Pages

December 19, 2016

!..ليست القبيلة و لا العائلة، إنه "القطيع" يا سادة

رشا المقالح 


أن تنشأ في مجتمع عربي معناه أن تعيش في مجتمع ينشغل أفراده بمراقبة بعضهم البعض و بالتدخل في شئون الآخرين و التطفل على تفاصيل حياتهم، و كنت دائما ما اتسائل عن السبب الذي يجعل مجتمعاتنا على هذه الشاكلة، إلى أن وقع في يدي كتاب "طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد" ، فوجدت في إحدى فقراته الجواب الشافي، و قد كشفت لي تلك الفقرة بصورة جلية سبب تلك الظاهرة، يقول الكواكبي:

((
الناظر في أحوال الأمم يرى أن الأسراء يعيشون متلاصقين متراكمين يتحفظ بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد كالغنم تلتف على بعضها اذا ذعرها الذئب، أما العشائر و الأمم الحرة المالك أفرادها الاستقلال الناجز، فيعيشون متفرقين.))
نعم هذه الفقرة و إن كانت موجزة إلا أنها على قدر كبير من الأهمية لأنها تشرح حقيقة مجتمعاتنا: نعيش "متلاصقين" و "متراكمين" نراقب بعضنا البعض و نتدخل في شئون بعضنا البعض و  نعتبر  أن القرارت الفردية يجب أن يكون للجماعة رأي فيها.. و يحلو لنا أن نسمي هذا التلاصق و التراكم بالـ "العشيرة" أو "القبيلة" أو "العائلة" و الحقيقة أن التسمية الوحيدة المناسبة هي "القطيع"، فقط لا غير!

ففي مجتمع يختفي فيه معنى "الدولة" التي يتمتع فيها الفرد بالحرية و حقوق المواطنة يبرز المجتمع القطيعي حيث يتلاصق الناس و يعيشون في وحدات و تكتلات يعتقدون أنها تحميهم من الاستبداد و ذلك بكونها تقربهم من بعضهم البعض.

و عندما
سافرت و تغربت و عاشرت أقواما أخرى تتمتع بالحرية الفردية و لا تعاني من الاضطهاد و الاستبداد، و رأيت بالفعل أن الفرد الواحد فيها يتمتع باستقلالية كبيرة جدا و لا يحق لأحد التدخل في حياته و في قراراته أدركت بما لا يدع مجالا للشك أن ما توصل إليه الكواكبي صحيح تماما.

ففي مجتمعاتنا القطيعية عندما يختار الرجل شريكة حياته أو تختار الفتاة شريك حياتها ، فإن ذلك الاختيار ليس قرارا فرديا و إنما جماعيا حيث نجد أن بقية أفراد الأسرة و الأقارب و غيرهم  يدلون بدلوهم في الموضوع و كل لديه وجهة نظر و رأي مع أن هذا الأمر هو قرار شخصي و اختيار فردي لا يفترض أن يتدخل فيه سوى طرفي العلاقة فقط...لكنك تجد في مجتمعاتنا من يقول : "هذه عائلة تناسب عائلة أخرى"!


أما في المجتمعات "الفردية" – حيث لا وجود للاستبداد و لا يعيش الناس كالقطعان - فقرار كهذا لا يتدخل فيه أحد بل هو قرار "فردي" بامتياز يتحمل عواقبه طرفي العلاقة فقط أما من الناحية الاقتصادية فكل طرف لديه مورده الخاص به و ليس لأحد أن يسأله عن ماله بعكس مجتمعاتنا التي تربي الفرد على ثقافة : "أنت و مالك لأبيك" و تعطي للأم شعورا زائفا بأنها تمتلك أولادها و أنها هي أحق الناس بدخولهم و بمواردهم الاقتصادية بحجة أنها تعبت و ربت و سهرت، و هذا شيء طبيعي في المجتمع "القطيعي" الذي لا يشجع المرأة على العمل بل يجعلها خاضعة لزوجها و تقضي جل عمرها في أعمال البيت التي في الغالب لا تجيد سواها و العناية بالأطفال، و هو و إن كان أمرا جليلا و تضحية نبيلة منها إلا أنها تنسى أن الأطفال لن يظلوا أطفالا للأبد و انما سيكبرون و ينطلقون في الحياة و تتسع مداركهم بينما تبقى هي "ملتصقة" بهم و تكون قد أهلمت نفسها و لم تطور في شخصيتها و لم توسع مداركها أيضا و لذا  تشعر بالفراغ و بأنها مجرد عبء و عالة عليهم و هذا أمر مؤسف بالفعل.

في مجتمعاتنا من المقبول جدا أن يتزوج الرجل و يعيش مع زوجته في بيت والديه، و هنا في الغالب تبدأ المشاكل و التدخلات في حياة الزوجين فمثلا تجد  أم الزوج – و ربما أخواته أيضا – تدقق في تصرفات الوافدة الجديدة و تعطي لنفسها الحق في توجيه الأوامر لها و كذلك لزوجها و التطفل على خصوصياتهما و مواعيد خروجهما و دخولهما و كم من الوقت يقضيانه مع "العائلة الكبيرة" و كم من الوقت يقضيانه بمفردهما بل و تتدخل حتى في طريقة انفاق ابنها على زوجته ، حتى لو كان يصرف من "عرقه و شقاه"..!و تنتهي الأمور في الغالب بخصومة كبيرة و بانتقال الأسرة الصغيرة إلى منزل مستقل بعيدا عن الأسرة الكبيرة و تدخلاتها.

في مجتمعاتنا تشكل أمور مثل "سمعة العائلة" أو القبيلة هاجسا حقيقيا يتحكم في حياة الناس و في خياراتهم الفردية، بحيث لو قررت عائلة إرسال ابنتها للدراسة في الخارج مثلا فستجد بقية أفراد القبيلة يعترضون و "يصوتون" ضد القرار مع أنه قرار شخصي لا علاقة لهم به البتة!

في مجتمعاتنا لا يستطيع الفرد أن يختار مجال دراسته أو عمله بحرية تامة و إنما يجب عليه إقناع والديه أولا بمجال دراسته و إن كانت فتاة فإنها ستعاني من اضطهاد أكبر بحكم أنها أنثى في مجتمع يعتبر اسم الأنثى عيب و وجهها و صوتها عورة و هي مجرد شيطان و شر مستطير، لذا لن تتمكن أن تختار مجال دراستها بما يناسب ميولها و قدراتها و إنما بما يناسب قناعات الناس من حولها...

في مجتمعاتنا لا يوجد احترام للخصوصية و هذا طبيعي في المجتمعات القطيعية التي لا تحترم الفرد و لا تقدس خصوصيته، فستجد أن الناس يسمحون 
لأنفسهم بالتدخل في أدق شئون حياتك فلربما سألوك عن راتبك و متى تنوي الزواج و لو كنت متزوجا فسيسألوك لماذا لم تنجب بعد، و إذا أنجبت فسيسألونك - بكل تأكيد - متى ستنجب الطفل الثاني، سيسألونك كل تلك الأسئلة دون أن يشعروا بغضاضة أو بحرج و بأنهم يدسون أنوفهم فيما لا يعنيهم فالأمر بالنسبة إليهم مجرد "دردشة" أو كما نقول في اليمن "مجابرة"، و هكذا تصبح شئون الفرد الخاصة في المجتمعات القطيعية مجرد  "مجبار".

و لو اتصل بك أحدهم و لم ترد عليه لشعر بالإهانة و بأنك تتجاهله و لو اتصلت به لاحقا لكان أول عبارة يقولها لك هي : "اتصلت بك و لم ترد علي!" مع أنه ليس من حقه قول ذلك، فلربما كنت نائما أو في الحمام أو في الباص أو القطار أو في مكان عملك أو في قاعة الدرس أو في اجتماع أو أي سبب آخر!

أما لو طرق باب بيتك دون إعلامك مسبقا بقدومه فيتوجب عليك أن تفتح له الباب و أن تستقبله و تقول له :"تفضل قهوة" أو "تفضل شاي" أو حتى "تفضل غداء"،  حتى لو كنت غير مستعد لذلك! أما لو جربت - لا سمح الله - أن تفتح الباب و تعتذر عن عدم استقباله متعللا بأن الوقت غير مناسب فإنك تكون بذلك قد فتحت على نفسك أبواب الجحيم و ستصبح سمعتك على كل لسان و سيتم وصفك بأنك "قليل أدب" و "غير مضياف" و "بلا أخلاق"،  مع أن الله عز و جل يقول : (( و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم)) لكنك لن تجد تطبيقا لهذه الآية في المجتمعات القطيعية لأن هذا الخلق الرفيع لا يلتزم به و لا يفهمه سوى الأفراد الأحرار الحائزين على استقلالهم الكامل.

ففي المجتمعات الفردية - المجتمعات الغربية كمثال - تأتي خصوصية الفرد في المقام الأول، و لا يسمح الناس لأنفسهم بالتدخل في شئون الآخرين، ولن يأتي أحد لزيارتك دون موعد مسبق،  و حتى و لو طرق أحدهم باب بيتك دون موعد مسبق فيكون ذلك عادة من أجل ابلاغك بأمر ما أو لتوصيل غرض معين و عندها هو لا يتوقع منك أن تقوم باستقباله  و ليست وقاحة منك أن لا تقول له :"تفضل قهوة..تفضل شاي...تفضل عشاء!" ، بل إن عبارة مثل "كنت سأطلب منك الدخول لولا أني مشغول بأمر ما" تعد عبارة مهذبة جدا و مقبولة و سيقابلها الطرف الآخر بابتسامة عريضة ويعتذر عن ازعاجك أساسا، و ستستمر علاقتكما بعدها بشكل طبيعي للغاية.

أما لو اتصل بك أحدهم و لم ترد عليه ثم قمت بالاتصال به فلست مضطرا للاعتذار عن عدم الرد عليه و لن يقول لك اطلاقا أنه اتصل بك و لم ترد عليه فهذا يعد عيبا، بل و ربما يعتذر هو لك لانه اتصل بك سابقا و ازعجك
 و في هذه المجتمعات لا يسألك أحدهم أبدا عن راتبك ، و لا عن دينك و معتقداتك،  و لا عن سبب عدم زواجك ،و لا لماذا لم تنجب، و لا متى ستنجب، لن تتعرض لمثل هذه الأسئلة لأنها تعد خارجة عن اللياقة و تجاوزا للحدود و تطفلا على خصوصيات الآخرين.


أما في مجتمعاتنا فيتدخل الناس حتى في علاقتك بربك و يحاسبونك على صلاتك و صيامك و يشعر الواحد منهم أنك إذا كنت لا تصلي مثلا فإن عليه مسئولية اصلاحك، و إذا كنت لا تصوم فإنه يتوجب عليه اتخاذ اجراء صارم ناحيتك مع أن هذه شعائر بين العبد و ربه و لا علاقة لأحد فيها و لا يجب أصلا أن يكون لأحد رأي فيها...  و انما يجب علينا أن نحاسب الناس بناء على أخلاقهم و أمانتهم و نزاهتهم أما الشعائر التعبدية فلا حكم لنا فيها و ليس من حق أحد – و لا من واجبه – لعب دور الوصي ، لأن الله عز و جل لم يفوض أحدا بمحاسبة عباده (( إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم))

في مجتمعاتنا الاختلاف ممنوع لكن الخلاف مقبول: فهناك تهم الكفر و الزندقة ...فلا يحق لك أن تعتقد بغير ما يعتقدون...أو تفكر بغير ما يفكرون..يجب أن تؤمن بالله كما يؤمن جميع من حولك و أن تكون نظرتك للكون و لله كنظرتهم تماما،  فلا مجال للاختلاف في مجتمع القطيع، فالقطيع لا يحوي سوى أفرادا متشابهين إلى حد التطابق، يعيشون "متلاصقين"..." متراكمين"....كالغنم تلتف على بعضها إذا ذعرها الذئب ، و رحم الله الإمام الكواكبي رحمة واسعة.

December 16, 2016

!من "حمود" إلى "سيمونيه" يا قلبي لا تحزن


أنيس الباشا
تتميز شعوب دول شمال أوروبا  عادة بالهدوء، والقاعدة أنه كلما اتجهت شمالا فإنك تقابل شعوبا أكثر هدوءا ورقيا و "برودة" حتى تصل إلى القطب المتجمد الشمالي.. بينما تتميز شعوب دول حوض البحر الأبيض المتوسط و كذلك دول الجزيرة العربية و منها اليمن بأن شعوبها ذات طبيعة حارة انفعالية و صاخبة بعض الشيء..

فعلى سبيل المثال يمارس اليمنيون حياتهم اليومية بصخب وضجيج أصبح نوعا من الروتين وسمة لا يمكن فصلها عن المجتمع، فبمجرد نزولك إلى الشارع لابد من أن تسمع الأصوات المرتفعة والصراخ والضجيج الذي يكاد يخترق أذنيك ويمزق أعصابك، ولو جربت مثلا أن تدخل إلى أحد المطاعم لتتناول وجبة فستجد الصراخ والزعيق والهمهمات والضوضاء في كل مكان.. وسترى السُعاة يجرون طوال الوقت من مكان لآخر حتى يُخيل إليك أن المطعم عبارة عن ساحة حرب وليس مكانا لتناول الطعام..  وطوال جلوسك في المطعم لابد من ان تسمع طلبات الزبائن التي يكررها النادل بصوت حياني -جوار أذنك مباشرة- كي يسمعه الطباخ في آخر المطعم "نفر دقة يا ولييييييييييد" " نفر فاصوليا مع البيض يا وليييييييد"..

و من الأشياء المثيرة للاستغراب أنه يوجد في كل حارة يمنية شخص يدعى حمود و الجميع يبحث عنه، و لهذا لا بد من أن تسمع في أوقات متفرقة من النهار و كذلك المساء ذلك النداء الخالد: ""يا حمووووووووود" ! والمشكلة أن الأخ حمود لا يكلف خاطره ويرد لذلك يستمر النداء وتستمر الحكاية...

و بينما ينشغل اليمنيون في البحث عن "حمود" تجد الإيطاليين منشغلين في البحث عن "سيمونيه"! فعندما تجلس في انتظار الباص أو تكون في طريقك إلى السوبرماركت لا بد أن تسمع صوتا ايطاليا يخترق طبلة أذنك وهو ينادي : "سيمونيه"...!

فمثلا ذات مرة كنا نجلس على كرسي جوار محطة القطار وعلى نفس الكرسي جلست مراهقة ايطالية عليها سمات الهدوء و الرقة و بينما نحن على وشك تصديق تلك السمات صاحت فجأة بصوت عالي جعلنا ننتفض وكاد من قوته أن يمزق طبلة آذاننا "سيمونييييييييييه" ...! وإذا بها تنادي على فتى ايطالي على بعد مائتي متر على الاقل! والمذهل انها اخرجت ذلك الصوت الذي لا تقل شدته عن 85 ديسيبل وهي جالسة في مكانها بدون أن تنهض أو تتحرك أو يطرف لها رمش وربما لم ينبض لها عرق في عنقها كعادة الناس عندما يضطرون للصراخ! وهذا ليس بمستغرب فللإيطاليين أحبال صوتية متينة ذات قدرات عالية وجبارة لذا فلا عجب ان يكون اشهر مطربي الأوبرا من هذا البلد.
الشعب الإيطالي بطبعه صاخب، تماما كالشعب اليمني و في أسفل البناية التي كنا نسكن بها في مدينة قرب ميلانو كان هناك مطعم يذكرنا بمطاعم اليمن إلى حد ما حيث كان بإمكاننا سماع صخب الايطاليين وأحاديثهم وضحكاتهم خاصة في نهاية الأسبوع حتى يخيل لك ان هناك خلية نحل بشرية عملاقة تتناول الطعام داخل المطعم، وفي مرات عديدة كنا نضطر لدق باب جارتنا الايطالية لنطلب منها خفض صوت الموسيقى التي تنبعث طوال الليل و النهار من شقتها، أما لو ركبت الباص في أي مدينة ايطالية فبإمكانك وأنت جالس في مؤخرة الباص ان تستمع لمحادثة أناس يجلسون في المقدمة وكأنك تجلس بينهم و تشاركهم حديثهم.

لكن هذه القدارت الصوتية الصاخبة تقل كلما اتجهت شمالا في القارة العجوز.. فمثلا يمكن القول أن الألمان بطبيعتهم هادئون لا يميلون للصخب والضجيج خصوصا في شمال ألمانيا.. فهم هادئون في الشوارع وفي مواقف الحافلات وداخلها وفي القطارات والاسواق والمطاعم..ولو كنت في قطار ألماني فمن المؤكد أنك ستشعر بالنعاس من كثر الهدوء ولو نمت فلن توقظك أي اصوات عالية، ومن حسن الحظ أيضا أنه لا يوجد "حمود" ألماني ينادي عليه الألمان مما يساعد في انتشار الهدوء وحفظ السكينة العامة..والقوانين الألمانية واضحة ومحددة في هذا الشأن، فممنوع اصدار أي ضجة أو ازعاج بعد الساعة العاشرة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا، ويمكنك في هذه الحالة ان تتصل بالشرطة لو أن احدهم قام بعمل ضجة بعد الساعة العاشرة ليلا، ويُستثنى من هذا القانون اضطرار البعض لتشغيل آلة غسيل الملابس في وقت متأخر، وغير مسموح في نهار يوم الأحد أن تقوم بقص العشب في حديقتك بأي أداة أو آلة تصدر صوتا مزعجا فنهار الأحد يوم راحة للناس..حتى اقامة الحفلات الصاخبة في البيت له عدد مرات محدودة في السنة يسمح بها كحد أقصى!

 فإذا ما اتجهت شمالا أيضا فستجد أن السويديين هم أكثر شعوب الأرض هدوءا وربما تهذيبا أيضا..إذ من النادر جدا أن تتعامل مع السويدي في المتجر أو في المكتب أو في الشارع بدون أن تجد ذلك الهدوء والتعامل المهذب والابتسامة التي تزين الوجه.. وأغلب السويديين يتكلمون باستخدام الحد الأدنى لشدة الصوت والمُقدر ب "صفر" ديسيبل ومن النادر أن يتجاوز أحدهم هذه النسبة فهم يميلون للهدوء حتى في المناسبات التي تستوجب بعض الصراخ على الأقل.. في إحدى المرات شاهدت زفافا قرب إحدى الكنائس وكان هناك نساء ورجال و أطفال ومدعوون وبالونات وفقاقيع ولكني لم أنتبه لكل ذلك إلا حين أصبحت على بعد مترين فقط من ذلك التجمع! ولو لم ألتفت يمينا وأراهم بالصدفة لربما مررت بجوارهم بدون أن انتبه أساسا أن هناك أناسا مجتمعون للاحتفال، وذلك لانهم لم يصدروا أي أصوات عالية أو ملفتة تجعل من يمر بجوارهم ينتبه اليهم! (قارن هذا المشهد بمشهد أي عرس يقام في اليمن لتعرف الفرق!!)
حتى في المناسبات والأعياد الجماعية تجدهم مجتمعين يحتفلون بهدوء ووقار يشترك فيه الكل كبارا وصغارا..في مرة كان هناك تجمع للناس في ساحة إحدى المدن الصغيرة وقام البعض بعمل حلقة فيها رجال ونساء و اطفال ومراهقين من مختلف الاعمار والكل يدور ويرقص ولكن بهدوء شديد حتى يخيل اليك أن المنظر الذي تراه أمامك ليس حيا وانما يعرض على شاشة تلفاز ثلاثي الابعاد مع تشغيل زر كتم الصوت!
الشيء الوحيد الذي يكسر حالة التحفظ والهدوء هذه لدى السويديين هو الكحول..فحين يثمل السويدي يتحرر من تلك الطبيعة الهادئة والمنعزلة ويبدو انسانا مختلفا تماما ميالا للثرثرة والحديث والصخب! وتجده واقفا في الشارع يمسك بعلبة البيرة في يده ويتحدث مع أي شخص يمر بجواره بحماس وانفعال وربما يحكي قصة حياته كلها لمن يقرر أن يقف ويستمع إليه..

كنا نعرف كم أن السويديين بطبيعتهم هادئون لكن ما جعلنا نوقن من هذا الأمر هو ما رأيناه بأنفسنا عندما استيقظنا في أحد الأيام من النوم في الصباح وفتحنا النوافذ كالعادة للتهوية لنفاجىء بأن الشارع الطويل المجاور للمنزل والهادىء دائما قد تحول فجأة إلى بازار كبير مليء بالعربات والبضائع والملابس و...البشر!

وكانت هناك حركة مستمرة والناس تروح وتجيء وتشتري وتبيع وتتفرج، بل كانت هناك أماكن مخصصة للأطفال فيها ألعاب وبالونات وحيوانات موضوعة داخل أقفاص ليتفرج عليها الاطفال. 
متى حدث هذا؟ وكيف؟ بالتأكيد جاءت السيارات والشاحنات المحملة بالبضائع والأدوات والألواح وتم نصب الخيام والمصاطب ورص البضائع.. كل هذا حدث خلال الساعات الأولى للصباح لكننا لم نسمع أي أصوات مزعجة رغم قرب النوافذ من الشارع ولولا أننا فتحنا النوافذ لما عرفنا أصلا أن هناك سوقا في الجوار! 




  

تذكرت في صنعاء سوق القات – الصغير – و الذي يقع بالقرب من البيت الذي كنت أسكن فيه و على الرغم من صغر ذلك السوق إلا أنه يصدر ضجة تفوق ما يمكن ان ينجم عن عشرة مصانع عملاقة ..ورغم أنني كنت أقطن في الدور الثاني وتفصلني بضعة أمتار عن السوق إلا أننا كنا نسمع ضجيج الناس هناك وصراخهم كأنهم معنا وسط البيت!


نعود إلى حديثنا عن السوق السويدي الذي هبط فجأة من السماء دون أي ضجيج ، فقد خرجنا يومها وتجولنا في السوق الذي عرفنا أنه يقام مرة واحدة في السنة، و شاهدنا الناس تبيع و تشتري و لم نسمع صوتا و ان كنا نرى شفاها تتحرك!! و عندما تجولنا فيما يشبه "حديقة الحيوانات" التي أقيمت لعرض حيوانات المزرعة لاحظنا أن الحيوانات أيضا كانت هادئة فلا الدجاج "يبق بق" و لا الديك "يكاكي" و لا البقرة تموء و سبحان الله العظيم...






كما شاهدنا طفلا – لا يتعدى عمره بضعة أشهر - ممدا في عربة الأطفال و والده يدفع العربة، و كان الطفل مستغرقا في البكاء و "الصراخ"..! لكن الصراخ السويدي يختلف عن أي صراخ تجده في أي مكان في العالم...فحتى الطفل ذو الأشهر المعدودة كان صراخه مهذبا للغاية لا يقلق السكينة العامة كما يفعل صراخ أطفالنا حفظهم الله ..


وما أن حلت الساعة الثالثة والنصف عصرا حتى لملم الباعة بضائعهم ومعداتهم ورحلت العربات واختفى السوق تماما كما بدأ وكأنه لم يكن ولاحظنا أن الشارع والمكان كله تم تنظيفه بعناية حتى يخيل لمن ينظر إليه بعد دقائق من رحيل الناس أنه لم يكن هناك شيء في الشارع قبل بضع ساعات فقط!



نعم..الهدوء السويدي مثير للإعجاب بالفعل، وكذلك طريقتهم في التنظيم والحرص على نظافة الأماكن العامة وهي أمور لا تشاهدها في كل دول أوروبا انما في بعض الدول خصوصا في شمال أوروبا..حيث لا وجود لحمود و لا سيمونيه....!


November 29, 2016

كيف تكتب رواية عصرية ناجحة؟

أنيس الباشا


فيما مضى كانت الكتابة وتأليف القصص والروايات مسألة صعبة وشاقة تتطلب وجود موهبة خاصة وتستدعي من الكاتب أو المؤلف أن يستخدم كل مهاراته وأن يعتصر عقله ويطوع قلمه ليتمكن من إخراج قطعة أدبية قيمة تحجز مكانها بجدارة وسط بقية الأعمال المتميزة التي تنتجها قرائح المبدعين وتشكل مصدر الهام ومحل دراسة للأجيال اللاحقة..

أما اليوم فلم تعد الكتابة وتأليف القصص مسألة صعبة أو معقدة أو حتى تحتاج إلى مهارات أومواهب خاصة ومتميزة، ويكفي أن تتبع قواعد معينة وتستخدم أساليب معروفة لتنتج قصصا تحقق نجاحا وانتشارا ساحقا بل وتحصد أيضا عددا من الجوائز والأوسمة!..ولايهم حينها ما قيمة هذا العمل الأدبي وما الذي اضافه على مستوى المعرفة أوالثقافة أوالأدب أو التجارب والخبرات ، المهم أننا في عصر السرعة والانتشار والتركيز على "الشكل" على حساب "المضمون"..

وهذه الأساليب التي يتبعها كتاب اليوم تكاد أن تكون واحدة في مجملها وبينها اختلافات طفيفة تختلف فقط باختلاف الكاتب، إنما في نهاية المطاف لابد أن تجد هذه القواعد المتبعة من قبل المؤلفين منفردة أو مجتمعة فيما يُعرف اليوم ب"الأعمال الأدبية"، وعليك إذا أردت أن تكتب عملا أدبيا يحقق نجاحا مضمونا أن تستخدم هذه الأساليب الموضحة أدناه:

أولا: التوجه
التوجه عنصر مهم وحيوي جدا في نجاح وانتشار أي قصة الآن..عليك قبل أن تقرر كتابة أي قصة أن تقضي وقتا كافيا في متابعة نشرات الاخبار وقراءة وتحليل التقارير والتصريحات والمقالات الصحفية لتعرف ما هو الاتجاه والمزاج العام لدى الحكومات والمجتمعات الغربية وحتى المنظمات الانسانية والدولية العاملة في مختلف الدول.. فمثلا على المستوى السياسي إذا كان التوجه العام يصب ناحية تركيز العداء ناحية دولة ما أو نظام ما أو جماعة ما..فعليك أن تمسك بهذا الخيط وتبني عملك الأدبي كله على أساسه بحيث تتبنى في قصتك نفس الموقف الذي يتبناه الرأي المحلي والغربي، أما اذا كانت المنظمات الدولية تولول على موضوعات معينة وتسلط عليها الضوء مثل قضية الزواج المبكر أو تجنيد الأطفال فلتكتب قصة يكون بطلها طفل تم تجنيده أو رواية بطلتها طفلة تعرضت للزواج المبكر وعاشت تجربة بشعة، أو اكتب قصة تُظهر فيها بشكل مبالغ سيئات وعيوب نظام ما أو جماعة معينة يعاديها العالم ويهاجمها الإعلام ..وهكذا بحيث تجعل قصتك دائما ذات توجه يتماشى مع ما يشغل المجتمع الدولي بشقيه الحكومي والإنساني ولا تلتفت لأي معيار آخر عند اختيارك لموضوع عملك الأدبي..

ثانيا: عنوان القصة
احرص على ان يكون عنوان القصة غريبا ومركبا على غرار "متدحرجا أحببت زمنا" أو "عندما يعطس المريخ" أو "الطحالب تعشق مرتين"...الخ، أو استخدم مفردات غير مفهومة بالمرة مثل "بلاتنتيسفشخ" أو " سنطعيز 7".. هذه العناوين تساعد على تسويق الرواية مبكرا قبل حتى أن يقرأها أحد وتعطي القارىء إيحاء بأنه مقبل على قراءة نص غير تقليدي وخطير، وكن على يقين بأنه لا يمكن لأي ناقد أو قارىء أن يتجرأ وينقد أو يسفه رواية يحمل غلافها اسم "سنطعيز 7" والا اتهموه بالتخلف وقصر النظر وعدم مسايرة الحداثة!

ثالثا: لغة القصة
عليك أن تحرص على تطعيم وتضمين القصة بعبارات وكلمات توحي بالغموض والحداثة مثل : انتابته مشاعر لازوردية.. مثلما تلاشى الطحلب الزغبي في غياهب السديم الأزرق..رائحة الوقت البنفسجية.. الهوامش الانكسارية.. النظرات الخنفشارية..
وغيرها من الجمل التي يمكنك كتابة مئات منها في جلسة واحدة وأنت تحتسي كوبا من القهوة..

واستخدم ايضا جمل وتعبيرات معقدة من هنا وهناك توحي للقراء بأنك مثقف من الطراز الثقيل الذي يقرأ في اليوم مائة كتاب على الأقل (يمكنك الاستعانة ببعض مواقع الانترنت لتساعدك في تركيب هذه الجمل):
كرحلة برومثيوس الأزلية في بحر كريت..
عيناها كعيني ديوجين في بحثه المحموم عن رجل أمين.. 
كلا.. لن أصرخ كما صرخ سبارتاكوس في وجه طغاة روما..
 تنتظره هناك كما انتظرت بياتريس دانتي على أبواب الجحيم..
 سوداوي كأنه قادم من عوالم كافكا المظلمة..الخ

 فالقارىء العادي لن يفهم معظم هذه العبارات لكنه سيشعر بالقشعريرة حتما وهو يقرأها وستنتابه الهيبة من القصة ومن كاتبها ولن يجرؤ على أن يعلن أنه لم يفهم شيئا من هذا الكلام بل على العكس سيتظاهر بأنه معك على طول الخط وأن كلماتك "هزته حتى الأعماق" بل وربما يبكي من شدة التأثر والرهبة..

رابعا: محتوى القصة
عليك أن تعرف أنه لا يهم إن كانت قصتك مترابطة أم لا.. تحمل في طياتها رسالة أو هدف تريد ايصاله للقارىء أم لا، ففي عصر الحداثة كما قلنا الشكل أهم من المضمون لذلك عليك ألا تتعب نفسك وتضيع وقتك في محاولة بناء شخصيات القصة وتدقيق الحبكة وصياغتها وكل هذا الهراء الذي تخصص فيه الأولون وبرعوا فيه لانه كان لديهم المزاج الرائق للإهتمام بهكذا تفاصيل وكان لديهم جمهور يستمتع بذلك الاتقان..أما نحن فنعيش في عصر السرعة والبحث عن الاضواء والجوائز والإعجاب السريع المتفجر لذا عليك أن تركز على القشور وأن تنوع في المحتوى بحيث يناسب رغبات الجمهور المتعطش للجنس والعنف والابتذال..عليك أن تجعل الجنس جزءا من مكونات القصة حتى لو أقحمته فيها بشكل واضح وصريح لا يخدم سياق القصة، ولا بأس ببعض العنف أيضا خصوصا ضد النساء، واذا كنت تضع نصب عينيك وأنت تكتب تلك المؤسسات الغربية التي تقوم بتوزيع الجوائز وترجمة القصص العربية فعليك أن تجدف في الرواية وأن تجعل فكرتها الرئيسية تتمحور حول سوء معاملة المرأة التي ستقرر أن تتمرد وهو - أي التمرد - ما سيقوم به كل أبطال قصتك حيث يتمردون ويشككون في كل شيء ..في الدين وفي الخالق وفي كل الثوابت والقيم والأخلاق..

خامسا: أبطال القصة
سواء كانت بطلة الرواية جميلة أم قبيحة، سطحية أم عميقة، احرص على أن يكون اسمها "لارا" .. إن فرص نجاح القصص الحديثة التي تدعى فيها البطلة لارا كبيرة جدا اذا ما قارناها بالقصص الأخرى التي يكون فيها اسم البطلة فاطمة أو رشيدة مثلا.. فإذا ما وجدت ان كل القصص المنشورة مؤخرا استخدمت اسم "لارا" فاختر احد الاسماء التي تجدها في أي مسلسل تركي مدبلج وسيفي بالغرض، ويمكنك ايضا حين تصف البطلة ان تتخيل نفس شكل الممثلة التي اخذت هذا الاسم في المسلسل وهكذا توفر على نفسك عناء التخيل..أما بطل القصة فعليك أن تجعل شخصيته مزيجا من الشرق والغرب في نفس الوقت.. فهو شرقي حار الطبع غيور يحب الأكل المليء بالبهارات– وربما يصلي إذا كنت لن تلعب على تيمة الكفر و الالحاد- وهو في نفس الوقت عصري متحرر "كوول" يحب سماع موسيقى شوبارت وباخ ويعشق أكل ال "تشيز برجر"، كما أنه يدخن ويشرب البيرة والشمبانيا وربما الفودكا أيضا " وحاول أن تقرأ قليلا عن الفرق بين هذه المشروبات الروحية لأن القارىء الغربي سيلاحظ جهلك بسرعة عندما يقرأ ما كتبت عن هذه الأمور"

وهكذا وباتباعك لهذه الخطوات فإنك تضمن نجاحا ساحقا لقصتك وأن يتم طباعتها أكثر من مرة وربما ترجمتها للغات أخرى..خصوصا حين يقوم أحد النقاد الكبار – عن طريق الإحراج أو المجاملة أو حتى الشفقة-  بالكتابة عن روايتك ويصفها بأنها تُشكل"فتحا" في عالم الرواية الحديثة ونموذجا سيُحتذى به لعدة أجيال قادمة!

صحيح أن كثيرين الان يتبعون نفس الخطوات ويستخدمون أساليب متشابهة بل وربما الكلمات ذاتها مع بعض التغيير، فمثلا  قد تجد في رواية أن لون السديم "بنفسجي" ورائحة الوقت "زرقاء"، بينما في رواية أخرى العكس حيث يكون لون السديم "ازرق" ورائحة الوقت "بنفسجية" ، وبعضهم قد يجعل الهوامش "خنفشارية" ويصف النظرات بأنها "انكسارية".. لا بأس.. لا تجعل هذا يحبطك أويفت في عضدك ..أولا لأن معظم القراء لن ينتبهوا لهذا الأمر، وثانيا لانه بإمكانك دائما ان تضع بصمتك الخاصة وأن تصمم بنفسك مصطلحاتك "الخنفشارية السديمية" وأن تكسر كل الخطوط الحمراء التي كسرها من قبلك ..

المهم أن تتذكر دائما أن الهدف ليس كتابة قصة هادفة مفهومة لها جسم ورأس وذيل، بل المهم هو الحذلقة والتصنع والغموض وهي الطينة التي يمكنك أن تشكلها كما تشاء لتخرج منها بعشرات القصص الناجحة في زمن الرداءة الذي نعيشه.. لهذا لا تتردد كثيرا بل شمر عن ساعديك واشحذ قلمك واحجز لنفسك مكانا في هذا العالم المتعطش لكل ما هو سطحي وتافه..

ومبروك عليك الجائزة مقدما يا "مُبدع"!