Pages

October 20, 2016

!...ملك البطاطا

رشا المقالح


يعتبر شهر أكتوبر موسما للحصاد عند الألمان وتكثر فيه الاحتفالات الخاصة بالخضروات والمحاصيل، لذا عندما دخلنا إلى المركز التجاري الكبير في المدينة لاحظنا وجود "قطع زراعية" على أرضية  المركزحيث تم وضع فزاعات عليها ، و نشر سلال وصناديق تحتوي على بعض المحاصيل الزراعية مثل القرع والبطاطا  في إشارة إلى الموسم الحالي الخاص بالحصاد.





والبطاطا في ألمانيا من أهم المحاصيل إذ لا يكاد يخلو بيت منها وكم من مرة يخبرك جارك إذا التقيت به صدفة في الشارع أنه ذاهب إلى السوبر ماركت لشراء "بطاطا" ..يقولها بنفس النبرة واللهفة التي نتكلم بها نحن على اللحوم والدواجن..!

بالنسبة لنا فقد تربينا ونشأنا في اليمن ونحن نعرف أن البطاطا عبارة عن نوع واحد، يختلف فقط سعرها بحسب المواسم والكميات ومزاج البائعين أو رغبتهم في الاحتكار.. أما هنا في ألمانيا فحين تدخل السوبر ماركت تفاجأ
بأن البطاطا لها عادة قسم كامل خاص بها أو عدة رفوف تتراص عليها أنواع مختلفة من البطاطا! وطبعا احتاج الأمر إلى سؤال الألمان الذين شرحوا لنا أن هناك بطاطا سريعة الطبخ وأخرى هشة وثالثة قاسية و...و... وهناك البطاطا "الحيوية" أي التي انتجت بطرق طبيعية بدون أي أسمدة كيماوية أو صناعية، الخلاصة أنك كي تشتري بطاطا في ألمانيا تحتاج إلى أن تصطحب معك أحد الخبراء أو ربما تقضي بعض الوقت في تعلم أنواع البطاطا والفروقات بين كل نوع وآخر، أو إذا كنت لا تملك الوقت والمزاج الرائق لهذا فاختر كل مرة نوع وجرب أن تعرف الفرق بنفسك وأنت وحظك!





و في منتصف هذا الشهر دعتنا روضة الاطفال التي يرتادها طفلنا إلى حضور ما اسموه ب "مهرجان البطاطا"..! و عندما استفسرنا عنه أخبرونا أنه عبارة عن احتفال بمناسبة موسم الحصاد و أنه سيقام في الهواء الطلق في حديقة الروضة ، كما طلبوا منا أن نحضر معنا حبة بطاطا كبيرة  للدخول في المنافسة على لقب المهرجان، حيث أن الطفل الذي سيحضر أكبر قطعة بطاطا سيفوز بلقب "ملك البطاطا"..! 

وهكذا ذهبنا في يوم المهرجان الساعة الرابعة عصرا ومعنا حبة بطاطا كبيرة اخترناها بعناية، ثم بدأ الاحتفال بالوقوف في دائرة حول موقد مليء بالفحم المشتعل مع ترديد أغنية خاصة بموسم الحصاد ، و قام الأطفال بالرقص ، كل طفل يمسك بيد طفل آخر و يقفز مع ترديد كلمات الأغنية.


بعدها وقفنا في طابور، كل طفل مع والديه،  أمام "لجنة" وزن البطاطا، حيث تم وزن كل حبة بطاطا و تسجيل اسم صاحبها و اعطائه ما يشبه الميدالية مكتوبا عليها وزن بطاطته ليحتفظ بها حتى لحظة إعلان النتيجة في نهاية الاحتفال.


ثم انطلق الأطفال بعدها في اللعب حيث تم تجهيز بعض الألعاب المرتبطة بالبطاطا مثل القفز بشوال البطاطا، و الجري بملعقة بها بطاطا و القفز عبر الحواجز دون الإيقاع بها!!

  و بالتأكيد كان لا بد أن يكون "شي الخبز" من الفعاليات الأساسية في هذا المهرجان، فلا يمكن أن يخلو منه أي احتفال يقام في الهواء الطلق في ألمانيا.   حيث يتم لف قطعة من العجين حول طرف عصا خشبية ثم يتم تسويتها بتعريضها مباشرة لنار منبعثة من جمرات مشتعلة في موقد، وعندما ينضج الخبز يكون مقرمشا من الخارج و لينا بعض الشيء من الداخل، و يتم أكله مباشرة من العصا، و لاحظت أن الألمان يستمتعون بشدة بهذا الأمر! 

أما الأطفال فرغم برودة الجو إلا أنهم انطلقوا في اللعب والمرح وهم سعداء بهذا الوقت الاضافي الذي مُنح لهم كي يلعبوا ويستمتعوا في وجود آبائهم وأمهاتهم..




أما أجمل ما في الاحتفال فهو أطباق البطاطا التي تم تقديمها: شوربة البطاطا و حلقات البطاطا! فقد تم سلق كميات كبيرة من البطاطا وتم اعداد أطباق متنوعة قوامها البطاطا، فكانت هناك مائدة يمكن لمن يقف عندها ان يحصل على طبق شوربة البطاطا وبإمكانه أن يختار إما شوربة البطاطا مع قطع النقانق أو بدونها وكذلك الحال عند المائدة الاخرى التي يمكنك الحصول منها على طبق بطاطا مقلية مع قطع اللحم المفروم أو بدون.. وهكذا وبسبب هذه الخيارات المنفتحة التي تراعي خلفيات الناس فقد تمكنا من تذوق أطباق البطاطا بدون اللحم والتي كانت لذيذة بالفعل وتستحق أن يقام لها مثل هذا الاحتفال..!




و في نهاية المهرجان تجمع الأهالي مع أطفالهم لسماع النتيجة، و قام المشرفون بوضع منصة للفائزين و هي عبارة عن جذوع أشجار، و لسوء الحظ لم تفز بطاطتنا فقد كان وزنها ثلاثمائة و سبعة جرام فقط أما لقب "ملك البطاطا" فقد استحقه عن جدارة طفل كان وزن بطاطته يفوق السبعمائة جرام! ولا زلنا لا ندري من أين حصل ذلك الطفل على بطاطا بحجم بطيخة حيث أن البطاطا التي احضرناها كانت أكبر ما وجدناه في السوق! أما المركز الثاني فكان لطفل وزن بطاطته خمسمائة جرام والمركز الثالث لطفل وزن بطاطته أربعمائة جرام.. وهذه الأوزان المرعبة لحبات البطاطا تدل دلالة قطعية على أن البطاطا في ألمانيا متميزة ولها مكانة خاصة و ليست مثل البطاطا البائسة التي نعرفها في بلادنا ولذلك استحقت البطاطا الألمانية عن جدارة أن يقام لها مثل هذه الاحتفالات ! و الطريف أنه تم توزيع ثلاث ميداليات على الفائزين، و لكنها ميداليات مصنوعة من الورق المقوى و لها شكل البطاطا.. 



كانت الفعالية جميلة ومنظمة كعادة الألمان، والفكرة رغم بساطتها الا انها مهمة إذ من خلال هكذا فعاليات يتم تعريف الأطفال بأهمية هذه المحاصيل التي يأكلونها بطريقة جذابة وممتعة فقد اجتمعوا ولعبوا وأكلوا وتنافسوا..
و على الرغم من أن طفلنا لم يحصل على لقب "ملك البطاطا" و لم يحصل على الميدالية الفضية ولا البرونزية، إلا أننا تقبلنا الأمر بروح رياضية عالية، فالمهم هو المشاركة بحد ذاتها ومن يدري..لعل الحظ يحالفنا ونفوز في مسابقات قادمة مماثلة يكون فيها ابننا ملك الطماطم أو ملك الجزر أو الفاصوليا! لم لا؟ ففي ألمانيا كل شيء ممكن...المهم أن نعثر حينها على حبة فاصوليا بحجم برتقالة وعندها يغدو الفوز مضمونا..

October 18, 2016

سايكو يمني 2 – عقدة الأجنبي

أنيس الباشا



دائما أتساءل.. لماذا يشعر كثير من اليمنيين دائما بالانبهار والاعجاب مع شعور خفي من الدونية وتصغير الذات عند تعاملهم مع كل من هو أجنبي حتى لو كان من بلد عربي آخر له كل عيوب وسيئات أي بلد عربي..ولماذا أيضا يُظهر اليمنيون اهتماما زائدا بما يحصل لغيرهم وبطريقة أكبر من اهتمامهم بما يحصل لهم؟ بالتأكيد هناك أسباب ودوافع لهذه المشاعر والتصرفات الإرادية واللا إرادية..


منذ عقود ونحن كيمنيين متعودون على سماع ومتابعة الاغاني العربية خصوصا المصرية والشامية ومع نهاية التسعينات وتنوع الفضائيات انتشرت ايضا الاغاني الغربية خصوصا بين فئات الشباب، وقل نفس الشيء عن المسلسلات والأفلام التي تتجمع الاسرة لمشاهدتها سواء منذ وقت ما قبل الفضائيات على شاشة التلفزيون ذي القناة الواحدة ،او حديثا عبر عشرات ومئات القنوات الفضائية..و حتى في الأعراس والمناسبات يكون للاغاني المصرية والشامية حضور كبير وطاغ يتضاءل إلى جواره حضور الفن اليمني، ومع مرور الوقت أصبحت لغة الفن والموسيقى في وجداننا وعقولنا تمثلها اللهجة المصرية او الشامية، فانتاجنا الفني المحلي ضئيل ومحدود وليس جذابا مثل ما يصلنا من هذه البلدان، ولربما كان أيوب طارش أو الآنسي أو حتى فرقة الثلاثة الكوكباني وغيرهم يملكون مواهب و اصواتا جميلة لكن في مخيلتنا ووعينا لا يمكن أن نقارنهم بأصوات وطلات جذابة مثل طلة فريد الأطرش أو وليد توفيق أو هاني شاكر أو حتى عمرو دياب! لذا اصبحنا لا شعوريا نشعر بنوع من الخجل من تراثنا الفني عندما نقارنه بما يصلنا من مصر أو سوريا أو لبنان خصوصا وان الفن اليمني ليس له سوق خارجية على الاطلاق الا بين المغتربين من أبناء اليمن، وأنا شخصيا كنت لا أميل للغناء والموسيقى اليمنية مقارنة بغيرها إلا أنني وبعد سنوات من الغربة أصبحت أشعر باعجاب كبير تجاه كل ما ينتمي للفن اليمني وأراه قمة في الروعة لكن السبب في هذا هو الغربة التي تجعل المرء يشعر بالحنين لكل ما ينتمي لبلده حتى لو كان عاديا..

ومن الاشياء التي لاحظتها مرات عديدة هي محاولات اليمنيين دائما تقليد اللكنات المصرية والشامية وحتى الخليجية أثناء الكلام او المزاح أو تبادل الحديث مع أناس من هذه البلدان في محاولة للتماهي مع تلك الثقافات والهروب من لهجتنا المحلية بل ان البعض يبذل جهدا جبارا ليتقن تلك اللكنات ويتفاخر باستعراض موهبته مع اني لم أشاهد مطلقا في حياتي شخصا غير يمني يحاول ان يقلد اللكنة اليمنية او حتى يحاول فهم بعض المفردات المحلية الخاصة بهذه اللهجة ولو على سبيل المجاملة أو المزاح..


فإذا تركنا الفن ونظرنا للأمر من زاوية أخرى سنجد أن اليمن بشكل عام لا يوجد فيها حدائق ومتنزهات ودور سينما ونوادي مثلما هو موجود في بقية البلدان العربية، ويعرف من زار هذه البلدان هذه الحقيقة كما يعرفها ايضا كل من يتابع المسلسلات والافلام والبرامج التي تأتي من مصر أو سوريا أو لبنان أو المغرب..الخ

واضافة الى هذا الافتقار لتلك الخدمات والنشاطات يمارس معظم اليمنيون نشاطا كريها بشكل يومي وهو مضغ القات، ومهما حاول اليمني تجميل عادة مضغ القات أو حتى اظهار عدم اهتمامه بنظرة الأمم والشعوب الاخرى لموضوع القات فإنه يدرك في قرارة نفسه ان هذا النشاط الذي يمارسه هو أمر مخزي لا يمكن التباهي به، وخصوصا الاجيال الشابة التي سافرت واحتكت و انغمست في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لذا فقد نشأ لدى كثير من أبناء هذا الجيل خصوصا من لا يمارسون هذا النشاط شعور مبطن بالخجل من هذا الامر وبأنه يظهرنا امام الاخرين بمظهر غير حضاري مما يساهم من مشاعر الدونية والنقص التي يحملونها عند مواجهتهم واحتكاكهم مع الآخرين..

فإذا ما تركنا الجانب الفني والاجتماعي فسنجد أنه حتى على المستوى الرسمي والحكومي يمكن للمرء ان يلاحظ هذه الدونية في التعامل.. فعلى سبيل المثال جرت العادة أن الموظف أو العامل الأجنبي يحصل عادة على راتب أدنى أو على الأقل مساوي للموظف والعامل المحلي ولا يحصل على رواتب ضخمة إلا العباقرة وأصحاب التخصصات النادرة سواء كانوا من داخل البلد أو خارجه، إلا في اليمن حيث نجد العكس تماما ويكفي أن يحمل المرء أي جنسية غير الجنسية اليمنية ليحصل على راتب يبلغ اضعاف اضعاف ما يقبضه اليمني حتى لو كان يحمل شهادات وخبرة أكبر من التي لدى العامل الأجنبي! وعلى سبيل المثال العمالة الفلبينية تُعد الأرخص على مستوى العالم لكن العامل الفلبيني اذا عمل في اليمن فإنه يحصل على راتب يعادل خمسة اضعاف ما يمكن ان يجده في أي بلد آخر.. ودكتور الجامعة الهندي أو العراقي يحصل على راتب أكبر من نظيره اليمني..بل إن أحد أصدقائي من أطباء الأسنان المتميزين شكى لي مرة بمرارة أن الراتب الحكومي الذي تفرضه الدولة لهم كأطباء يقل بكثير عن ما تقدمه للمرضة الهندية أو الباكستانية حتى أنه وزملاؤه الأطباء طالبوا مرارا بمساواتهم فقط برواتب الممرضات "الأجنبيات"!

ولا فرق عندنا بين القطاع العام والخاص في هذه الجزئية.. فشركات الاتصالات والاستيراد والتصدير والبنوك توظف أشخاصا من دول مثل العراق أو مصر أو الهند وتفرض لهم رواتب خيالية وبالعملة الصعبة بينما لا يحصل اليمنيون العاملون في نفس هذه الشركات على ربع أو خمس هذه الرواتب!


والمفارقة هنا هي أنه في أكثر الأحيان لا يقوم هؤلاء الموظفون "الأجانب" بأعمال صعبة ولا يظهرون قدرات خارقة  وتجد أن أكثر مهام وواجبات العمل يؤديها الموظف اليمني الذي يعمل تحت إمرة ذلك الموظف الأجنبي أو العربي الذي تتجلى موهبته التي يقبض من اجلها ذلك الراتب الضخم في جنسيته فقط ولو كان قادما من توجو أو من نيكاراجوا!  


وعلى المستوى السياسي البحت فإننا نتابع نشرات الاخبار والصحف فتطالعنا صور الزعماء والقادة مثل  رفيق الحريري أو زين العابدين بن علي أو عبدالله بن الحسين أو بشار الأسد أو حتى حسني مبارك، وكل هؤلاء رغم انهم مستبدون وطغاة الا انهم متعلمون وبعضهم تخرج من  جامعات غربية ويتميزون بمظهر جذاب وربما يجيد بعضهم لغتين او ثلاثا.. وعندما يظهر الأخ علي عبدالله صالح بمظهره و تعليمه المحدود وصوته النشاز ولغته المبعثرة فإننا كيمنيين نشعر بالخزي عندما نقارن بينه وبين أقرانه..! لذلك يميل كل اليمنيين تقريبا الى استحضار صورة الرئيس المرحوم ابراهيم الحمدي حتى من قبل اولئك الذين لم يشهدوا عهده ولا يعرفون عنه الكثير وانا على يقين انه الى جانب ما تميز به الرئيس الحمدي من مناقب ومزايا تجعل اي يمني يحترمه ويفخر به إلا أن أكثرنا يشعر بأن الحمدي وحده رحمه الله من يمكن ان ننافس به --- على مستوى المظهر - بقية الزعماء العرب!
أما على المستوى الفردي والشعبي فالملاحظ أن اليمنيين من اكثر الشعوب اهتماما ومتابعة لما يجري لبقية شعوب الارض، فإذا ما انفجر بركان في أندونيسيا أو حصل فيضان في بنجلادش أو انهارت عمارة سكنية في مصر، تجد اليمنيين أول من يتابع الخبر أولا بأول ويبدون التعاطف والتضامن ويحشدون التبرعات والمساهمات ويتداولون الخبر في جلساتهم ومقايلهم ومساجدهم..

وقد كان من الغريب حقا والملفت للنظر أنه حتى قبل ما عرف بثورة الربيع العربي كانت اليمن من أسوأ البلدان العربية من عدة نواحي اقتصادية وسياسية وتعليمية حيث لا بنى تحتية ملائمة ولا تعليم ولا استقرار سياسي وحيث يتواجد الفساد والفقر والمرض والبطالة جنبا إلى جنب، ومع ذلك كانت قلوب اليمنيين مع ما يجري في مصر وفي تونس وسوريا وليبيا مع أنه وفي نفس الوقت لم يكن الناس في هذه البلدان مهتمون أو حتى متابعون لما يجري في اليمن!

بالتأكيد ليس من العيب ان يتعاطف المرء مع الغير لكن هذا التعاطف تحول في حالة اليمنيين الى حالة غريبة تحتاج الى علماء نفس ليدرسوها ويحللوها وهي لا تكاد تخلو من شعور بالنقص يبحث عن متنفسات لتعويضه وتغطيته.. فالإنسان الطبيعي و العاقل عليه ان يتعاطف مع نفسه أولا أو مع أبناء جلدته على الاقل قبل ان يوجه شحنات تعاطفه الى خارج الحدود وعبر البحار والقارات، لكن اليمني لا يشعر بالشفقة والتعاطف حيال وضعه أو تجاه أبناء بلده بل على العكس من ذلك هناك عداوات ومشاحنات وخصومات لا تنتهي بين اليمنيين وبعضهم البعض.. لكن عندما يتعلق الامر بالاخرين فأن اليمني صاحب قلب ليس له مثيل في الحنان والشفقة..وحاليا تواجه اليمن حرب طاحنة دمرت البلد بكل معنى الكلمة وسيكون لها تداعيات مخيفة وكارثية على عدة اجيال لاحقة ومع ذلك تجد اليمنيين مشغولين للغاية وقلقين جدا على ما يحدث في حلب وحمص وإدلب! ومع ان العالم كله لاسباب سياسية بحتة يولول على ما يجري في سوريا ولا يخلو خبر في نشرة محلية في قنوات الأخبار الغربية عن ما يجري في سوريا على مستوى ابسط التطورات، وفي نفس الوقت تذبح اليمن فعليا من الوريد للوريد ومع ذلك لا تجد لها ذكرا في قناة مرئية او مسموعة او مقروءة عربية أو غربية إلا نادرا! ولو كان اليمنيون يجيدون فن "الولولة" والنحيب على انفسهم وما يصيب بلدهم لكان العالم التفت لمأساتهم ولو قليلا.. وما اصدق واجمل العبارة التي قالها عبد المطلب بن هاشم لابرهة الحبشي الذي جاء ليهدم الكعبة وجاءه عبد المطلب ليجادل عن إبله وغنمه "إني أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه"..!

وأخيرا فإن مشكلة عقدة الأجنبي هذه لها أسباب اقتصادية أيضا.. فاليمن بلد مليء بالموارد الطبيعية والطاقات البشرية لكن بسبب الفساد وسوء الادارة وجيران السوء فإنه يصنف دائما على انه بلد معدم ومن أفقر دول المنطقة مقارنة بجيرانه، وبينما تشهد بعض البلدان العربية تصنيعا وتصديرا ولو على مستوى بسيط لا تصدر اليمن الا بعض المنتجات الطبيعية الخام واغلب مصانعها متخصصة في انتاج و تعبئة المشروبات والزيوت والحلويات.. وعملة البلد المحلية متضخمة ليس لها اي قيمة أو وزن حتى على مستوى التداولات الاقليمية ، اضافة الى ان كثير من اليمنيين يضطرون للسفر ويتغربون للعمل وطلب الرزق حتى في دول الخليج المجاورة التي كانت الى عقود مضت تنافس اليمن في فقره الحالي..

كما أن اليمني لديه جواز سفر ضعيف للغاية لا يسمح له بالسفر الى دول كثيرة حتى لو قام بطلب تأشيرة رسمية، وكثير من الدول ترفض منح اليمنيين تأشيرات حتى لو استوفوا كل الشروط المطلوبة لمجرد انهم يمنيين، كل هذا يصب ويساهم في تغذية تلك المشاعر السلبية التي تجعل اليمني يشعر بالنقص والدونية أمام الآخرين..
ومن المعروف أن العرب يسافرون للدراسة في الغرب لكن التعليم الجامعي في دول مثل الاردن ومصر والعراق (على الأقل الى وقت مضى) قوي وله مكانة مرموقة محليا بحيث تجد مثلا كثيرا من الاطباء أو المهندسين المصريين والاردنيين تخرجوا من جامعات في بلدهم ويحظون بالتقدير والثقة من قبل مواطنيهم، بينما في اليمن للأسف لا يثق الناس الا بمن درس خارج اليمن وحتى هذه الثقة تأتي على مضض ولاسباب اضطرارية بحتة، فلو كان هناك مثلا دكتور يمني درس الطب في ألمانيا ودكتور آخر مصري خريج جامعة عين شمس فسيفضل المريض اليمني ان يذهب للطبيب المصري!
و في الاخير..فإن  الشعور بالنقص والدونية امام الغير يمثل عقدة مصاب بها كثير من اليمنيين ، و على الانسان اليمني أن ينفض عنه هذا الشعور وأن يتخلص تماما من كل رواسبه وعقده ويتبنى موقفا جديدا يكون فيه مسئولا عن نفسه فقط وعن تصرفاته هو ولا يكبل نفسه بعادات ومظاهر وأسباب لم يسهم فيها بشكل مباشر ويشعر بأنها تسبب له الحرج أمام الآخرين..على اليمني أن يعرف ويعي جيدا ان الناس في مصر وسوريا والعراق وليبيا وتونس لايمضغون القات مثلا لكن لديهم مشاكلهم وعيوبهم واخفاقاتهم.. واليمن– بلدا وشعبا - له تاريخ عريق ضارب في القدم، وفي ارض اليمن ازدهرت أقدم الحضارات التي نافست – آنذاك- الحضارات الاخرى مثل حضارة بلاد الرافدين وحضارة وادي النيل.. وقد اشتهر اليمنيون القدامى ببناء السدود والحصون والقصور وعرف العالم بلادهم باسم "العربية السعيدة" نسبة للرخاء والجمال في أرضهم..و يعرف الكثيرون مقولة "اليمن أصل العرب" حيث هاجر آلاف اليمنيون بعد انهيار سد مأرب العظيم وتفرقوا في أرجاء الجزيرة العربية، كما أنهم ساهموا في الفتوحات الاسلامية الآولى بالإمدادات البشرية واستقر كثيرون منهم في بلدان المغرب العربي وفي الأندلس آنذاك..

وحتى عقود معدودة مضت وبالتحديد في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت اليمن من الناحية الثقافية والاجتماعية والصناعية أفضل بكثير من دول الخليج المجاورة لها التي كانت عبارة عن مساحات صحرواية يسكنها بدو رحل قبل أن تتفجر تحت أقدامهم آبار النفط فتسمح لهم عوائده بالتطاول في البنيان والعيش في فقاعة زائفة من  الغنى والرفاهية..

 إذا أردنا أن نخرج عقدة النقص من عقولنا الواعية والباطنة فعلينا ان نتعلم ان نفخر بما عندنا وأن لا ننتقص منه ابدا حتى لو لم يقدره الآخرون أو يسمعوا عنه.. علينا أن ندرك أن الفن اليمني مميز وأن العمارة اليمنية فريدة وأن المطبخ اليمني غني و أن اللهجة اليمنية رائعة  وأن الجاليات اليمنية في دول الغرب من أكثر الجاليات العربية التزاما وانضباطا وأن بلدنا لا ينقصه شيء لنفخر به ثقافيا وتاريخيا وسياحيا..لنتعلم أن نتصالح مع عيوبنا وأخطائنا بدون أن نضطر لتجميلها أو الهروب منها ولنركز على شئوننا أولا قبل أن نهتم بشئون الآخرين وعندها ستتلاشى كل عقد النقص والشعور بالدونية وستحل محلها مشاعر الثقة والفخر والاعتزاز  وهي ذات المشاعر التي أحس بها بالتأكيد الإنسان اليمني الأول الذي شق السهول ومد الجسور وبنى بيته فوق الجبال التي تلامس قممها آفاق السماء.. 



September 16, 2016

!عندما يصبح الشرك بالله....تقوى


رشا المقالح

 
كيف يعبد المسلم غير الله و يشرك به دون أن يشعر؟ بل يعتقد أن ذلك الشرك يزيده تقوى و إيمانا و قربا من الله؟! و صدق الله القائل : (( و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون))...! عند مطالعتي لكثير من الموروثات الإسلامية و أيضا عندما أتتبع أحوال المجتمعات الإسلامية، أجد أن المسلم غارق حتى أذنيه في عبادة العباد و ليس في عبادة رب العباد! كيف لا و هومطالب بالرضوخ و الخضوع و الطاعة لغير الله منذ أن يصبح حتى يمسي، و هو ملاحق بغضب الله و لعنات الملائكة إن لم يفعل! فتجده يرزح تحت شتى أنواع القهر و الاستعباد "الشرعي" ، و يتكفل المحدثون و الفقهاء بتقديم الرضوخ و الخضوع  و الإذلال  للمسلم على أنه "أجر" و "ثواب" و "حق" و "واجب"...!
نجد أن الإستعباد – في الموروث الإسلامي – له مستويات مختلفة عامة و خاصة، سياسية و اجتماعية، وفي كل مستوى هناك جملة من الآثار و المرويات تؤكد ذلك بل و تحببه للناس و تجعله من صميم عقيدتهم الصحيحة...!
 فما هي مستويات إستعباد الإنسان المسلم؟!

1-    استعباد على المستوى السياسي
في الوقت الذي نجد القرآن يذم فرعون في عشرات المواضع نجد عشرات الأحاديث و غيرها من الآثار التي تمجد الحاكم و تأمر المسلم بالإذعان له  و نجد الانسان المسلم – كمواطن- مطالب بطاعة مفرطة تجاه الحاكم حتى لو كان ظالما. فمن أين جاء الأمر بهذه الطاعة "الفاحشة"  لشخص الحاكم، بغض النظر عن كونه عادلا أم ظالما؟!

نقرأ في قوله تعالى:  (( و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم)) فهل هذه الآية تدل على طاعة الحاكم الظالم و تحريم الخروج عليه؟ و هل أمر الله بطاعة "الحكام" الظلمة و الفسقة و المستبدين الذين فرضوا أنفسهم على الناس؟  أولا قوله تعالى: ((أولي الأمر منكم)) الأمر" دلالة على أن هناك مجموعة من الناس تجتمع و تقرر و أن القرار "تشاوري" لا يستأثر به شخص و "يستعلي" على الآخرين و إنما : ((و أمرهم شورى بينهم)) ،(( و شاورهم في الأمر))  و هذه المجموعة من الناس هم "منا" أساسا أي أنهم ينتمون لنا و يمثلون مصالحنا و نحن راضون عنهم، ثانيا "أولي الأمر" لا يملكون إجبارنا على طاعتهم و إنما نحن نمتثل من تلقاء أنفسنا لأن امتثالنا فيه مصلحتنا و ليس خوفا منهم فهم يجب ألا يملكوا القوة بإيديهم لدرجة أن يضربوا ظهورنا و يأخذوا أموالنا!! أليست هذه قمة العبودية لغير الله و قمة الشرك به ؟

لا يعقل أن يكون الانصياع للحاكم الظالم المستبد  جزءا من عقيدة المسلم لأن المسلم يجب أن يكون انسانا حرا لا يعبد إلا الله و لا يشرك به شيئا. فالله عز و جل ذم فرعون في أكثر من موضع بسبب علوه و استبداده : (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين )) و قال تعالى أيضا : (( و لقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين))، أفلا يعد ضرب الظهر و أخذ المال علوا و إسرافا؟ و هل يعقل أن يربي الرسول الكريم الانسان المسلم على الخضوع و الذل؟! فإذا كان الله عز و جل يقول : ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)) أي أن الله عز و جل يجعل مجرد الفظاظة سببا في انصراف الناس فكيف سيأتي النبي الكريم ليأمرهم بقبول جلد ظهورهم و أخذ أموالهم؟!

 هذا الحديث، و غيره من الأحاديث المماثلة، ذات طابع سياسي ، فعندما عجزوا عن إيجاد ما يؤطر لبطش الحاكم الظالم و استعلاءه على الناس في القرآن الكريم، اتجهوا إلى صناعة الحديث لإخضاع الناس في فترة من فترات الحكم الإسلامي. فمن يتتبع آيات القرآن يجد أنها تربي المسلم على كراهية الظلم و الاستبداد و الاستعلاء على الناس بينما من يتتبع كتب التراث يجدها تسوغ له القبول بالظلم و مجاراته  فمثلا:
((تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)) حديث
 
 )) من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله )) حديث
 
 (( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )) حديث

 (( من كره من أميره شيئا فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه، إلا مات ميتة جاهلية )) حديث

((من أراد أن ينصح لذي سلطان بأمر فلا يبده له علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فأن قبل فذاك وإن لم يقبل فقد أدى الذي عليه)) حديث
(( إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر )) عبدالله بن عمر

((إن أول نفاق المرء طعنة على إمامه)) أبو الدرداء

 (( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السُنة والجماعة )) ابن تيمية

و هكذا إلى أن وجدنا من يتجرأ على القول أن حكم الخروج على  الحاكم الظالم "حرام"! و إن كنا لا ندري هل هذا الحكم هو دليل على الاستخفاف بالظلم و بكرامة الانسان المسلم أو هو استخفاف بالتحريم أساسا، إلا أنه بالتأكيد يربي المسلم على القبول بالعلو و الإسراف فلا حقوق له و لا كرامة...!

2-    استعباد على المستوى الأسري:
أ‌-       استعباد الزوج لزوجته
لا يختلف اثنان على أهمية الأسرة و أهمية العلاقة بين الزوجين و أنها علاقة قوامها المودة و الرحمة لكن في تراثنا الإسلامي نلمس شططا واضحا و تضخيما غير معقول لمقام الزوج فلم يبق إلا أن يتحول إلى "إله" تعبده زوجته و تسجد له...!  (( لو كنت آمرا احدا ان يسجد لأحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها))
 و من شدة تعظيمهم لحق الزوج تجرأوا على إخراج أحاديث نسبوها للرسول و هي أقل ما يقال عنها أنها بشعة منافية للذوق السليم مثل : (( حق الزوج على زوجته لو كانت به قرحة فلحستها أو انتثر منخراه صديدا أو دما ثم ابتلعته ما أدت حقه))...!

ثم جعلوا من الزوجة مجرد  وعاء جنسي ليس عليها سوى تلبية رغبات الزوج دون مراعاة حتى لحالتها النفسية :
((إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته و إن كانت على التنور))، ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح )) في الصحيحين ، ((والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها.)) صحيح مسلم
 و في الوقت الذي تنتشر في العالم الكتب و المراكز و الأبحاث و الأخصائيين النفسيين لتقديم الاستشارات للزوجين لحل خلافاتهما و فهم  نفسياتهما و التطرق إلى أهمية العلاقة الجنسية في التواصل العاطفي بينهما نجد الزوجة المسلمة في التراث الإسلامي مجرد أسيرة لرغبة الزوج الجنسية فكأنها مجرد وعاء لتفريغ تلك الرغبة و يجب عليها أن تسارع لتلبيتها و إلا لعنتها الملائكة!
و من المفارقة وجود حديث للرسول في قمة الرقي و اللطافة فيما يخص العلاقة الزوجية  يقول فيه : ((لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول. قيل و ما الرسول؟ قال القبلة والكلام)) لكن هذا الحديث يوصف بأنه ضعيف، في حين أن الأحاديث التي تسوق المرأة سوقا لمعاشرة زوجها تعد "صحيحة"...!
و على الرغم من أن العلاقة الحميمية هي جزء أساسي في الزواج و لكنها ليست كل شيء فيه، و إلا لكانت أشبه ما تكون بالمملكة الحيوانية، فالزواج عند الإنسان قوامه العشرة و المودة و الاحترام و مواجهة عقبات الحياة و تحدياتها معا، لكن تلك العلاقة في التراث تصبح مجرد طريقة لتفريغ شهوة الرجل دون أي اعتبار لإنسانية زوجته، و تصبح هي مرغمة على معاشرته دون أي اعتبار لمشاعرها.

هذا فيما يخص العلاقة الجنسية أما في الحياة اليومية فنجد أن الزوجة ليس لها رأي و لا قرار، و عليها السمع و الطاعة و لزوجها أن يضربها و يؤدبها و له أن يطلقها دون علمها ، ويجب عليها أن تستئذنه ليس فقط في خروجها من بيتها و إنما حتى في صيامها و قيامها و صدقتها! و اذا أطعمها زوجها فهي أعظم صدقة له أما هي إذا تصدقت من مال زوجها فعليها وزر إن هي لم تستئذن منه، فالمال ليس مالها و انما ماله هو ثم يرهبونها بأنها - على الأغلب - ستكون من أهل النار و أن عليها أن تتصدق لأنهم سمعوا الرسول عليه الصلاة و السلام يقول: (( يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار...))
 فإذا أرادت الخروج للعمل و إعالة نفسها و لتتصدق كيفما تشاء- لتنقذ نفسها من النار-  لقالوا لها : 
 ((المرأة عورة، إذا خرجت استشرفها الشيطان، و هي أقرب ما تكون من الله ما كانت في بيتها))

و لا يملك المرأ أمام  هذا الكم الهائل من حصار المرأة المسلمة و إذلالها و استعبادها إلا أن يتسائل: أليس هذا شكل من أشكال "عبادة العباد"؟؟!! لماذا على المرأة المسلمة أن تشرك زوجها بالله عز و جل و تخضع له بهذا الشكل المذل و لماذا له أن يتحكم في سكناتها و حركاتها و أن يأمر و ينهى كيفما يشاء؟! و هل يتبقى بعد كل ذلك القهر و الاستعباد فسحة ليتجلى فيها قوله تعالى : ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ))....؟!


ب‌-  استعباد الوالدين لأبنائهما
لا شك أن الوالدين لهما مكانة عالية و قد أمر الله بالإحسان إليهما و مصاحبتهما بالمعروف عند كبرهما و ذلك لفضلهما الكبير على أبنائهما فهما سبب وجودهم في الدنيا ثم إنهما يصرفان شبابهما في العناية و الرعاية و التربية و كل ما يتبع ذلك من مشقة و عناء. و عندما يكبران و يضعفان يحتاجان للإحسان من قبل أولادهما. و هذه من الأمور التي فرق الله بها بين الإنسان و الحيوان، فالحيوان ما إن يكبر و يشتد ساعده حتى ينطلق و ينفصل تماما عن والديه و لا يعد بحاجة لمعرفتهما، أما الإنسان فما أن يكبر و يقوى ساعده و يخرج في طلب الحياة و مواجهة تحدياتها و متغيراتها، يوصيه الله بأن لا ينسى والديه في غمرة ذلك و بأن يحسن إليهما و يخفض لهما جناح الذل من الرحمة في كبرهما و ضعفهما، و يذكره بفضلهما عندما كان صغيرا و ضعيفا ((و قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا))  و ذلك أشبه ما يكون بالميزان الدقيق.  لكننا نجد في أدبياتنا الإسلامية أن ذلك الميزان مختل بشدة حيث تحول الأمر "بالإحسان" إلى أمر "بالطاعة" و شتان ما بينهما! و لكن هذا ديدن تراثنا الإسلامي الذي برع في جعل علاقة المسلم بالآخرين - حتى بأقرب الناس إليه - تتمحور حول الطاعة و الخضوع و الذل و القهر.

فالله عز وجل حين أمر الأبناء في كتابه الحكيم بخفض جناح الذل من الرحمة للوالدين و الإحسان إليهما دل ذلك الأمر الإلهي على معرفة كلية بسنن الحياة و مقتضياتها حيث يضعف الآباء في كبرهم و يشب الأبناء و يصبحون أكثر قوة و هم أصحاب الكلمة و القرار و هذه هي سنة الله  و لهذا أمرهم ألا ينسوا و هم في غمرة قوتهم و انشغالهم في معترك الحياة الإحسان إلى الوالدين و لا يحسن إلا من كان في موقف قوة ،أما الطاعة فلا تكون إلا لمن يملك القرار لهذا لم يأمر الله الأبناء "بطاعة" الوالدين لأن الوالدين و إن كان لهما فضل على أبنائهم لكن هذا الفضل لا يخولهم بإمتلاك القرار و التحكم في حياة أبنائهما بعد أن يبلغوا أشدهم و لهذا سنجد أنه حتى عندما اقترنت كلمة الطاعة بالوالدين في القرآن كانت بالنهي أي "لا تطعهما" ...!

و عندما نلتفت إلى واقع الحال في مجتمعاتنا نجد كثيرا من الآباء و الأمهات يضطهدون أولادهم بشدة و يمارسون عليهم القهر و الإذلال و يتحكمون في حياتهم و في خياراتهم و يتدخلون في شئونهم لدرجة لا تصدق، من اختيار مجالات دراستهم أو وظائفهم أو أزواجهم و حتى أسماء أطفالهم، بل و يأمرونهم في بعض الأحيان بفراق أزواجهم  و يهددونهم "بغضب الله" إن هم لم يمتثلوا لأوامرهم كيف لا و هناك حديث ينص على : ((رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد))..! أليس هذا شكل من أشكال الشرك بالله؟!

 يقول ابن تيمية : "أصل الشرك أن تعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده، فإنه لم يعدل بالله أحد من المخلوقات في جميع الأمور، فمن عبد غيره أو توكل عليه فهو مشرك"...! و هذا كلام سوي، فلا يجب أن يجعل رضا الله  و سخطه في رضا و سخط شخص آخر مهما كانت مكانته حتى لو كان زوجا أو أبا أو أما أو حاكما، و إنما يحكم العلاقات الإنسانية – خاصة الإجتماعية منها - المودة و التراحم و العشرة الطيبة و المصاحبة بالمعروف، ولكن هل كل مصاحبة بالمعروف و إحسان – للوالدين و لغيرهما -  ينتج عنها رضاهم الكامل؟؟!! بالطبع لا، فقد يحسن أحدنا و يبالغ في إحسانه و لا يلقى سوى السخط ، لذا فإن الله عز و جل لم يشترط في كتابه الحكيم رضا الوالدين لرضاه و لم يجعل سخطه من سخطهم، و إنما جعل المعيار هو الإحسان و المصاحبة بالمعروف بغض النظر عن النتائج.  فليس كل الآباء لديهم الإنصاف و الحكم السليم حتى يُجعل رضا الله في رضاهم، و سخط الله في سخطهم فهم بشر يصيبون و يخطئون  بل إن كثيرا منهم يتجبرون على أبنائهم و يتحكمون بهم و كأنهم "ملكية" خاصة ويذيقونهم صنوف العذاب و مع ذلك لا نسمع أحدا يتحدث عن استبداد الآباء بأبنائهم و إنما عن "عقوق الوالدين" و وجوب "طاعتهم" ! و هكذا يجد المسلم نفسه أمام شكل آخر من أشكال عبادة العباد، و يتحول الأمر "بالإحسان" إلى أمر بتقبل الإذلال،  و قهر يمارس على المسلم تحت مسمى "بر الوالدين".

و نلاحظ أن كثيرا من المفسرين يعتقدون أن الله عز و جل عندما أتبع أمر الإحسان بالوالدين بأمر عبادته وحده و عدم الشرك به مرده فقط إلى المكانة العالية للوالدين، و قد يكون ذلك صحيحا و لكنه ليس السبب الوحيد، فالله عز و جل يعلم تمام العلم بصراع الأجيال و كيف أن جيل الآباء دائما ما يحاول فرض أفكاره و آرائه على جيل الأبناء، و أن هناك كثيرا من الآباء يسعون جاهدين لإملاء إرادتهم على أبنائهم بحجة أنهم هم من أخرجوهم إلى الدنيا و لهذا جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله مباشرة و في ذلك إشارة إلى إمكانية محاولة الآباء استعباد أبنائهم و و "التأله" عليهم، و  كأن الله عز و جل يقول أن الانسان يجب عليه ألا يعبد إلا الله وحده و لا يشرك به أحدا مهما كانت مكانته و فضله، فحتى الوالدين رغم مكانتهما الكبيرة، فليس لهما إلا الإحسان و ليس من حقهما "استعباد" أولادهما :
((و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا))

((و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا. و بالوالدين إحسانا))

((و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا))

((و وصينا الإنسان بوالديه حسنا. و إن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما. إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون))

ولقد رأيت بأم عيني أمهات يظلمن أولادهن و عندما يسألن عن سبب ذلك تجد الواحدة منهن تقول بكل جبروت و استبداد : "أنا أم، أفعل ما أشاء...!" أوليس هذا شكل واضح من أشكال الشرك بالله؟!

3-    استعباد على المستوى الفكري
لاحظت عند النقاش مع بعض المتمسكين بالموروث أن لديهم شعورا واضحا بالقلق و الخوف و غالبا ما يكون لدى الكثير منهم  "هاجسا" أن هناك "مؤامرة" ما على دينهم! و هذا شعورطبيعي ناتج عن الجو الفكري الخانق الذي يحيا فيه المسلمون أو كما قال الشيخ محمد الغزالي : ((الذي يغلغل النظر في علل هذه الأمة يلحظ على عجل أنها تتنفس في جو فكري خانق و أن تغذيتها النفسية و الاجتماعية و العقلية و العاطفية رديئة أشد الرداءة. و هي تغذية لا تفقد فحسب عناصر حيوية مهمة، بل إن في بعض أجزائها عفونة و في البعض الآخر سموم!!)).

فكل شيء يقدم للمسلم في قوالب جامدة و عليه ابتلاعها كما هي دون نقاش و لا تساؤل،  فيتربى على أنه غير قادر بمفرده على التفكير و التدبر و حتى محاولة فهم كتاب الله بل و يهددونه بأن هذا أمر عظيم يجب أن يرده إلى أهل "العلم و الاختصاص" و  لا يحق له مخالفتهم فيما وصلت إليه أفهامهم، فإذا صادف حكما فقهيا ساذجا أرهبوه  بـ "إجماع العلماء" و إذا صادف حديثا سقيما أرهبوه "بالسند" ، و هكذا يواجه المسلم أرهابا فكريا لا يسمح له حتى بمجرد الشك أو التساؤل و إنما عليه السمع و الطاعة لا غير.

و كلما أشكل على بعض عوام المسلمين شيئا و جاءوا يسألون و يستفسرون عن ذلك قالوا لهم  هذه "شبهات" قديمة يحيكها أعداء الإسلام للإسلام و أهله و الأفضل الابتعاد عنها و عدم التفكير فيها و عدم إحيائها!
و لكي يقبل العقل المسلم تمرير كل ما سبق يقومون بتصوير الله و كأنه اله غاضب من الناس لأبسط الأشياء و أن عذابات عظيمة في القبر بانتظارهم لمجرد ذنوب بسيطة ، و يقنعونه أن كل من يغرد خارج سربهم فهو متهم "بالكفر" و "الزندقة" و "الاستشراق" و "العلمانية"  و "الماسونية" و غيرها من التهم التي لا تنتهي، و الطريف أنه كلما زادت قائمة التهم كانت دليلا واضحا على ضعف منطق صاحبها و رداءة حجته ليس إلا.

يؤسفني أن أرى الانسان المسلم - على الرغم من أن بين يديه أعظم كتاب وصل إلى الإنسانية - لكنه هش للغاية فكريا، مجبول على السمع و الطاعة في كل وقت. فلا وجود للحرية في قاموسه  بل إنه  يخشاها و يشعر أنها مرادف لـ "الفوضى" بينما نجد أن الحرية لدى الشعوب المتقدمة تأتي معها "المسئولية".
 و في عصرنا هذا صيغت الدساتير و القوانين العالمية التي تحفظ كرامة الإنسان و حريته و حقوقه و شكلت الأنظمة الديمقراطية المختلفة و التي تستند أساسا إلى سلطة الشعب، و تزدهر فيها البرلمانات و يقيد الحاكم بفترات رئاسية محددة، كل ذلك و لا زلنا نجد الانسان المسلم مطالبا بطاعة "السلطان" و القبول بظلمه و عليه ألا يجد غضاضة في أن يضرب ظهره و يأخذ ماله...!
أما من الناحية الاجتماعية فعليه أن يطيع والديه و يتحمل إملائاتهما و تسلطهما على حياته، ثم إن بإمكانه "شرعا" أن يتحكم في زوجته و أن يقهرها و يذلها و له أن يخضع أولاده بصفته والدا لهم و له "حق" استعبادهم و عليهم "واجب" طاعته...!

"ظلمات بعضها فوق بعض" اخرجت لنا انسانا تائها مقهورا، لهذا نجد المسلمين في آخر سلم الحضارة الإنسانية، فهم لا يشعرون بالأمان إلا عندما يكونون منقادين و خاضعين أو مستبدين جبارين، يكرهون التفكير و يخشون التدبر ويوكلونه لغيرهم. يخافون الحرية، فهم لم يعتادوها لا سياسيا و لا إجتماعيا و لا فكريا، و لن تنجح أي ثورة هوجاء في انتشالهم مما جبلوا عليه من الطاعة و الذل، و إنما هم بحاجة لثورة فكرية حقيقية  تعيد إلى الانسان المسلم ثقته بنفسه و بقدراته و باستقلاليته الفردية و كرامته و حريته.