Pages

December 30, 2016

البحث عن بطل


أنيس الباشا

عندما قام مصطفى كمال أتاتورك بهزيمة اليونانيين عام 1922 في معركة سالونيك الشهيرة وتمكن من طرد قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وايطاليا) من بلاده، ابتهج العالم الإسلامي بهذا "النصر" المبين وخلعوا علي أتاتورك الألقاب والأوسمة فأسموه الغازي والفاتح، ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء واعتبروه بطلا يسعى لاستعادة مجد الخلافة الإسلامية ووصل الأمر بأمير الشعراء أحمد شوقي لأن يمدحه في قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها:
الله أكبر كم في الفتح من عجب    يا خالد الترك جدد خالد العرب!
حتى يصل في اخر القصيدة إلى قوله:

تقول لولا الفتى التركي حل بنا     يوم كيوم يهود كان عن كثب

وحين انتُخب أتاتورك رئيسا للبلاد بعد تلك الأحداث بسنة أعلن ولادة الجمهورية التركية الحديثة وقام بإلغاء الخلافة وتبنى نظام يقوم على علمانية الدولة، وهنا شعر العرب بأنهم قد "خُدعوا" فصبوا جام غضبهم على الرجل الذي مدحوه بالأمس ونعتوه بالشيطان والمجرم والخائن والعميل والصهيوني و..و..

وبعد أن كان أتاتورك سيف الله المسلول في قصيدة شوقي الأولى عاد هذا الأخير ليهجوه ويصفه ب "العربيد" في قصيدة أخرى يقول فيها:

بكــت الصـلاة و تلــك فتنــة عـابث     بالشـرع عــربيد القضاء و قـاح
أفــتى خـزعبلة و قــــال ضــلالة       و أتــى بكفــر فــي البــلاد بـواح

تذكرت هذا الموضوع عند متابعتي لأحداث الانقلاب ’الفاشل’ الذي وقع في تركيا مؤخرا، والقصة ملخصها أن فصيلا من المؤسسة العسكرية التركية سعى لتنفيذ انقلاب وخلع أردوجان من السلطة، لكن قيادة الجيش وقفت ضد هذه المحاولة وكذلك الشعب التركي الذي نزل الالاف من أفراده إلى الشوارع بناء على دعوة وجهها لهم أردوجان ليقاوموا ذلك التمرد العسكري، وهكذا تم اخماد الانقلاب وابتهج المواطنون الأتراك وكان من الملاحظ أنهم- خلال هذه الأحداث-  قاموا برفع العلم التركي الذي يمثل هويتهم وانتماؤهم إلى بلدهم ككل..

وفي خضم تلك الأحداث لم يرفع الأتراك صور رئيسهم و يقوموا بوضعها بدل من صور ملفاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وهم الذين نزلوا إلى الشوارع ليدافعوا عن شرعيته واضعين نصب أعينهم رغبة واعية لا تريد العودة إلى حكم العسكر ولا ترغب في أن تخسر المكاسب الاقتصادية والمدنية التي تمتع بها بلدهم مؤخرا، لكن الغريب أن العرب كانوا هم من قام برفع صور أردوجان ووضعها في صور ’البروفايلات’ الخاصة بهم! 

وعبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثات انهالت القصائد والمقاطع والابتهالات والدعوات من كل حدب وصوب تدعو لأردوجان وتهتف باسمه أثناء حصول الانقلاب، ثم سالت الدموع والعبرات والفرحة والاستبشار بنصر الله وتثبيته لعبده أردوجان وتمكينه من رقاب أعدائه الأشرار، حتى أن المرء حين يرى كل هذه الانفعالات "العربية" يتصور أنهم يتحدثون عن معركة "بدر" جديدة يفرق الله بها بين الحق والباطل ، أو أن السيد أردوجان كان يقاتل الإسرائيليين على رأس جيوش المسلمين عند باحة المسجد الأقصى ولم يقم قبل بضعة أيام فقط من حدوث هذا الانقلاب بالتطبيع الكامل مع الكيان الاسرائيلي!

ورغم اجماع العديد من المراقبين والمحللين على أن السياسات التي اتخذها الرئيس التركي مؤخرا والتي يتسم معظمها بالغرور والغطرسة لم تخدم مصالح بلده بل أدت إلى تضرر تركيا اقتصاديا وسياسيا، يضاف إلى ذلك التحالف القوي بين أردوجان ودول مثل قطر والسعودية ومحاولة هذا المحور استخدام لغة القوة – عن طريق دعم مجموعات متهمة بالإرهاب – وذلك لفرض تغيرات في المنطقة خصوصا في سوريا واليمن، كل هذه أسباب لا يفترض أن تجعل من أردوجان "بطلا" بالنسبة للعرب على الأقل الذين كان الأحرى بهم أن يوفروا الجهود المعنوية التي بذلوها في الدعاء والبكاء لله كي ينصر السيد أردوجان وأن يوجهوا جهودهم تلك للتفكير في واقعهم وحالهم المزري في ظل الفوصى العارمة التي تعم المنطقة والتي يخيم شبحها على الجميع بلا استثناء..

  لكن العرب دائما يبحثون عن بطل..أي بطل، ولا يهم إن كان هذا البطل والرمز شخصا مستبدا أو ظالما أو حتى غير عابىء بهم وبهمومهم وتطلعاتهم، ومثلما حدث مع أتاتورك يحدث الآن مع أردوجان، فأتاتورك لم يتعهد للعرب بشيء وخاض حربه من أجل أهداف لا علاقة لها بتوهمات الحالمين الساذجة عن استعادة أمجاد الخلافة الزائلة، والسيد أردوجان أيضا يخوض حربه الخاصة ويسعى لتقويض خصومه في الداخل والخارج وتوسيع سلطانه وسلطاته، وفي سبيل تحقيق مآربه سيقوم بالتطبيع مع إسرائيل وسيعتذر لبوتين، لكنه لن يفعل شيئا لأولئك العرب الذين ابتهلوا وتضرعوا لله من أجل أن ينصره على خصومه، فهو لن يرسل لهم برقية شكر أو باقة ورد بل وربما استمر في نفس مواقفه التي تضر بالمنطقة وتزيد من بؤر الاشتعال والصراعات فيها مثل إصراره على الاطاحة بالنظام السوري و الاستمرار في دعم السعودية وتحالفها العربي في حربها الوحشية ضد اليمن!


على العرب أن يتعلموا من دروس الماضي وعِبر التاريخ وأن يخرجوا من عقدة الأب- القائد المسيطرة على عقولهم وتفكيرهم الجمعي و أن يكفوا عن محاولة البحث عن أبطال، والمشكلة أنهم إن وجدوا من يصلح للقيادة قاموا بتحويله إلى طاغية مستبد وهو الفن الذي يجيدونه إجادة تامة. 

 محاولة العرب الدؤوبة للبحث عن بطل ينتشلهم من واقعهم المرير تشبه محاولة الفيلسوف اليوناني الشهير ديوجين الذي كان يخرج تحت جنح الظلام في شوارع أثينا حاملا مصباحا يفتش به عن شخص واحد شريف، ونحن لا نحتاج إلى أن نحمل مصابيح نبحث بها عن بطل ولو كان "مستوردا" كي نلبسه همومنا واحباطاتنا ونعلق عليه آمالنا، بل نحتاج إلى أن نسلط الضوء على أعماقنا وضمائرنا ونعيد مراجعة حساباتنا ولنتعلم الدرس من الشعب التركي الذي كان هو ’البطل’ الحقيقي في المحنة التي مر بها زعيمه وكادت أن تطيح به وبأحلامه السلطانية!


December 25, 2016

! رغم أنف الكارهين: ميلاد مجيد و سنة جديدة سعيدة







رشا المقالح


إنه الكريسماس...تزادن الشوارع و البيوت و المحلات بالأضواء و  الزينة الخاصة بهذه المناسبة بما فيها شجرة الميلاد،  و يتبادل الناس الهدايا و الرسائل و بطاقات التهنئة، و يتجمع الأهل و الأصدقاء و يترقب الأطفال الهدايا التي سيحضرها "سانتا كلوز" لهم في هذا الوقت من العام.








طقوس و إن اختلفت كثيرا في شكلها إلا إنها تذكرني كثيرا بأعيادنا التي نحتفل بها كمسلمين: بهجة الأطفال و لقاء الأهل و الأصدقاء و تبادل الزيارات و شراء الملابس الجديدة و  غيرها من الطقوس التي ترافق العيد.







 طقوس تذكرنا دائما أنه لا يوجد ما هو أجمل من البهجة و السلام و سعادة الأطفال، و لا ما هو أبشع من الألم و الحروب و دموع الصغار.






لكن الغريب أنه ما إن يبدأ موسم الكريسماس و يبدأ المؤمنون من المسيحيين الاحتفال بهذه المناسبة و غير المؤمنين في الاسترخاء و الراحة و قضاء الوقت مع العائلة و المقربين،  ينشط كثير من المسلمين على وسائل التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك و أيضا في تطبيقات الرسائل الفورية مثل الواتس اب، ينشطون في إرسال الرسائل التحذيرية التي تنذر المسلمين و تنبههم إلى عدم تهنئة النصارى بالكريسماس بل و يعدونهم بالويل و الثبور و عظائم الأمور إن هم قاموا بارتكاب جريمة "التهنئة"..!

ثم يرددون – هم هم نفس الأشخاص  – في مناسبات أخرى كيف أن الإسلام هو دين السلام و الرحمة و أنه الدين الوحيد الذي أحسن إلى اليهود و النصارى و أنهم عاشوا في ظل الحكم الإسلامي حياة هانئة و سعيدة، فما هو الإحسان الذي يقصدونه إذا كان مجرد تهنئة أحدهم بعيده تعد كبيرة من الكبائر بل و يقرنونها بقتل النفس؟!


  يقول ابن القيم في كتابه ( أحكام أهل الذمة) : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول : عيد مبارك عليك ، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات. وهو بمنـزلة أن تهنئه بسجوده للصليب ، بل ذلك أعظم إثماً عند الله ، وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس ، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه . وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ، ولا يدري قبح ما فعل ، فمن هنأ عبداً بمعصية ، أو بدعة ، أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه "

أتعجب كيف يتجرأ أحدهم و يتحدث هكذا نيابة عن الله فيقول: "سيغضب الله"و "سيسخط الله " و "ذلك أعظم إثما عند الله" و كأنه المتحدث الرسمي باسم الله و لله المثل الأعلى.

و كيف تكون تهنئة أحدهم بالكريسماس أكبر و أعظم عند الله من "التهئنة بقتل النفس"؟؟!!

الكريسماس ببساطة هو يوم ميلاد النبي عيسى بالنسبة للمسيحيين، و رغم أننا نختلف معهم في أن المسيح ليس ابن الله و انما رسوله و لكننا لا نختلف على أن المسيح ولد في يوم من الأيام كما ولد النبي محمد. أي أن هناك يوم للميلاد، و عندما تقول لأحدهم "ميلاد مجيد أو سعيد" فما وجه التحريم و الغضب و السخط و المقت؟؟!! و لماذا تقارن تلك التهنئة بقتل النفس أصلا؟

العجيب أيضا أن كثيرا من المسلمين يختلط عليه الأمر فيعتقد أن الكريسماس هو رأس السنة الميلادية و هذا غير صحيح..! فالكريسماس يأتي في اليوم الخامس و العشرين من ديسمبر و هو احتفال ديني بمولد المسيح أما رأس السنة الميلادية فهي في الواحد و الثلاثين من ديسمبر أي في آخر يوم في العام الميلادي الحالي، و هي مناسبة ليست دينية و إنما يحتفل بها جميع سكان الأرض حيث يودعون سنة "إدارية" و يستقبلون سنة أخرى، فمن منا لا يستخدم التقويم الميلادي؟؟!!

على كل حال من عرف الله حق المعرفة لا يشعر بالتهديد و الخوف من احتفالات الآخرين و لا تقلقه معتقدات الآخرين...من عرف الله حق المعرفة يسعد لسعادة الناس و يفرح لتقارب الشعوب مع بعضها و لا ينشط في تأليبهم على بعضهم البعض و نشر الكراهية و البغضاء بين الناس...
 "ميلاد مجيد" للمؤمنين المسيحيين، و "عطلة سعيدة" لغير المؤمنيين...و سنة جديدة سعيدة للجميع، جعلها الله سنة خير و أمن و محبة في بلداننا  المنهكة.

December 22, 2016

بين الدف و الجيتار


أنيس الباشا 

قبل سنوات عديدة كان لي صديق هنجاري شاب اعتنق الاسلام بعد حياة عابثة لاهية كادت تودي به إلى الموت، وكعادة كل من يدخل في التزام ديني بعد انفلات تام وتحرر فقد تغلبت مظاهر التشدد على جوهر وصميم الدين لديه فأطلق لحيته وبدأ في ارتداء الجلباب الأبيض القصير واستخدام السواك...الخ

كان الشيء الوحيد الذي يجيده ويبرع فيه هذا الصديق هو الموسيقى والغناء..فقد كان مغنيا وعازفا ماهرا تعلم العزف على البيانو والجيتار منذ نعومة أظافره، وأراد أن يواصل مسيرته الفنية لكن بالتزام ديني من وجهة نظره يتمثل في أن الموسيقى "حرام" بالتالي فلا ايقاع ولا أدوات موسيقية..

تناقشت معه كثيرا محاولا اقناعه بأن الموسيقى ليست حرام وأنه حين يغني الآن ويستخدم الأدوات الموسيقية فهو لا يمارس منكرا ولا يأتي فاحشة بل على العكس فإن اختياره لأغاني راقية ومؤثرة هو عمل جيد يؤجر عليه إن  اتقنه خاصة وهو يملك صوتا قويا جميلا.. قلت له ان بإمكانه ان يكون مثل سامي يوسف مثلا فهو مغني مسلم يستخدم الموسيقى ويقدم فنا راقيا وجميلا يطرب الناس، لكن صديقي هذا لم يقتنع وظل يردد لي بانجليزيته البسيطة جملة if you doubt, leave  وهو يعني بها الحديث الشهير المنسوب للنبي عليه الصلاة والسلام والذي يتحدث عن الشبهات وان من يتقيها فقد سلم واستبرأ لدينه!

وحين رأيت اصراره توقفت عن محاولة اقناعه وظللنا على تواصل من حين لآخر بقدر ما تسمح به ظروف الحياة ومشاغلها لكلينا، إلى أن دعاني يوما للقائه في استديو صغير استأجره في مدينة الحديدة وحين ذهبت إذا بي أرى عنده آلات موسيقية وعرفت منه انه قام مؤخرا بتسجيل بعض الاغاني واستخدم فيها آلات موسيقية واعطاني نسخة من هذه التسجيلات، وعرفت انه لم يستطع ان يقطع علاقته بالموسيقى كما كان يريد وان حبه الفطري لها كان أكبر مما يمكنه مقاومته..

و ما حصل مع صديقي الهنجاري هو نتيجة طبيعية لتغلب الفطرة السوية النقية على التشدد المغلف باسم الدين والدين منه براء، وقد كان الأمر الشاذ في نظري أن يستمر في كرهه وبعده عن الموسيقى والغناء بدعوى التدين.. والغريب أن من يكرهون الغناء والموسيقى ويتشددون ويبالغون في تحريمهما ليس عندهم حجة دينية أو منطقية لكن يكفي من وجهة نظرهم أن ابن مسعود قال ثلاث مرات أن المقصود بمصطلح "لهو الحديث" هو الموسيقى والغناء!

والمتأمل المدقق لكتاب الله الكريم لا يجد فيه أبدا أي تحريم للموسيقى أو للغناء وهو الذي أخبرنا سبحانه انه قد فصل لنا ما حرم علينا، وكل الآيات التي يستدل بها من يحاججون بحرمة الموسيقى والغناء ليس فيها اي اشارة صريحة أو حتى ضمنية لذلك فهم يتبعون الظن ومالهم بهذه المسألة من علم..ومن الغريب أن جميع الآيات التي يورودونها بزعم انها تحرم الموسيقى مكية أي نزلت على النبي الكريم في مكة وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى – بحسب زعمهم- قد حرص على تحريم الغناء في بداية الدعوة في مكة بينما سكت سبحانه عن الخمر ولم يأمر المسلمين باجتنابها الا بعد ذلك بسنوات حين هاجر النبي واستقر في المدينة حيث أن آيات اجتناب الخمر كلها نزلت في المدينة!

ولو جئنا للحديث وهو المصدر الأول والمهيمن للتشريع عند غالبية المشائخ والفقهاء لوجدنا أن أقوى ما في جعبتهم بخصوص الموسيقى والغناء هو حديث البخاري الشهير "ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف"

وبالطبع هناك أيضا الحديث الذي رواه ابن ماجه وصححه الألباني " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رؤوسهم المعازف والمغنيات يخسف الله بهم الارض ويجعل منهم القردة والخنازير"

وقبل الخوض في متون هذه الاحاديث ، فإن خبراء ما اصطلح على تسميته ب "علم" الحديث يعرفون أن سند حديث البخاري منقطع وقد رواه البخاري معلقا، أما المتن فإن التخويف المهول في حديث ابن ماجه والعقوبة المذكورة مبالغ فيها للغاية لمن يستحلون الخمر والمعازف وكأنهم ارتكبوا أشنع الجرائم بحيث يستحقون الخسف والمسخ مع ان الخطاب القرآني في النهي عن الخمر واجتنابها لم يكن بهذا التشنج والمبالغة والتهويل "فهل أنتم منتهون"..فإذا كان المسخ والخسف جزاء من يستمع للاغاني فما جزاء من يقتلون الناس ويظلمونهم ويستحلون أموالهم وأعراضهم؟؟ 

والمضحك أن الجميع يعرف ان اكثر من ينطبق عليهم ما جاء في هذه الأحاديث من استحلال للخمر والحرير والمعازف والمغنيات هم الحكام والامراء.. وما يحدث في قصور واستراحات هؤلاء  من حفلات وخمر ومجون ولهو هو أمر معروف ليس في العصر الحديث فقط وانما من العصور الأموية والعباسية وما تلاها ومع ذلك لم نسمع أو نقرأ أن الله خسف بهم أو مسخ بعضهم إلى قردة أو خنازير!

ومن ناحية أخرى فإننا نلاحظ  أن الخمر في حديث البخاري يسبق المعازف بينما في القران العكس، بمعنى انه لو كان تحريم الخمر من وجهة نظر الفقهاء اسبق واهم من تحريم المعازف لكان أولى ان يكون هذا الترتيب مطابقا لما جاء في القرآن لكننا نرى في القرآن ان تحريم الغناء سبق تحريم الخمر اذا ما قبلنا الايات التي يدعون انها تحرم الموسيقى وهي كما أسلفت آيات مكية..

ثانيا..لو سلمنا جدلا - فقط جدلا -  بصحة ما جاء في هذه الأحاديث المشكوك في سندها ومتنها فإن الصورة التي يرسمها النص لابد أن تؤخذ وتُفهم بشكل كامل وكلي وليس بشكل سطحي هستيري متشنج..

خمر ومعازف ومغنيات وخسف وقردة وخنازير.. يمكننا لو تمعنا قليلا ان ندرك أن الكلام يصف "جوا" موبوءا بكل ما فيه وليس الامر موقوفا على مجرد سماع اغنية او موسيقى.. ولو شئنا ان نكون اكثر دقة واسقطنا هذا الوصف على الواقع المُعاش لقلنا ان الاحاديث اعلاه تتكلم عن ما يجري في النوادي الليلية والتجمعات المشبوهة المليئة بالموبقات والتي تصاحبها عادة هذه المفردات من خمور وغناء وتعري و...و... وهي أمور تعافها النفس السوية ولا تحتاج إلى أن نرجع لابن ماجه أو الألباني لكي ندرك ذلك..

أما لو قام شخص ما بتشغيل مقطوعة موسيقية لباخ أو موتسارت او استمع لاغنية لأم كلثوم أو فريد الأطرش فهل معنى هذا انه ارتكب كبيرة من الكبائر واصبح داخلا في الفئة التي يصفها هذا الحديث ويستحق بالتالي ان يخسف الله به الارض او يمسخه الى خنزير؟؟

ثم يأتيك المتفتحون والمنفتحون من أدعياء التدين ليطمئنوك بابتسامة واسعة بأن الدين ليس فيه تشدد والدليل على ذلك أن "الدف" مُستثنى من تحريم الموسيقى.. ولسان حالهم يقول ماذا تريدون بعد هذه المنحة والمنة؟ عليكم أن تحمدوا الله! ولا يدري المرء كيف يمكن مخاطبة هذه العقلية السطحية والبليدة في نفس الوقت.. وكيف يمكن افهامهم بأنه ليس هناك استثناء ولا انتقاء وأن الدف كان هو أداة موسيقية معروفة وشائعة الاستخدام في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، و أنه لو كان عرب قريش ويثرب يستخدمون الجيتار مثلا لانطبق عليه اليوم نفس كلام من يحللون الدف ولكان اصحاب منهج تحريم الموسيقى الان يرفضون كل الأدوات الموسيقية – بما فيها الدف-  ويقبلون فقط الجيتار و لطلعوا علينا بمقولة : "الموسيقى حرام...ماعدا الجيتار!".

وكانت نتيجة هذا التشدد الأعمى أن حرم الكثيرون انفسهم من سماع الموسيقى مع أنها تهذب الروح وترقق النفس وتساعد على الاسترخاء..ويكفي أن يستمع المرء لمقطوعة من المقطوعات الموسيقية التي ابدعها عباقرة الموسيقى على مر العصور ليعرف كم هو مضحك وغير منطقي أن يصنف هذا الفعل على انه "حرام" وكبيرة من الكبائر تخرج صاحبها من الدين وتستوجب غضب الله سبحانه وتعالى..

ولو نظرنا الى المجتمعات المليئة بالموسيقى وحب الموسيقى وتمجيدها لوجدناها في الغالب مجتمعات مسالمة رقيقة محبة للجمال بينما مجتمعات تحريم الغناء والموسيقى تميل للغلظة والفظاظة والتطرف وتكره التمتع بمباهج الحياة ومتعها البريئة ..

ولأن صديقي الهنجاري جاء من مجتمع لم يتربى على أن الموسيقى ذنب و جرم فقد تغلبت فطرته في النهاية على قشور التدين المستجدة عليها، وأدرك أنه لا علاقة بين كونه مسلم متدين وبين حبه للموسيقى والغناء، وهكذا ينبغي أن يفعل كل انسان سوي لديه عقل وإدارك.. والحرام بين والحلال بين.. وعلينا أن نتعلم كيف نحب الحياة ونحب الاشياء الجميلة فيها، وعلى الناس أن تنبذ أدعياء التدين و أعداء الفطرة ممن يلصقون الدين بالتشدد والتزمت بسبب خلل في نفوسهم وعقلياتهم، ولعل الطباع الغليظة لهؤلاء ترق قليلا لو جربوا الاستماع للموسيقى من حين لآخر، ومن يدري لربما استطاعت الموسيقى ان تلين قلوبهم وتزيل منها بعض الغلظة والفظاظة.. و كما قال الشاعر "كن جميلا ترى الوجود جميلا"...