعلق بتقسيم ثروة الزوجين!

ثم كيف يستقيم هذا المنطق.. زوجة تنشز و تخون زوجها و "عينها على غيره" كما جاء في التفاسير التراثية فتكون وسائل مواجهة هذا التصرف هو – بعد الوعظ - بهجرها في فراش الزوجية! وهل هذا عقاب للزوجة أم للزوج نفسه في هذه الحالة؟

و التساؤل ذاته قائم سواء على من حاولوا تخفيف الأمر من الناحية الجنسية وحصره في العصيان والبغض للزوج وعدم "طاعة" أوامره.. أو أولئك اللذين اعتبروا النشوز هنا هو الامتناع عن معاشرة الزوج، فإذا كان الوعظ و الهجر لم يجدي في هذه الحالة فهل سيأتي "الضرب" بنتيجة أفضل و سيجعل الزوجة حينها تشعر بالود حيال "ضاربها" فتطيعه و تعطيه حقوقه الزوجية بكل أريحية؟

و هناك تساؤل منطقي آخر وهو أن "النشوز" ذُكر مرة أخرى في نفس السورة لكنه في المرة الثانية نُسب إلى الزوج:

((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)) النساء 128

فهل نشوز الزوج هو نفس نشوز الزوجة؟ و إذا كان نفسه فلماذا إذن اختلفت وسائل معالجة الموضوع في الحالتين؟ وهل إذا كان نشوزا "جنسيا" و علاقات غير شرعية خارج الزواج فإن الحل هنا هو "الصلح"؟؟

فإذا عدنا إلى اللغة التي هي محك المعايرة لوجدنا أن من معاني "النشوز" العلو أو البروز أو الارتفاع و التعالي، ونشز الشيء أي ارتفع، و أنشزت الشيء أي رفعته عن مكانه، كما يُقال أيضا فلانٌ "ناشز" الجبهة أي مرتفعها.. في مكان نشاز أي في مكان "مرتفع"..

إذن يمكن القول أن نشوز الزوجة هنا هو تعاملها بتعالي و "فوقية" مع زوجها وهذا التعامل "نشاز" خارج عن سياقه ومساره الصحيح حيث يفترض أن تكون هناك "ندية" و محبة و احترام بين طرفي العلاقة الزوجية فلا يتعالى طرف على آخر، لكن التعالي قد يحدث حين يمتلك أحد الطرفين الغلبة المالية "القوامة" كما جاء في نفس الآية التي تحدثت عن القوامة والتفضيل بالمال بين الجنسين الرجال والنساء ، فإذا ماكانت مكانة الزوجة المادية أقوى و تعاملت مع زوجها ب "نشوز" أي بتعالي و تجبر نتيجة هذه المكانة فيمكن للزوج حينها أن "يعظها" و يذكرها بالاحترام و الندية التي تفرضها العلاقة الزوجية بينهما بغض النظرعن المكانة المالية التي يتمتع بها أحدهما، فإن استمرت في "نشوزها" أي في تعاليها وعلوها عليه فله أن يهجرها في فراش الزوجية علها تعود إلى صوابها وتترك هذا التعالي و النشوز من جانبها.. 

و الطريف في الأمر أن قوانين الزواج الحالية في بلد أوروبي متقدم مثل ألمانيا تطبق هذا الأسلوب! فحين تتفاقم المشاكل بين الزوجين ويلجأ أحدهما أو كلاهما إلى القضاء من أجل طلب الانفصال والطلاق فإن القاضي حينها يقوم بإعطاء الاثنين مهلة "سنة" يكون عليهما العيش بشكل منفصل خلال هذه المدة ( وإن تعذر أن يقيم الاثنان بشكل منفصل لأسباب مادية فيمكنهما أن يتشاركا العيش في نفس المنزل بشرط ألا يناما في نفس الغرفة!) وهذا بشكل او باخر تطبيق لتوصية "واهجروهن في المضاجع".. وبعد هذه السنة إذا ما أصر الطرفان على المضي قدما في اجراءات الطلاق يكون لهما هذا..

أما الطريقة الثالثة التي وردت في الآية بعد الهجر في المضاجع وهي "الضرب" فلا علاقة لها أيضا بالضرب المتعارف عليه فيزيائيا لأن هذا الفهم لا يستقيم مع المنطق الإنساني السليم ولا ينسجم أيضا مع إطار العلاقة الزوجية التي بنيت على "ميثاق غليظ" و قوامها "المودة" و "الرحمة" كما جاء في القرآن..


إذن ما المقصود ب "الضرب" هنا؟ هذا ما يمكن أن يكون موضوع مقال آخر بإذن الله و الله تعالى أعلم..



April 13, 2022

!.... حروبهم و... حروبنا

 

أنيس الباشا

لا صوت يعلو هذه الأيام على صوت الحرب الحاصلة في أوكرانيا، ومن الطبيعي أن يستحوذ هذا الحدث على اهتمام ومتابعة من قبل الجميع لأن الكل – بشكل أو بآخر – سواء على مستوى الأفراد أو الدول تأثر ويتأثر بتداعيات هذه الحرب سواء كنا نتحدث عن دول أومجتمعات في أقصى الشرق أو الغرب..

بداية قبل أن أتحدث في موضوع هذا المقال أود أن أؤكد بوضوح أنني كانسان وكفرد ضد فكرة الحرب بذاتها بغض النظر عمن يشنها وبغض النظر أيضا عن الأسباب والمبررات والدوافع التي قد تجادل وتحاجج بها الأطراف المتحاربة.. أنا شخصيا أنتمي لبلد دمرته – ولا زالت تدمره – حرب تسببت في مقتل ما يقرب من الأربعمائة ألف من ابنائه بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال وهو رقم مهول للغاية ويجعل الحديث عن أي مبررات أو تبريرات للحروب و النزاعات المسلحة في قمة السخافة و النذالة أيضا!

كان لا بد لي من هذا التوضيح لأن ما يجري في أوكرانيا قسم العالم إلى قسمين: مع وضد! وكل طرف يسوق حججه - و ربما أكاذيبه أيضا، وحتى مع تقدم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي العابر للحدود والقارات فإن حجم التضليل والتزييف لا يزال كبيرا ويلعب دورا في غسل الأدمغة والتأليب والتوجيه في اتجاهات معينة ولأغراض مختلفة، و كما تقول الحكمة المشهورة " الحقيقة هي أول ضحايا الحرب" لذا فإن ما دفعني لكتابة هذا المقال ليس الرغبة في أن أكون "مع" أو "ضد" ، لكن من خلال متابعتي للأحداث و لمجريات هذه الحرب تولدت عندي ملاحظات و انطباعات معينة ووجدت نفسي لاشعوريا أقارن بين هذه الحرب وبين الحروب التي تشهدها منطقتنا العربية وخصوصا الحرب العبثية التي تدور رحاها في اليمن، وهي ملاحظات بعيدة كل البعد عن محاولة لوم طرف أو تبرير لآخر، فكل شخص بإمكانه أن يتابع مجريات الأحداث و أن يطلع على حقائق التاريخ والجغرافيا و من ثم يستخلص و يكون رأيه الخاص أو حتى يتبنى آراء مسبقة وضعها غيره..!

 

وضوح الأهداف

منذ حتى قبل بدء الهجوم الروسي وإلى ما بعد دخول القوات الروسية إلى أوكرانيا كانت القيادة الروسية واضحة في تحديد أهداف تحركها العسكري ( سواء اختلفنا أو اتفقنا مع هذه الأهداف من ناحية سياسية أو انسانية)..

فروسيا ترى – وهذا الموقف أعلنته بوضوح منذ سنوات - في انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو تهديدا لأمنها القومي و أعلنت انها لن تسمح بذلك وأنها ستقوم أيضا بضمان حماية القوميات الروسية الموجودة في شرق البلاد.. هكذا بوضوح و بدون عبارات انشائية أو عنتريات شعرية.. أقول هذا وأنا أتذكر التصريحات السعودية و الخليجية أثناء وبعد الحرب التي شنوها ضد اليمن! وهي عبارة عن عبارات و شعارات انشائية مطاطة خالية من أي مضمون أو أبعاد أو أهداف إستراتيجية.. فعبارات مثل "كسر يد إيران في المنطقة" أو "إعادة السلطة الشرعية المُنتخبة" أو "تحرير اليمن و اليمنيين من المد المجوسي الفارسي...الخ"، بل أن أسماء العمليات العسكرية لم تخل أيضا من الركاكة اللغوية على غرار "عاصفة الحزم" أو "إعادة الأمل" وغيرها..

و كل هذا كلام فارغ لا معنى له من الناحية العملية وربما كان مناسبا لجلسات شعرية أو مسابقات أدبية من الدرجة الثالثة لكن على أرض الواقع يجب أن تكون الأهداف الإستراتيجية للحرب واضحة و محددة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المقولة الشهيرة للمفكر كارل كلاوفيتز بأن الحرب هي " إمتداد للسياسة و لكن بطريقة أخرى.." 

 لكن بالنسبة لحرب اليمن فلم يكن هناك "سياسة" واضحة ولا أهداف منطقية لدى أولئك الذين اتخذوا قرار الحرب..! وتكفي مجرد الإشارة إلى التصريحات المبالغ فيها من قبل الدول التي شنت الحرب ضد اليمن وبأن الأمر لن يستغرق سوى أيام أو أسابيع لحسم الأمر و السيطرة على اليمن و ظل إعلامهم يردد هذه السيمفونية ( بطرق شعرية بحتة تضمنت القصائد و النثر المسجوع) حتى دخلت الحرب عامها الثامن و الأهداف التي تحققت هي تدمير اليمن و القضاء على بنيته التحتية المتواضعة وقتل مئات الآلاف من أبنائه وتجويع البقية بينما تتعرض السعودية والامارات للضربات المضادة من الجانب اليمني والتي تطال مدنهم و منشآتهم الحيوية!

 بالتالي يمكن لأي متابع مُطلع على مجريات الأحداث أن يخرج بنتيجة مفادها أن الحرب في اليمن لم يكن لها أي أهداف أو منظور إستراتيجي قريب أو بعيد المدى، وأن ما جرى لم يكن إلا أوهام متغطرسة لمجموعة من الأشخاص امتلكوا مقادير الحكم في بلدانهم و امتلأت أنفسهم بمزيج من عقد النقص و جنون العظمة و الرغبة في التدمير و استعراض العضلات إلى جانب رغبات انتهازية "لصوصية" بحتة تجلت بوضوح حين لم تسلم حتى "الأشجار"اليمنية من النهب و السلب!

 

حجم الدمار

لو سلمنا جدلا بصحة التقارير الغربية و نحينا جانبا ما يصدر في المقابل من الجانب الروسي حول بنك الأهداف و حجم الدمار و الاستهداف و قارنا هذا بأول سنة فقط من حرب اليمن لخرجنا بالحقائق التالية..

 رغم امتلاك روسيا لترسانة حديثة وهائلة من الأسلحة التي كان بإمكانها أن تدك أوكرانيا دكا إلا أن معظم الاستهداف و التدمير كان ضد مقار و أهداف عسكرية يتم الاعلان عنها من قبل الجانب الروسي و لا ينكرها حتى الجانب الغربي -الأوكراني.. فلم يحدث حتى الآن أن تم قصف مستشفيات أو سيارات اسعاف أو مدارس أو دور عبادة أو صالات للمناسبات الاجتماعية بشكل متعمد و متكرر مثلما حصل ويحصل في اليمن و كانت نتيجة ذلك سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين بينهم نساء وأطفال ..

حتى الأماكن التاريخية و الأثرية في اليمن لم تسلم من القصف الهمجي و التدمير بلا أي مبرر أو مغزى مما يثير التساؤلات عن الجدوى من القيام بذلك إلا لمجرد الرغبة في التدمير و الانتقام حتى من الإرث الحضاري و الإنساني (وهذا يؤكد و يعيدنا مجددا لمسألة عدم وجود أهداف استراتيجية واضحة!)

 

المسئولية

كان من اللافت جدا أن الأطراف المتحاربة في أوكرانيا أبدت رغبة حقيقية في الجلوس و التفاوض منذ الأيام الأولى للحرب وقد عقدت بالفعل عدة جلسات بين الجانبين الروسي و الاوكراني في دول مختلفة.. وكان هناك وضوح في تحديد المسؤلية فلم نسمع أن روسيا مثلا تهربت من التفاوض وطلبت بدلا من ذلك أن يجلس "الفرقاء" الأوكرانيون مع بعض ليتحاوروا بينما ترعى هي الحوار بصفتها "الشقيقة" الكبرى للجميع مثلما تفعل السعودية! و يرى بعض الخبراء أن أحد الأسباب وراء  الانسحاب الروسي من مناطق واسعة في أوكرانيا هو رغبة الجانب الروسي في عدم تحمل المسؤولية القانونية و الإدارية لهذه المناطق حيث تدرك روسيا أنها- لو بقت- فستكون مسئولة عن كل شيء يخص المواطنين هناك بصفتها سلطة احتلال.. قارن هذا مع مواقف السعودية والإمارات اللتين تسيطران على المناطق الجنوبية في اليمن أعلنوا انها "محررة" ومع ذلك لم تقم أيا من هاتين الدولتين بتحمل المسؤلية الإدارية والأمنية و الخدماتية لهذه المناطق التي تشهد فوضى وقلاقل أمنية و انعدام لأبسط مقومات الحياة و الخدمات المعيشية..!

بالإضافة إلى ذلك ترفض السعودية الإقرار وتحمل مسئوليتها وتصر حتى اليوم على أنها ليست طرفا في هذه الحرب..! و كأن جزر المالديف أو كولومبيا هي من يشن الحرب في اليمن وتقصف طائراتها كل شبر في البلد منذ ثمان سنوات! كما ترفض السعودية المشاركة في أي جلسات تفاوضية من أجل الوصول إلى تسوية أو مخرج لإنهاء الحرب.. كما ترفض أيضا بشدة الإقرار بتحمل المسؤلية عن تبعات الحرب أو حتى جزء منها (فيما يتعلق بالتعويضات وإعادة الإعمار)..

 

ختاما.. لا جدال أن الحرب شيء بشع و مُدمر و أنها وبال على رؤوس الجميع.. ولكن حتى في هذه المسألة لا تستوي الحروب فهناك فروق وشتان بين حرب و حرب.. و يكفي النظر إلى الحرب الدائرة في أوروبا الآن والحرب الجارية في بلدان عربية  كاليمن و العراق و سوريا و ليبيا لمعرفة الفرق بين حروبهم و .. حروبنا!

June 19, 2021

! مادام بتلقط ... خليها

 

Pic from Pexels





أنيس الباشا


في أحد المشاهد الطريفة للمسرحية الشهيرة "أهلا يا دكتور" التي عرضت في الثمانينات من القرن الماضي يقوم سمير غانم -رحمه الله- الذي يؤدي دور الطبيب بالكشف على مريض عجوز يعاني من عدة أمراض، وبينما يفحص الطبيب عيني المريض ينظر إليه ويسأله باستغراب "بتشوف بيها إزاي دي يا حسنين؟" وقبل أن يأتيه الرد يتابع الطبيب السؤال "ماشية مع حضرتك؟" وعندما يومئ المريض برأسه إيجابا يربت سمير غانم الذي يؤدي دور الطبيب على كتف المريض ويتابع "خلاص ما دام بتلقط ..خليها!"

هذا المشهد على طرافته وبالذات جملة "مادام بتلقط خليها" يمكن أن يلخص حال المعالجات الطبية في بلد متقدم مثل ألمانيا بالنسبة لمن يملكون تأمينا صحيا عاما أو ما يُعرف باسم "التأمين الصحي القانوني".. وبالتأكيد سوف يستغرب الكثيرون - بالذات في العالم العربي - من هذا الكلام لأن أغلب الناس هناك تعتقد أن أنظمة التأمين الصحي في دول  أوروبا المتقدمة تدلل الناس و توفر لهم أفضل الرعاية والمعالجة الطبية لمجرد أن أحدهم أصيب بإمساك أو دخل في نوبة عطس..!

وقبل أن أوضح علاقة ذلك المشهد بمسألة التأمين و الرعاية الطبية هنا لا بد أن أتحدث بشكل سريع عن التأمي الصحي وأنواعه في ألمانيا. بداية فإن القانون الألماني يلزم أن يكون لدى كل انسان مقيم على الأراض الألمانية تأمين صحي. وتتكفل الدولة بتغطية نفقات التأمين لمن لا يقدر على دفعها، يعني أنه لا يوجد شخص يعيش في ألمانيا ليس لديه تأمين صحي يغطيه في حال الاحتياج. و بشكل عام ينقسم التأمين الصحي في ألمانيا إلى نوعين: التأمين الصحي القانوني و التأمين الصحي الخاص.

في التأمين الصحي القانوني (العام) يتم تحديد الرسوم طبقًا لمستوى دخل الفرد، وأساس المحاسبة هو إجمالي الدخل حيثُ تُقتطع منه نسبةٌ ثابتة هي 14,6 بالمائة (من الراتب أو الدخل الشهري) كما يمكن من خلال هذا التأمين ضم الأطفال و الأزواج مجانا.

أما التأمين الصحي الخاص فهو مُتاح لفئات معينة مثل الأجانب و الموظفين الذين تزيد دخولهم الإجمالية عن حد التأمين الإلزامي أو رجال الأعمال أو موظفي القطاع العام (حيث تُعد هذه إحدى مزايا العمل في القطاع الحكومي). الخدمات التي يحصل عليها أصحاب هذا النوع من التأمين لا تخضع للقواعد الحكومية، وتتفوق على التأمين الصحي العام بأنها أكثر وأشمل من حيث التجهيز.

 بقى أن أضيف معلومة صغيرة مهمة هي أن أغلب الناس في ألمانيا لديها تأمين صحي عام ونسبة قليلة تتمتع بالتأمين الخاص. وبلغة الأرقام، فبحسب إحدى الاحصائيات في 2017 فإن حوالي 8.78 مليون شخص في ألمانيا كان لديهم تأمين خاص وهو ما يشكل 11% من مجموع عدد السكان (عدد سكان ألمانيا 82 مليون نسمة) وفي المقابل فإن ما يقرب من 73 مليون شخص يعيش في ألمانيا (بنسبة 89 %) لديهم تأمين صحي عام. أي أن فئة قليلة جدا من الناس تتمتع بمزايا التأمين الصحي الخاص والأغلبية يحصلون على تأمين عام.

والآن بعد أن تحدثنا عن التأمين الصحي وأنواعه في ألمانيا نعود لموضوع المعالجة نفسها التي أشرت إليها في بداية المقال، فحين يشكو الشخص من مشكلة مرضية فإنه يذهب أولا إلى طبيبه العام أو ما يسمى بالألمانية   Hausarztوهذا بدوره يقرر بعد الفحص الأولي الذي يجريه للمريض ما اذا كان بإمكانه معالجة الحالة أو اذا كان من الأفضل أن يحيل المريض إلى طبيب مختص، فمثلا عندما يتعلق الأمر بأعراض روتينية أو بسيطة يقوم الطبيب العام بمعالجة الحالة بنفسه وربما يصف بعض الأدوية عند الضرورة ( لا يميل الأطباء هنا في العادة إلى صرف أدوية على الفاضي والمليان ) ، أما لو كانت الحالة معقدة أو تحتاج لتخصص معين مثلا لو كان الأمر يتعلق بمشاكل في العظام أو القلب أو غيرها فحينها يقوم الطبيب العام باحالة المريض إلى مختص عظام أو أمراض قلب أو جلد وهكذا ، والخيار يُترك للمريض في أن يختار الطبيب المختص الذي يريده وبامكانه أيضا ان يطلب من طبيبه العام أن يرشح له بعض الأسماء.. ويمكن للشخص الذي يعاني من مشكلة صحية معينة أن يذهب مباشرة إلى الطبيب المختص دون المرور على طبيبه العام ، مثل أن يكون لديه مشكلة في عينيه أو في الأسنان أو الجلد ، فحينها يمكنه الذهاب إلى الطبيب المختص بهذا الفرع من الأمراض مباشرة .. وفي كل الأحوال سواء اكتفى المريض بزيارة طبيبه العام أو طبيب مختص يقوم التأمين العام بتغطية كل النفقات المطلوبة..

 لكن الذي يحدث في كل هذه الحالات ، يعني سواء زار المرء طبيبه العام أو تمت احالته إلى طبيب مختص في فرع معين من فروع الطب أو ذهب هو بنفسه إلى الطبيب المختص مباشرة فإن مسألة التعاطي مع المرض أو الشكوى وايجاد علاج أو حل لها يعتمد على الحالة نفسها وينطبق عليها مبدأ "مادام بتلقط ...خليها".. بمعنى أنه حين يشكو شخص ما من أن لديه ضعف في إحدى ساقيه، حينها سيقوم الطبيب العام بفحصه واذا وجد أن الحالة ليست مستعصية أو متردية ولا تشكل عبء أو عائق حقيقي أمام الشخص لممارسة حياته فإنه قد ينصح المريض بممارسة بعض التمارين أو ربما يحيله إلى نادي صحي للمشاركة في بعض الجلسات العلاجية ، أي أن الطبيب العام قد يجد أن الموضوع لا يحتاج إلى الإحالة أصلا إلى طبيب مختص..يعني ما دام بتمشي خليها !

 وليس الأمر كما قد يتصور البعض بأنه مجرد أن يستيقظ أحدهم ويكتشف أن لديه صداع أو فقدان شهية أو تنميل في إحدى ساقيه ويقرر الذهاب إلى الطبيب فإن الدنيا حينها ستقوم ولن تقعد وسيتم ادخال المريض المستشفى على الفور واستدعاء أكبر وأمهر أطباء البلاد لإجراء عدد من الفحوصات المعقدة أو إجراء عملية جراحية ، وربما يقوم وزير الصحة شخصيا بزيارة المريض والإطمئنان عليه فيما بعد..!

 لا.. ليس الأمر كذلك على الإطلاق إنما يُقدر الأمر بقدره وظروفه وفي أغلب الأحوال يتم تسوية المسألة في عيادة الطبيب العام نفسه..

 ولكن إذا كان هناك فعلا ما يدعو إلى القلق أو كان هناك شيء يهدد حياة المريض أو يؤثر بشكل واضح على ممارسته لحياته الطبيعية فحينها يتم اتخاذ كل الاجراءات اللازمة و تكون هناك اختبارات وفحوصات وإحالات ومراجعات وربما حتى إجراء عملية جراحة إن تطلب الأمر إلى أن يتم التأكد أن كل شيء على ما يرام..وفي كل هذه المراحل يقوم التأمين العام بتغطية كل النفقات ولا يدفع المريض إلا رسوما رمزية أحيانا خصوصا فيما يتعلق بالأدوية..

 أما لو كان الشخص مليونيرا فإن الوضع يختلف بالطبع ، فبإمكانه بالتأكيد في أي وقت يشعر فيه بصداع خفيف أو فقدان للشهية أو ألم في أصبع قدمه الكبير أن يحجز في أفخم المستشفيات الفندقية وأن يحصل على أفضل أنواع الرعاية والعلاج و المتابعة و طبعا كله بحسابه!

 و كما ذكرت .. فمالم يكن هناك تهديد حقيقي لصحة المريض أو لم يكن المريض مليونيرا فإن القاعدة التي تسري في موضوع الرعاية والعلاج لأغلبية الناس حتى في بلد متقدم مثل ألمانيا يمكن تلخيصها في ذلك المشهد وفي تلك الجملة تحديدا.. "ما دام بتلقط .. خليها"!