Pages

August 6, 2017

التخدير على الطريقة الألمانية – الجزء الثالث والأخير


أنيس الباشا




جرب أن تقف ليلا داخل أي غرفة بها مصدر إضاءة، قف قرب زر الإنارة ثم قم بإطفاء النور.. انتظر ثانية واحدة ثم أشعل النور مجددا.. هذا بالضبط ما حدث لي بعد أن تم تخديري في ذلك اليوم في المستشفى توطئة لإجراء 
العملية!

كان آخر شيء أذكره عندما تم البدء بتخديري هو منظر لوحة الزهور تلك والطبيب الألماني الذي قال لي "بسم الله"، ثم فجأة أطفأ أحدهم النور وبعد ثانية واحدة عاد الضوء مجددا وفتحت عيني لأجد نفسي ممددا على سرير ما وأمامي ممرضة ألمانية كانت توليني ظهرها وحين استيقظت التفتت إلي وقالت شيئا ما لم أتبينه بوضوح وإن كنت خمنت أنه لن يخرج عن جملة على غرار "حمدلله على السلامة"!

هكذا بكل بساطة... يا للإحباط!! لم تكن هناك أحلام شفافة ولا تحليق روحي ولا رؤى ضبابية قادمة من اللامكان.. لم تذهب روحي إلى عوالم بعيدة غامضة ولم تلتق بأرواح من ماتوا من أهلي، لم أدخل أي نفق ولم أر أي ضوء مثل تلك المشاهد التي قرأتها في الروايات أو رأيتها في الأفلام.. بل أنني لا أذكر حتى ما إذا كنت حلمت بأمر ما أو سمعت شيئا ما أثناء غيبوبة التخدير، والشيء الوحيد الذي أكد لي أنني خضعت بالفعل لعملية جراحية هو ذلك الألم الكبير الذي أشعر به وهذه الجدران والأجهزة التي تحيط بي، أما ما عدا هذا فالأمر لا يعدو عن غفوة سريعة لبضع ثوان! يبدو أننا في عصر المادة بالفعل حيث أفسدت التكنولوجيا معظم حواسنا أو عطلتها.. يبدو أن الناس في الماضي كانت لديهم القدرة على التحليق بشفافية وتهفهف أرواحهم بمجرد أن يناموا ويكفي أن يفقد الواحد منهم وعيه ليجد نفسه "يحلق" في عوالم خيالية رائعة ويبحر عبر الزمان والمكان..

والغريب أنني لم أشعر بمشاعر التوهان والضياع وانعدام الوزن التي قال لي طبيب التخدير أنها ستحدث بمجرد أن أفيق وأوصاني بأن لا أقلق حينها وأنها أمر طبيعي سيزول..حتى هذه لم تحدث! فحين فتحت عيني احتجت فقط لدقيقة أو أقل كي أدرك أنني فلان وأنني أرقد في المستشفى الفلاني..! كان أول ما قمت به حين استعدت وعيي هو أن سارعت بالتأكد من أن أسناني جميعها سليمة وفي مكانها! فأنا لم أنسى كل المحاذير والاحتمالات المبهجة التي زودوني بها قبل العملية..ترى كيف أعرف إن كان هناك ثقب ما في الرئة أو في المعدة؟ لا أدري لكني أتنفس بشكل طبيعي على كل حال، ولربما كان من الأفضل أن انتظر حتى يخبروني بنتيجة العملية وعما إذا كان كل شيء مر على ما يرام أم لا.. تساءلت حينها وأنا ممدد في السرير ..ترى هل كنت أهذي قبل أن أستيقظ  أم أنني استيقظت مباشرة؟ في الحقيقة لا أذكر لأنني شعرت بأنني استعدت وعيي مباشرة، ولو كنت هذيت فبالتأكيد لم يفهم الممرضون الألمان شيئا مما قلت حتى لو كان بعضهم يجيد العربية مثل ذلك الطبيب فمن الصعوبة بمكان أن يفهم أحد اللهجة اليمنية الأصيلة..!

بعد دقائق قليلة جاء ممرض يرتدي لباس معين قام بتحريك السرير الذي ارقد عليه عبر ممرات المستشفى الهادئة، والملاحظ هنا أن كل فريق في هذا المستشفى يرتدي لباس خاص به وهكذا يمكن تمييز فريق الأطباء من الممرضين من الإداريين من عمال النظافة ..الخ، وكل فريق له مهام محددة، فمهمة تحريك ودفع أسرة المرضى ونقلهم من مكان لآخر مثلا هي مهمة فريق محدد وتنتهي مهمة هذا الفريق بمجرد إعادة السرير – مع المريض- إلى مكانهما..

كان احساسي بالوقت مشوش قليلا ولم نمر قرب أي نوافذ لذا فلم أدر بالضبط هل ما زلنا في العصر أم أن الليل حل؟ وصلنا أخيرا إلى غرفة خاصة لمحت اسمي مكتوبا على بابها وجواره اسم آخر، كانت الغرفة واسعة ونظيفة تحتوي على سريرين أحدهما لي والآخر رقد عليه شاب ألماني، وضع الممرض سريري من ناحية النافذة و أخبرني قبل أن يغادر أن الأطباء سيأتون لاحقا ليتحدثوا معي، إلى جوار الألم الذي منعني من الحركة بسلاسة كنت أشعر بغثيان كبير، ولذلك لم أتبادل حرفا مع جاري في الغرفة،كانت حاجياتي كلها قد وضعت في خزانة خاصة مغلقة داخل الغرفة وتم وضع مفتاح الدولاب الخاص بي في مظروف مغلق جوار سريري..

 بعد دقائق جاء الطبيب المختص ومعه طبيبة أخرى أخبروني أن كل شيء على ما يرام وأن العملية تمت بنجاح وأن الألم الذي أشعر به الآن سيخف مع مرور الوقت كما أن الغثيان الشديد هو عارض طبيعي بسبب التخدير،و سألوني ما إذا كنت أريد أي شيء فأجبت بالنفي.. انصرف الأطباء وجاءت ممرضة ترتدي زي مختلف وضعت صينية عليها أكل بالقرب من سريري لكني لم أكن أشعر بأي رغبة في الأكل.. كنت أنظر من نافذة الغرفة إلى الغروب الذي دنا  وأشعر بمزيج عجيب من الارتياح المشوب بالحزن والأسى، سواء كان المرء زائرا أم مُزارا، فإن أجواء المستشفيات تبعث في النفس عادة مزيج من المشاعر المؤلمة وتستدعي ذكريات مقبضة.. دخلت المستشفيات مرات عديدة داخل اليمن وخارجها لكنها المرة الأولى التي أكون فيها النزيل وليس الزائر أو المرافق..




وبينما أنا في خواطري، فُتح باب الغرفة ودخلت منه زوجتي وإمارات الفرح والارتياح بادية على وجهها، شعرت براحة كبيرة لمجيئها وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، حكت لي كيف قضت تلك الساعات العصيبة بمفردها في ذلك المستشفى الضخم، وأخبرتني أنها عند حوالي الساعة الثالثة أرادت أن تطمئن على ما يجري معي فذهبت إلى الإدارة التي تشرف على قسم العمليات وهناك تكلمت مع الموظفة المختصة فقامت هذه بفتح برنامج ما على جهاز الكومبيوتر ثم أخبرت زوجتي أن عمليتي بدأت بالفعل منذ حوالي نصف ساعة فقط وأنها سوف تستغرق بعض الوقت، وقالت الموظفة لزوجتي أن تترك رقم هاتفها لديهم وسيقومون هم بالاتصال بها بعد أن تنتهي العملية وسيعلمونها بمكان تواجدي كي تأتي حينها وتراني..وبالفعل ما أن انتهت العملية حتى اتصلوا بها وأبلغوها بالطابق ورقم الغرفة التي تم وضعي فيها..

بعد ذلك اضطرت زوجتي للانصراف كي تتمكن من اصطحاب ابننا الذي تركناه عند صديقة ألمانية، كنت اشعر برغبة في النوم وبدأت شهيتي للأكل تعود قليلا، من حسن الحظ أن رفيق غرفتي كان صامتا فلم أكن أشعر برغبة في تبادل الحديث معه، كانت هناك شاشة مرتبطة بالسرير يمكن تحريكها وبها عدة وظائف حيث يمكن مشاهدة بعض القنوات التلفزيونية فيها أو لعب بعض الالعاب، كان الشاب الألماني يشاهد مباراة ما أما أنا فلم أكن في مزاج يسمح بمشاهدة أي شيء لذا استلقيت في السرير محاولا تناسي الألم الذي أشعر به، بعد ذلك جاءت ممرضة حقنتني بأحد الأدوية وأعطتني أيضا حبوبا مسكنة للألم ، بعد ذلك بقليل غلبني النوم.. 



في اليوم التالي كنت أشعر ببعض التحسن حتى انني تناولت طعام الافطار وجلست في سريري أقرأ، لم يجر بيني وبين رفيق غرفتي الألماني أي حوار، كان شابا ممتلىء الجسم يبدو أنه رياضي تعرض لاصابة قوية، لو كان هذا الأخ يمني أو عربي لكان قد سألني بالتفصيل عن تاريخي الشخصي والاجتماعي والمهني وطلب أن أحكي له قصتي وقصة أجداد أجدادي! لكن مع هذا الأخ الألماني فقد مرت علينا ليلة كاملة في غرفة مشتركة ولم يعرف أحدنا حتى اسم الآخر.. 

 جاء الطبيب المشرف على حالتي وأطمأن أن كل شيء على مايرام وسألني كيف أشعر، سألته متى يمكنني مغادرة المستشفى فقال لي أن القرار الآن قراري فإن شئت يمكنني أن أبيت اليوم وحتى غدا، وإن أردت أن أعود إلى البيت فيمكنني ذلك لأن حالتي مستقرة وكل شيء على ما يرام، قلت له أنني أفضل المغادرة فقال لي أنهم سيقومون أولا بعمل بعض الفحوص الروتينية وسيتم اعطائي بعض الارشادات والادوية ومن ثم يمكنني المغادرة ، ويبدو أن رفيق غرفتي الألماني شعر ببعض الأمل حين سمع كلام الطبيب لي فقد سمعته بعد ذلك مباشرة يسأل الطبيب هل يمكنه هو ان يغادر المستشفى اليوم فأجابه الطبيب بالنفي فورا وقال انه لا يعتقد ان بامكان الشاب المغادرة إلا بعد مضي يومين على الأقل، ومن بعدها شعرت بأن زميل الغرفة هذا زاد حقده علي وبالطبع لم نتبادل أي حرف!

بعد حوالي ساعة جاء ممرض من فريق "الدفع والتحريك" ليصطحبني وانا ممدد على السرير إلى قسم آخر حيث أجريت بعض الأشعة، كان ذلك الممرض يقوم بايصال السرير إلى المكان المطلوب ثم ينتظر حتى ينتهي الاطباء من عمل الفحوصات فيقوم حينها بدفع السرير مجددا كي يعيدني إلى غرفتي ..

كان أجمل شيء حصل يومها هو مجيء زوجتي بصحبة ابني إلى المستشفى، بالطبع أُعجب ابني بالسرير الذي يتحرك بالريموت صعودا وهبوطا وبالشاشة التي يوجد بها بعض الألعاب وسألني مئات الاسئلة عن العملية وعن المستشفى وعن كل شيء.. ثم جاءت ممرضة وأعطتني بعض الأدوية وشرحت لي كيفية استخدامها و بعد قليل جاءت طبيبة جديدة لم أرها من قبل أخبرتنا أنها مسئولة العلاج الطبيعي وأحضرت معها زوج من العكازات الطبية الجديدة أعطتهما لي وشرحت لي كيفية استخدم تلك العكازات بشكل عملي وطلبت مني أن أريها كيف استخدم العكازات وحين أطمأنت أن كل شيء على ما يرام ودعتنا وانصرفت، وحينها خرجنا أنا وزوجتي وابني من الغرفة وأنا متكىء على عكازاتي الجديدة ومشينا عبر الممرات إلى الخارج..هكذا بدون أن يكون هناك حاجة لتوقيع طن من الأوراق من أجل الحصول على "إطلاق سراح" كما يحصل عندنا..




ظلت تلك العكازات رفيقتي لفترة وأصبحت أكثر خبرة في استخدامها.. وفي تلك الفترة شعرت بمدى عظمة وأهمية نعمة المشي بدون أي عصي أو عكازات.. والأمر الذي لاحظته في تلك الفترة أيضا هو مدى تقدير الألمان ومراعاتهم لأي شخص تكون لديه اصابة أو اعاقة سواء كانت مؤقتة أو دائمة ، فالكل يفسح لك الطريق ويتسابق لمساعدتك ويتم اعطاءك الأولوية في أي طابور.. وهو الامر الوحيد الذي افتقدته بعد تركي للعكازات !! بعد مضي بعض الوقت أصبحت استخدم عكازا واحدا فقط ثم لم أعد بحاجة له وعدت أمشي على قدمي بفضل الله..


تلك كانت تجربتي مع التخدير ومع المستشفيات بشكل عام، لقد كانت المرة الأولى التي أجري فيها عملية جراحية ومن حسن حظي أنها كانت في ألمانيا وعلى الطريقة الألمانية التي قد تخيفك في البداية بقوانينها وجديتها وحرصها على اعلامك بكل التفاصيل الصغيرة ، لكنها في نفس الوقت تحتاط أيضا لكل شيء وتضع سلامتك فوق كل اعتبار..

August 3, 2017

!... شاكي مان ينقذ الكعبة




أنيس الباشا

شاكي مان ينقذ الكعبة
(( فانتازيا كوميدية من سبعة مشاهد))

مقدمة 
منذ مدة قرأت خبرا يقول أن نجم الأكشن الأسيوي الشهير يعتزم تصوير فيلما عن حرب اليمن..ورغم أن الأمر لا يخرج عن مجرد خبر "فني" قد يتحقق أو لا، إلا أنني لم استطع منع نفسي من التفكير مرارا في هذا الموضوع.. في الحقيقة لم اتمكن من هضم الفكرة نفسها ولم افهم سر اهتمام النجم الشهير بما يجري في اليمن و هل هذا الاهتمام يأتي من ناحية فنية أم انسانية ، ثم الأدهى من هذا كله أن الفيلم – بحسب الخبر- سيتم تصويره في المغرب أي أنه سيحظى بموافقة وتعاون الدول التي تشارك في الحرب على اليمن مما يجعل مصداقيته على المحك.. بحثت عن رابط يجمع هذه المعطيات في سياق منطقي فلم أجد، لكن الحقيقة الوحيدة المؤسفة في الموضوع هي أن أطرافا عديدة حصلت على مصالح مادية كبيرة من وراء هذه الحرب القذرة  وذلك على حساب دماء وأشلاء اليمنيين بداء من الدول الكبرى المصدرة للسلاح ووصولا إلى المرتزقة الاقليميين و المحليين سواء من يقبض منهم باليومية أوبالشهرية.. فهل قررت السينما العالمية أن تنضم لطابور الاثراء هذا؟ ثم تذكرت المقولة العميقة للكاتب والصحفي البريطاني روبرت فيسك التي يقول فيها أن الحرب في اليمن تجمع بشكل فريد بين المأساة والنفاق والمهزلة ..وعندها وجدت نفسي أكتب هذا السيناريو التخيلي للفيلم المزمع تصويره وهو مقسم إلى سبع مشاهد في إطار ساخر لا يخلو من بعض الحقيقة، ولربما استطاعت السخرية المستخدمة هنا أن تعطي لمحة عن المشهد القاتم جدا الذي يعيشه بلد لا يعبأ به أحد ويعاني من الخلافات والانقسامات بين أبنائه وابتلي في نفس الوقت بألعن أنواع الجيران .. إنها فانتازيا مضحكة لكنه ضحك كالبكاء كما يقول المتنبي رحمه الله..

ملحوظة
(( أي تشابه بين شخصيات في هذا السيناريو وبين شخصيات من عالم الواقع هو من قبيل المصادفة البحتة والبحتة فقط !))
ملحوظة أخرى:
(( تم الانتهاء من كتابة هذا السيناريو قبل أن يتم تعيين ولي ولي العهد السعودي السابق إلى ولي عهد حالي))
*****************************
المشهد الأول
يبدأ الفيلم بمنظر بانورامي لمدينة الرياض في السعودية..يتوسط المشهد مبنى برج المملكة التابع للمياردير السعودي الوليد بن طلال والذي يفخر به صناع ومنتجي المسلسلات السعودية ويقومون بحشره – البرج لا الملياردير- في كل مشهد تلفزيوني وكأنه برج إيفل أو مبنى الامباير ستيت ، أعرف ان البعض قد يتساءل بما أن الفيلم عن حرب اليمن فكيف يبدأ في الرياض؟ صبرا وواصلوا القراءة كي لا نحرق الفيلم في بدايته .. على يسار الكادر الذي يتم تقريبه تظهر لوحة عملاقة للغاية عليها صورة الملك وولي عهده وولي ولي عهده وسائق سيارته والطباخ الخاص بفخامته والكل يبتسم في بلاهة وتحت الصورة مكتوب بخط عريض “عزنا دائم في ظل عزكم .. ليت واحنا نطول ونكون مداس لكم” وعلى منتج الفيلم الاستعانة بخبراء ترجمة صينيون وانجليزيون يجيدون العربية إجادة تامة لكي يتم ترجمة معنى هذه الجملة للمشاهد الغربي لأنه من الصعوبة جدا شرح معناها لغير المواطنين السعوديين المحبين لملكهم وأولياء عهده وخدمهم وسائقيهم..

 يتم تقريب المشهد أكثر لنرى الشوارع والمباني والمارة والسيارات، وتحرص  الكاميرا على أن ترينا كيف أن الناس هناك يمارسون حياتهم اليومية بسعادة وهناء وأمان منقطع النظير في ظل رعاية الملك وأولاده الطيبين المخلصين..فالابتسامات تعلو الوجوه طوال الوقت والكل يرتدون ملابس جديدة غاية في النظافة والأناقة والأطفال الممتلئين بالصحة والعافية يجرون ويلهون في سعادة بين البيوت أو في طريقهم إلى المدارس بينما رجال المرور ينظمون حركة السير بأريحية وهم مبتسمون بدورهم..هناك موسيقى حالمة تملأ الخلفية وتبعث على الاسترخاء.. تقترب الكاميرا من أحد الشوارع لتظهر رجلا مسنا يعبر الطريق بتؤدة وفجأة يوشك على التعثر فيهرع على الفور رجل شرطة كان واقفا بالجوار ليمسك بذراع العجوز قبل أن يقع ويسنده بسرعة، يبتسم المسن في امتنان بينما يصر رجل الشرطة على أن يقدم للعجوز بعض العصير وباقة من الورود ويقوم شرطي آخر بإحضار كرسي كي يجلس عليه الرجل العجوز ويلتقط أنفاسه قبل أن يتم توصيله إلى منزله بسيارة الشرطة التي تحمل على زجاجها الخلفي صورة للملك ولأولياء عهده..ولا ينس مصور الفيلم أن يظهر الصورة العملاقة للملك وأولياء عهده في خلفية كل طريق جانبي تعبره سيارة الشرطة حتى تصل إلى بيت ذلك العجوز..

وقد قام طاقم الفيلم بعمل جبار من أجل اظهار شوارع المدينة في أبهى صورة حيث قاموا باستئجار فرق كاملة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في الديكورات والتنظيف والعناية بالطرقات وذلك من أجل تجميل وترتيب وإعداد الشوارع التي سيتم تصوير المشاهد فيها، والحقيقة أن تلك الفرق قامت بعملها على أكمل وجه حيث بدت الشوارع والأماكن جميلة ومرتبة لكن الغبار والأتربة ظلت تكسو كل شيء وهي مشكلة جغرافية أكبر من قدرات أي فريق تنظيف محترف..

تتركز الكاميرا على شارع مزدحم بعض الشيء تنتشر على جانبيه المحلات التجارية، وقد تم اختيار الكومبارس بعناية فائقة بحيث تبدو على ملامح جميع من في الكادر إمارات الدعة والنعمة والعافية، على رصيف الشارع نرى حقيبة صغيرة سوداء ملقاة في اهمال ومع ذلك لم تستدع انتباه أحد، من طرف الكادر الأيمن يظهر شابان سعوديان يرتديان الجلاليب البيضاء ويمشيان بتراخ على الرصيف وأحدهما يقول لرفيقه في جذل:
- يا لهذه السعادة والنعمة التي نعيش فيها يا صديقي!
يبتسم الآخر وهو يقول بنغمة حالمة:
- لا بد أن شعوب دول مثل السويد وكندا ونيوزلندا تحسدنا على ما نحن فيه!
يومىء الآخر برأسه وهو يقول بحماس:
- وكل هذا بفضل ملكنا وولي عهده وولي ولي عهده طالت أعمارهم جميعا..
يستمر الاثنان في المشي وتبادل الحديث الذي يتمحور كله حول مدح الملك وأولياء العهود حتى يقتربان من الحقيبة الملقاة على الرصيف، يركلها أحدهما بقدمه بلامبالاة فتنفتح لتبرز منها رزم عديدة من النقود فئة خمسمائة ريال سعودي، يشهق أحدهما بينما ينحني الآخر ليلتقط الحقيبة، يتلفت الشابان حولهما بحثا عن صاحب الحقيبة، يسألان بعض المارة عن الحقيبة فيجيب الجميع بالنفي وبأنها لا تخصهم برغم رؤيتهم لرزم النقود بداخلها، من ثم يحمل الشابان الحقيبة ويتجهان بها إلى قسم الشرطة وهناك يقوم رجال الشرطة بتسلم الحقيبة ويتم توجيه الشكر للشابين على أمانتهما، ما أن يغادر الاثنان قسم الشرطة حتى تتوقف قربهما سيارة سوداء فاخرة نوافذها مغطاة بزجاج عاكس، يخرج من السيارة رجل بدين يرتدي الجلباب ويضع نظارة شمسية كبيرة على وجهه ويقترب من الشابين قائلا بابتسامة كبيرة:
- سمو الأمير عرف بما فعلتماه وهو يهنئكماعلى أمانتكما..!
ابتسم الشابان في خجل وتواضع بينما تابع البدين:
- وقد قرر سموه مكافئتكما على تصرفكما النبيل ..
قالها ومد يده اليهما بحقيبة كبيرة فتحها الاثنان ليجدا انها مليئة عن آخرها برزم من النقود من فئة المائة دولار.. شهق احدهما وأغمى على الاخر بينما قال  البدين:
- هذا مبلغ مليون دولار مقدم من سموه بالاضافة إلى رحلة مدفوعة التكاليف لمدة شهر في كوالامبور..
ثم استدار بسرعة ليركب السيارة التي انطلقت على الفور بينما وقف الشابان يلوحان بأيديهما للسيارة بقوة وحماس حتى اختفت..

يتغير الكادر بنعومة وسرعة لنرى شارع آخر ينتهي بحديقة صغيرة يجلس بداخلها رجل في أواخر الثلاثينات بدا عليه الهم والحزن، هناك موسيقى تصويرية حزينة تنبعث من مكان ما بينما أسند الرجل رأسه على راحتي يديه وبدا منفصلا تماما عن العالم الخارجي حوله..فجأة تتوقف بالقرب منه عربة فان كبيرة وفور توقف العربة تنقطع تلك الموسيقى التصويرية الحزينة، على جانب العربة ملصق كبير يحمل اسم "هيئة السعادة – القسم المتحرك" وهناك بالطبع ملصق آخر عليه صورة الملك وأولياء عهده ، ينزل من العربة العديد من الأشخاص وهم يرتدون أزياءا ملونة ومزركشة مثل الملابس التي يرتديها العاملون في السيرك ومسارح الأطفال، بعضهم كان يحمل آلات موسيقية مختلفة مثل الكمان والجيتار والأورج والطبلة، وقف الجميع أمام الرجل المهموم وأشار قائد المجموعة بيده فبدأ أصحاب الآلات الموسيقية بالعزف بينما تقافز الرجل الذي يرتدي قناع المهرج وهو يأتي بحركات ضاحكة بيديه ورجليه وشاركه الرقص مجموعة الأشخاص الذين يرتدون الثياب الملونة..

 كان الجميع يرقصون على أنغام أغنية قديمة للأطفال اشتهرت في الستينات من القرن الماضي، رفع الرجل المهموم رأسه ينظر إليهم بلا اكتراث، وهنا أشار قائد المجموعة بيده مرة أخرى فعزفت الفرقة أغنية ثانية بينما خرج من العربة مجموعة من الأشخاص يرتدون ثيابا وأقنعة تمثل حيوانات مختلفة وبدأوا بعمل حركات أكروباتيكية مضحكة..كان أحدهم مثلا يقع ثم يحاول النهوض لكن شخصا آخر ييأتي من الخلف ويصطدم به فيقع الاثنان وهكذا .. بدأت أسارير الرجل الحزين تنفرج وافتر ثغره عن ابتسامة ما لبثت ان اتسعت حتى شملت وجهه كله وتحولت الابتسامة الى ضحكات وقهقات عالية وهو يشاهد تلك الحركات المضحكة ويصفق بيديه مشجعا.. انضم المهرج للعرض وبدأ بعمل بعض الحركات المضحكة بينما ضحكات الرجل الذي كان حزينا قبل دقائق تتصاعد وتتصاعد حتى سقط عن الكرسي الذي يجلس عليه وهو يتقلب على الارض ويمسك بطنه من شدة الضحك!

وهنا أشار قائد المجموعة بيده فتوقف العزف ونهض جميع الاشخاص ووقفوا صفا واحدا..اقترب قائدهم من الرجل ومد يده إليه يساعده على النهوض فنهض هذا والدموع تملأ عينيه من كثرة الضحك، قال قائد المجموعة بلهجة ودية مرحة:
- نتمنى أن يكون عرضنا قد راق لك أيها المواطن العزيز..و لا تنس، مع هيئة السعادة ..دع عنك الحزن والبلادة!
صافحه الرجل في حرارة وهو يقول:
- أشكركم كثيرا، لقد كانت الهموم متكالبة على رأسي بالفعل.. أمي ماتت وابني مريض يحتاج لإجراء عملية جراحية وزوجتي تطلب الطلاق وأنا عاطل عن العمل منذ عشر سنوات ولم استطع دفع ايجار البيت، لكني الآن أشعر بسعادة بالغة وراحة عظيمة..بارك الله فيكم وحفظ الله الملك وأولياء العهود طالت أعمارهم جميعا ولو على حساب أعمارنا نحن..

أشار قائد المجموعة بيده محييا الرجل ثم أستدار يواجه الفرقة وأشار لهم بيده اشارة خاصة فتراجع الجميع إلى داخل العربة الفان الكبيرة وهم يعزفون النشيد الملكي ويلوحون بأيديهم بينما اغرورقت عينا الرجل الذي كان حزينا قبل قليل بالدموع وهو يقف في ثبات ويرفع يده بالتحية العسكرية حتى غادرت العربة..

تنتقل الكاميرا مجددا لأحد الشوارع التي تم تنظيفها خمس مرات على الاقل ونرى في طرف الشارع إمرأة مسربلة بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها وهي تمشي ممسكة بيد طفلة صغيرة تحتضن دمية من نوع باربي بينما تمسك الأم بيدها الاخرى بطوق جلدي يتصل بأنشوطة ملتفة حول عنق كلب أبيض من نوع السامويد يسير بجوار الأم وطفلتها.. فجأة يفلت الكلب من يد الأم الممسكة بالطوق ويجري ليعبر الشارع حيث وقفت قطة صغيرة على الطرف الآخر منه..تجفل المرأة وتحاول أن تلحق بالكلب لكن العباءة التي ترتديها تعيق حركتها وتكاد أن تتعثر بينما تتمكن الطفلة من الجري بشكل أسرع لتمسك برقبة الكلب قبل أن يعبر الشارع المليء بالسيارات، لكن دمية الطفلة تنزلق من يدها وتتدحرج لتسقط في وسط الطريق، هناك سيارة مسرعة قادمة مباشرة في اتجاه الدمية..تشهق الطفلة في هلع وهي تغطي عينيها بينما تضع الأم يدها على صدرها ويصرخ بعض المارة وهم يحدقون في السيارة التي توشك على دهس الدمية، وفجأة يقفز من طرف الكادر شرطي المرور ليحتضن الدمية ويتدحرج بسرعة وهو ممسك بها بعيدا عن عجلات السيارة..

 يقف الشرطي ويتقدم من المرأة وابنتها ويبتسم وهو يمد يده بالدمية للطفلة التي تأخذها منه في سعادة بينما يصفق المارة ويتجمعون حول الشرطي الذي وقف مبتسما في تواضع..على الفور تظهر السيارة السوداء الفخمة ذات النوافذ العاكسة وتتوقف جوار الشرطي والناس المتجمعون حوله ويهبط منها ذلك البدين الذي يضع نظارات شمسية، يشق طريقه وسط الناس ويقترب من شرطي المرور ثم يضع يده على كتفه وهو يقول بصوت جهوري:
- سمو الأمير يحييك على شجاعتك وانقاذك لدمية هذه الطفلة البريئة، لذا قرر سموه أن تتم ترقيتك إلى رتبة عقيد ركن وأن تحصل على مكافأة مليون ريال بالاضافة إلى رحلة مدفوعة التكاليف إلى كوالامبور لمدة شهر!
يهلل الناس ويصفقون ويهتفون باسم الأمير وهم يلتفون حول الشرطي الذي بدت السعادة على وجهه و الجميع يصافحه ويهنئه بينما صعد البدين الى السيارة السوداء مجددا ومن نافذة السيارة الخلفية امتدت يد مكتنزة  تحيط الخواتم بأصابعها الخمس وقامت اليد بالتلويح للناس الذين ازداد هتافهم وهياجهم وهم يتقافزون ويتدافعون محاولين لمس جسم السيارة بأيديهم بينما السيارة تستعد للانطلاق مجددا و..

“ستووووووووووووووب”
دوت الصيحة من فم المخرج الأمريكي الجنسية الآسيوي الأصل الذي نهض من مقعده واتجه في عصبية نحو كادر التصوير بينما لحق به مساعده الأول بخطوات سريعة وهو يجفف العرق الغزير الذي يسيل على جبهته، اتجه المخرج بانفعال نحو رجل بدين له كرش ضخم و بشرة سمراء يرتدي الجلباب ويضع عقالا على رأسه وهو يقف جوار مدير التصوير يراقب المشهد في سعادة ، هتف المخرج في عصبية موجها كلامه لصاحب الكرش:
- هل لي أن أفهم لماذا تم تغيير السيناريو في هذا المشهد؟ من المفترض أن تنتهي اللقطة بانقاذ الشرطي للدمية!
ابتسم صاحب الكرش في هدوء وهو يقول:
- لقد رأى طاقم الفريق السعودي الذي يشارك في الاخراج أن يتم اضافة فقرة المكافئة لنضفي بعض المصداقية على المشهد!
صاح المخرج بغضب:
- وأنا بصفتي مخرج الفيلم أصر على أن هذه اللقطة لا فائدة منها ويجب حذفها هي وجميع لقطات المكافئات المالية هذه.!
ظهر الغضب على وجه البدين وهو يقول:
- هل جننت؟ أتريد أن نقوم بحذف لقطة تظهر فيها يد من يمثل أنه سمو الأمير طال عمره؟!
عقد المخرج حاجبيه في عناد وهم بقول شيء ما إلا أن مساعده جذبه من كمه بسرعة وهو يغمغم بخفوت:
- سيدي..أرجو أن تدع هذه اللقطة تمر كي لا يتوتر الوضع ونخسر نحن وقتا أطول في التصوير..
همس المخرج بعصبية:
- هل تريد مني أن أذعن لهم بهذه السهولة؟؟ ألا ترى سخافة كل هذه المشاهد التي أصر فريق العمل السعودي على اضافتها للفيلم؟؟ كل من يقوم بعمل بسيط يتم مكافئته بمليون ريال ورحلة إلى ماليزيا؟ بينما الرجل الذي ليس لديه القدرة على دفع الإيجار يحصل على استعراض غنائي سخيف؟ ما هذه الحماقة وكيف تخدم هذه المشاهد قصة الفيلم؟؟ بل كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا في عالم الواقع وكيف سيتقبل المشاهد هذه الحبكات؟؟؟ حتى شاكي لن يروق له هذا..!
أمسك المساعد بيده وهو يقول بخفوت:
- سيدي..لا تنس أن جزءا ضخما من ميزانية الفيلم تم تمويله من قبل المملكة بما فيها أجورنا وأجور الممثلين ، كما أننا حصلنا على تصاريح التصوير هنا بصعوبة بالغة ودفعنا أموالا طائلة لفرق التنظيف و لا يزال أمامنا العديد من المشاهد التي يجب أن ننتهي منها هنا قبل أن ننتقل إلى المغرب لتصوير بقية الفيلم ، ثم أن الأمر لا يستحق.. فلنقم بتصوير هذه المشاهد التي يصرون عليها ثم يمكننا لاحقا أن نحذف ما نريد عند عمل المونتاج وليذهبوا حينها إلى الجحيم ! المهم أن ننتهي من التصوير بسرعة قبل أن يشوينا هذا الحر اللعين!
هم المخرج بالاعتراض إلا أن الحر الشديد الذي يحيط بهم والغبار المنتشر في كل مكان جعلاه يعيد التفكير في الأمر فزفر في عصبية وهو يقول:
- هذه مشكلة الأفلام ذات الانتاج المشترك.. أقسم أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أقبل فيها العمل مع طاقم عربي وخصوصا من هذا البلد!

وعاد إلى مقعده بخطوات سريعة غاضبة بينما تنهد المساعد في ارتياح وهو يشير بيده لفريق التصوير كي يستعد ويواصل العمل.. انتهى تصوير المشهد بسلام وانتقل فريق العمل إلى مكان آخر واستمرت حركة الكاميرا وتنقلاتها في شوارع وأحياء المدينة الهادئة الوادعة التي تقوم فرق التنظيف بتمشيطها وتحويلها إلى شكل آخر غير ما ألفه الناس وعرفوه..قام فريق العمل بتصوير أكثر من مشهد ينتهي كل منها بمكافئة المليون ريال أو دولار والرحلة مدفوعة التكاليف إلى ماليزيا.. إلى أن تتركز الصورة أخيرا على نافذة في أحد المباني الكبيرة والتي تطل بدورها على شارع رئيسي، وخلف تلك النافذة وقف العميد تركي بن تركي وهو يراقب المارة والشارع في صمت وشرود وقد حفر القلق خطوطا عميقة على وجهه..لقد توقفت الموسيقى الحالمة التي صاحبت بداية الفيلم وهناك الآن موسيقى قلقة تنبعث في الخلفية،  وبأسلوب المونولوج الفردي نسمع صوت العميد تركي وهو يحدث نفسه :

 “ كل هذا الجمال والهناء والسعادة والأمان في ظل رعاية خادم الحرمين وأولاده الطيبين الحنونين مهددة من قبل أولئك الأشرار الذين لا يدرك مكرهم وخطورتهم هؤلاء الناس البسطاء السعداء.. لست أدري كيف ي..."

وهنا يقطع افكاره صوت فتح باب مكتبه حيث يدخل مساعده الأول المقدم سعود بن سعود ممسكا بأوراق كثيرة في يده ووجهه محتقن للغاية.. يرفع يده بالتحية العسكرية وهو يصيح بصوت جهوري:
- تقارير جبهة اليمن طال عمرك!

(( وجملة “ طال عمرك” هذه ستتكرر طوال مدة الفيلم لذا اعتقد أن على مدير المونتاج ان يخفف منها في بعض المشاهد كي لا يشعر المتفرجون بالملل))

وهنا - على طريقة المسلسلات الخليجية والمصرية- يسأل العميد تركي مساعده في مرارة وهو لا يزال موليا ظهره له بدون ان يلتفت اليه:
- هل هناك جديد هذه المرة غير تدمير الحوثيين والمجوسيين لمواقعنا وقواعدنا العسكرية واحتلال أجزاء من اراضينا واسقاط طائراتنا وقتل جنودنا الشجعان المجاهدين المرابطين على الحدود ؟
قال المساعد بصوت قلق:
- أخشى – طال عمرك – أن الأخبار هذه المرة – طال عمرك – لا تسر البال ولا الخاطر طال عمرك!
التفت العميد تركي اليه وقال في دهشة:
- ثلاث مرات “طال عمري” في جملة واحدة؟ هذا معناه ان الامور خطيرة بالفعل!
وتناول التقرير ليقرأه قبل أن ينعقد حاجباه بشدة وهو يرفع عينيه إلى مساعده ويصيح بذهول:
- غير معقول..! لايمكن أن يصل الامر إلى هذا الحد..لا يمكن !!

وتسقط الاوراق من يده في مشهد درامي بطيء وهي تدور في الهواء قبل أن تهوى على الأرض وتتراجع الكاميرا لتظهرالنافذة ووراءها المدينة بينما سحابة كبيرة تمر لتحجب ضوء الشمس القوي فتخيم الظلال فجأة على المدينة الوادعة السعيدة والناس السعداء والشوارع النظيفة..!

(( نهاية المشهد الأول))

July 30, 2017

! .. احترس من الخنزير



أنيس الباشا




من الطبيعي عندما يعيش الإنسان في بلد جديد ومجتمع جديد أن يضطر لمواجهة اختلافات كثيرة ويكون عليه أن يبذل جهدا كبيرا كي يتعود على هذه الاختلافات ويتعايش مع بعضها ويتأقلم مع البعض الآخر، فكل شيء في الغربة يبدو مختلفا وغير مألوفا بدءا باللغة والمناخ والطقس وانتهاءا بالطعام واللبس والعادات والتقاليد.. ومع ذلك يظل هناك أمور غير قابلة للتأقلم معها سواء لأسباب دينية أو ثقافية مما يضع على عاتق المرء عبئا إضافيا كي يتقبل وجود هذه الأشياء ويتعايش معها، والتقبل أو التعايش مع بعض الأشياء لا يعني بالضرورة الممارسة والتطبيق، بل يعني ببساطة القبول بوجود هذه الأمور وأنها تشكل جزءا لا يتجزأ من ثقافة وطبيعة المجتمع الجديد..

ومن هذه الأمور التي يواجهها من يعيش في بلد أجنبي هي مسألة الطعام والأكل، فالشعوب لها عادات مختلفة في الأكل والتذوق والاستطعام، وما يروق للأندونيسي مثلا قد لا يروق للفرنسي وما يستطعمه ويستطيبه الأمريكي قد لا يعجب اليمني أو المصري وهكذا..وفي ألمانيا تنتشر المطاعم الأجنبية التي تقدم الأكلات التركية والصينية والايطالية واليابانية والهندية والأفغانية إلى جانب مطاعم الوجبات السريعة مثل ماكدونالدز وكنتاكي وبيتزا هت، وقد سألت مرة أحد الألمان ممن لديهم خبرة في مجال الطبخ عن المطبخ الألماني التقليدي وأين يمكن أن يجده المرء في خضم كل هذه المطاعم الاجنبية فأجابني بأنه أصبح من الصعب العثور على المطبخ التقليدي حاليا خصوصا مع انتشار وتغلغل ثقافة المطاعم والوجبات السريعة الأجنبية..




وباستثناء المطاعم التركية فإننا كمسلمين لا يمكننا ارتياد المطاعم الأخرى وإن فعلنا فإن الاختيار يكون دائما من بين قائمة الأطباق النباتية أو السمك، مع أننا قمنا بإبعاد السمك كخيار بعد أن أكلناه مرة في مطعم شهير مع صلصة الكريمة الحلوة!!                     "يمكنك قراءة قصة السمك بالكريمة عبر الضغط على هذا الرابط"

 فمن المسلمات لدينا والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقوم بتغييرها أو التأقلم معها هي مسألة أكل لحوم الخنزير أو الميتة حيث أنها محرمة علينا بنص قرآني واضح لا يحتاج إلى شرح أو توضيح، وحتى بعيدا عن الدين فإننا بصراحة لا نستطيع ولا نستسيغ أن نأكل مثلا لحم دجاج نعرف أنه لم يتم ذبحه بشكل عادي وهذا ينطبق حتى على لحوم الأغنام والعجول الصغيرة رغم وجود فتوى من المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بجواز أكل لحوم هذه الحيوانات لأنها تُذبح بطريقة مشابهة للطريقة الإسلامية..



! مطعم "ركن الخنزير" عبارة عن سلسلة مطاعم منتشرة وذات إقبال كبير


 والمشكلة لا تكمن فقط في الوجبات التي قد تجدها في المطاعم والتي يكون لك الخيار في أن تبحث عن مطعم يبيع الحلال أو تقرر أن تصبح نباتيا، لكن المشكلة بشكل عام أن معظم ما يتعلق بالغذاء والمنتجات الغذائية غريب وغير مألوف هنا، وحين تذهب الى اقرب سوبر ماركت لتبحث عن شيء ما كنت تعرفه تمام المعرفة في بلدك، تكتشف انك تحتاج الى وقت طويل كي تعثر عليه أو على ما يشابهه هنا..فمثلا لو أردت أن تحضر بعض الدقيق فإن المسألة ليست بهذه السهولة، فالدقيق مثلا الذي نعرفه في اليمن نوعين لا غير أبيض وأسمر والاختلافات عندنا تعتمد على الجودة وبلد الاستيراد، أما هنا فإن الدقيق عبارة عن عشرات الأنواع كما أن التخصص أمر مهم أيضا فلا يمكنك أن تلتقط أول كيس دقيق على الرف وتأخذه وتنصرف.. ليس الأمر بهذه البساطة! فهناك دقيق مخصص للخبز ودقيق مخصص للكيك وآخر للبيتزا ورابع لنوع معين من المعجنات وهكذا وما يصلح لهذا لا ينفع لذاك، ناهيك عن الاسماء العجيبة لكل نوع مثل دقيق 630، دقيق 405، دقيق 1005.. الخ حتى تشعر أنهم يعرضون أنواعا من صواريخ سكود الحديثة وليس مجرد دقيق يستخدم لصنع الخبز والمعجنات! وحتى البطاطا مثلا التي نعرفها كصنف واحد قد يتخذ أحجاما مختلفة نجد أنها هنا لها عشرات الانواع والأسماء ويخصص لها في العادة قسم كامل في السوبر ماركت.. هل نتكلم عن الرز؟ قل لي ماذا ستطبخ أقل لك أي رز ستحتاج إليه.. ليست المسألة  بهذه البساطة، فهناك رز لكل طبخة! أما البيض فلازلت إلى الآن أتمنى أن أصطحب يوما ما خبيرا ألمانيا في أنواع البيض كي يتفضل ويشرح لي الفروقات بين كل تلك الأنواع والألوان والأشكال التي أجدها في المحلات!


بعض أنواع الدقيق المختلفة الموجودة في السوبرماركت

!... الرز حكاية أخرى



البطاطا لها أكثر من نوع ويخصص لها قسم كامل في العادة


في قسم البيض تجد ألوان وأشكال وأحجام عديدة وكل صنف له سعر خاص


 فالمسألة معقدة وتتطلب بعض الوقت كي يتم استيعاب الفروقات والاختلافات ، ولذلك فمن المعتاد حين تطلب مني زوجتي احضار شيء ما من السوبر ماركت أن يستغرق مني الأمر بعض الوقت وذلك لكي أفهم أولا كيف يبدو هذا المنتج الذي أبحث عنه ثم كيف أجد ما يشبهه من المنتجات التي كنا نعرفها في بلادنا! 



معظم محلات التسوق عملاقة وتتميز بكثرة المنتجات وتنوعها


ثم إذا ما وجدت المنتج أو شبيهه فإن عليك حينها أن تقرأ المكونات بعناية لتتأكد أنه لم يتم اضافة "شيء ما" لها، والمزاج الغربي في هذه الناحية عجيب للغاية ولا يمكن التنبؤ به..فهناك  مثلا معلبات من التونة يضاف لها صلصة الكحول، وهناك شوكولاتة بالزبادي، كما يوجد أيضا أنواع من الفاصوليا بالعسل! نعم انك لم تخطىء قراءة الكلمة.. هناك معلبات فاصوليا بالعسل وقد رأيتها بأم عيني أما عن طعمها ومذاقها فلا تسألني لأني لم أجربها ولن أجربها بالطبع ..!



!... فاصوليا بالعسل


نعود لموضوع لحم الخنزير ومحاولة تجنبه ، فمسألة لحوم ومشتقات الخنزير والكحول هي الأهم في هذه الحالة بالنسبة لنا كعرب مسلمين، فقد تخطأ وتتناول فاصوليا بالعسل أو بسكويت بالباذنجان أو حتى مهلبية بالبطاطا، لكن المشكلة هي أن تأكل أو تطبخ شيء ما يحتوي على الخنزير ومشتقاته، و المزعج في الموضوع أن لحوم ومشتقات هذا الحيوان منتشرة انتشارا غير عادي في البلدان الأوروبية وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى رخص ثمنه مقارنة بأنواع اللحوم الأخرى مثل العجول والخرفان وحتى الدجاج.. لذا يشتريه الكثيرون ومع ذلك فهناك من الأوروبيين من لا يستسيغون لحم الخنزير ولا يفضلونه بل أن بعضهم يذهب إلى الأسواق العربية والشرقية ليشتري اللحوم “الحلال” من هناك..!


منتجات متنوعة وتبدو "لذيذة" لكن للأسف معظمها لا يخلو من لحم الخنزير


في البداية كنت أظن أن المسألة سهلة، فما على المرء سوى أن يحفظ جيدا معنى كلمة خنزير بلغة البلد الذي يعيش فيه وبالتالي يمكنك دائما ان تتجنب هذه الكلمة أينما وجدتها، ولأني أعرف أن مشتقات الخنزير قد توجد أيضا في بعض المنتجات الغذائية فقد كنت أقضي بعض الوقت في قراءة مكونات المنتج قبل شراؤه بحيث أكون مطمئنا أنه لا يحتوي على أي من مشتقات الخنزير، لكن المسألة كانت أعقد مما ظننت! ففي البداية فإن القاعدة العامة بالطبع هي تجنب شراء كل أنواع اللحوم حتى غير المخنزرة منها إلا تلك التي يكتب عليها بأنها ذُبحت على الطريقة الإسلامية، فبعض سلاسل المحلات التجارية الألمانية الشهيرة توفر أنواع من اللحوم الحلال، والقاعدة الثانية في الموضوع هي التنبه إلى أنواع الحلويات حيث قد تدخل مشتقات الخنزير في صناعة بعض أنواع الحلويات لذلك يجب قراءة مكونات هذه المنتجات جيدا وكقاعدة عامة كنت أعرف أن المنتج الذي يُباع بسعر رخيص هو أكثر عرضة للشك في احتوائه على مشتقات الخنزير لأن الحلويات والمنتجات غالية السعر لا تحتوي على أي جيلوتين خنزيري، ومع ذلك تعرضت هذه القاعدة للاهتزاز حين أخبرتني سيدة ألمانية أن علي أن أنتبه لأن هناك أنواعا من الحلويات غالية الثمن تحتوي على نسبة كبيرة من الكحول!


شوكولاتة فاخرة تحتوي على نسبة كبيرة من الكحول


كما أنني اكتشفت بعد مدة أن مشتقات الخنزير يمكن أن تتواجد في منتجات لا تخطر على البال ولا يمكن أن يشك المرء أنها قد تحتوي على هذه المادة، فمثلا اكتشفت أن هناك أنواعا من الجبنة البيضاء القابلة للدهن – وهي تشبه جبنة أبو ولد أو البقرة الضاحكة في العالم العربي – يوجد  بها دهون خنزير بل ان اسمها بالألمانية جبنة بالخنزير schinken käse ..! وهناك أنواع من الخبز يوجد بها ايضا جيلاتين خنزيري وغيرها من الأصناف التي لا يتوقع المرء أن يجد فيها أي من مشتقات الخنزير..


جبن بالخنزير..!


حتى علب البقوليات قد تحتوي على قطع من لحم الخنزير



 وهنا بدأ الأمر يتحول إلى نوع من  الوسواس..! فما دامت الجبنة العادية لم تسلم من هذا المكون الخبيث فما الذي يضمن أنه لن يتواجد في منتجات أخرى بريئة؟ هكذا أصبح الوقت الذي تستغرقه عملية شراء أي شيء من السوبر ماركت أطول، بسبب غرابة وتنوع المنتجات من ناحية وكذلك بسبب موضوع المشتقات غير المرغوبة هذه، وأصبح هاجس مشتقات الخنزير شبحا يطاردني في كل مكان...


السلطة أيضا قد تحتوي على الخنزير


 ومع مرور الوقت ومعرفة اللغة بشكل أكثر والتعود والاحتكاك أصبحت المسألة أسهل وصار بإمكاني تمييز المنتجات بسهولة والاختيار من بينها وكذلك تجنب المنتجات التي تحتوي على مشتقات الخنزير أو الكحول، لكن الافراط في الثقة له مساوئه أيضا، ففي مرة كنت وزوجتي نتسوق في مركز تجاري كبير وشعرنا ببعض الجوع ففكرنا أن نتناول بعض المعجنات مع كوب من القهوة ثم نواصل المشوار، وهكذا ذهبت إلى أقرب قسم للمعجنات وفي العادة فإنني اختار الكرواسان بالزبدة لكن لأننا جربناه مرارا فكرت في نوع من التغيير، جلت ببصري على الرفوف فوجدت نوع من الكراوسان بالجبنة، وعلى الفور مددت يدي آخذ بعضا منها.. تذكرت حينها الكراوسان بالجبنة الذي كنا نأكله في صنعاء وكم كان مذاقه رائعا خصوصا حين تتناوله ساخنا خرج للتو من الفرن!

المهم عدت أدراجي حيث تجلس زوجتي واشترينا القهوة وبدأنا نأكل، كان مذاق الكراوسان جديدا وغير مألوف إلا أنه لا بأس به، لكن زوجتي أمسكت بالكراوسان تتأمله في شك قبل أن تسألني "هل أنت واثق أن هذا النوع بالجبنة فقط ولا يوجد به أي أشياء أخرى؟" هززت رأسي بثقة وأنا مستمر في القضم والرشف والشعور بالشجن على كرواسان صنعاء..

كنت آكل بثقة بينما ظلت زوجتي متشككة خصوصا أن المذاق لم يرق لها على عكسي أنا..بعد كل هذا الوقت والخبرة التي تولدت لدي لا يمكن أن أخطىء، بل يمكنني القول أنني استطيع أن أشتم رائحة مشتقات الخنزير في أي منتج عن بُعد! المهم أكلنا وشربنا ثم واصلنا مشاويرنا، لكن في وقت متأخر من ذلك اليوم حين عدنا إلى البيت وقبل أن أخلد إلى النوم طاف بذهني خاطر مفاجىء و منغص..على تقنية الفلاش باك تذكرت بشكل ضبابي أن هناك كلمة ما كانت مكتوبة جوار ذلك النوع من الكراوسان، كلمة لم أدقق فيها كثيرا أو ربما لم انتبه لها لكن يبدو أنها هي مربط الفرس! ثم وجدت نفسي أفكر في تلك القطع البنية الصغيرة التي كانت موزعة في الكرواسان..اعرف ان هناك عشرات الانواع من الجبنة هنا لكن لم أر من قبل مثل هذا الشكل..ترى هل تكون تلك القطع عبارة عن......؟

 وهنا بدأت عضلات بطني تتقلص وانا انظر إلى زوجتي التي كانت نائمة، يبدو أننا تناولنا كرواسانا بالخنزير يا زوجتي العزيزة والغلطة غلطتي بالطبع! لكن لا زال هناك شك في الموضوع، غدا صباحا أعود إلى المكان وأتأكد..وفي اليوم التالي ذهبت وتأكد لي شكي، بالفعل وبخط صغير كان ذلك الكراوسان يحتوي على شيئين.. الجبن – وهو خبر طيب ويعني انني كنت على نصف حق- وكان ايضا  يحتوي على لحم الخنزير وهو ما يفسر تلك القطع الصغيرة الغامضة والمذاق غير المألوف والذي أشعر به الآن وأتقزز منه بأثر رجعي بالطبع! طبعا ليس هناك ذنب علينا لأن الأمر تم بالخطأ "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، لكن الشعور بالتقزز كان قويا، وكان هذا يعني ايضا أن الثقة الزائدة بالنفس قد تودي بصاحبها إلى الوقوع في الخطأ وهو درس تعلمته بالطريقة الصعبة وصرت بعدها أكثر حذرا وتدقيقا وعرفت أن المعركة بيننا وبين الخنزير لم تنته بعد، وبالإضافة إلى هذا كله، كان عندي أيضا مشكلة أخرى وهي كيف أصارح زوجتي بالحقيقة وبأن شكها كان في محله وأنني جعلتها تأكل للمرة الأولى ليس فقط لحما غير مذبوح وإنما كرواسان بالخنزير!

 نعم، المرء في الغربة يواجه الكثير وعليه أن يتعود على الكثير، وبالتأكيد تتباين هذه الاختلافات في صعوبتها ووقعها، لكن على المرء في كل الأحوال أن يتحلى بالصبر والهدوء وأن يحاول التعلم والتأقلم، وبالطبع  عليه أيضا أن يحرص على ألا يحضر لزوجته كرواسانا بنكهة الخنازير كوجبة سريعة، وربما كان قرصا من الشوكولاتة بالزبادي أو المهلبية بالباذنجان خيارا أسلم وأأمن في هذه الحالة!