Pages

August 14, 2017

هذه تجربة طفلي في روضة الأطفال في ألمانيا




أمام مبنى الروضة


رشا المقالح

قال الشاعر قديما : أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا...و أنا أقول اليوم : أتاك الصيف المنعش يختال ضاحكا! فهذا الصيف بالنسبة لي هو صيف مميز، فطفلي الوحيد قد أنهى فترة روضة الأطفال و هو حاليا يقضي إجازة الصيف الأولى التي تسبق دخوله المدرسة!  ففي سبتمبر القادم سيبدأ عامه الأول في المدرسة وإنني لأتعجب حقا كيف مرت عامين من روضة الأطفال بهذه السرعة المدهشة!

لا زلت أتذكر اول يوم له في الروضة في ألمانيا و كيف كان خائفا جدا و ممسكا بي يرفض أن يتركني أو أن أبتعد عنه قليلا. و الحق يقال فقد كنت أنا أيضا أشعر بالخوف، كيف لا و نحن في بلد غريب، بلغة و ثقافة مختلفتين تماما عن كل ما عهدناه. لذا راودني شعور بالقلق و ساورتني الشكوك و التساؤلات عما إذا كان طفلي قادرا على التأقلم خاصة مع حاجز اللغة.

 و لكني فوجئت بأن الطريقة المتبعة في رياض الأطفال الألمانية مع الأطفال المسجلين حديثا تمتاز بالمراعاة التامة، حيث أبلغوني بأنني يمكنني مصاحبة طفلي حتى يتغلب على خوفه و حتى يعتاد على محيطه الجديد و يشعر بثقة كافية تمكنه من البقاء وحده في الروضة دون وجود أحد والديه.

قال لي معلمو الروضة أن ساعة واحدة في اليوم تكفي في الأسبوع الأول، حتى يتعرف على محيطه، و في الأسبوع الثاني قاموا بتمديد الفترة إلى ثلاث ساعات في اليوم و ذلك بالطبع مع وجودي معه. لاحظت كيف كان في بداية الأمر قلقا متحفزا، ثم كيف أصبح مع مرور الأيام أكثر تقبلا و راحة. لذا في الأسبوع الثالث لم يكن يبحث عني نهائيا و قد أخبرني المعلمون أنه مستعد لقضاء اليوم كاملا في الروضة، دون الحاجة إلى وجودي بجانبه، حيث يمكنني الإنتظار في صالة الروضة أو ربما يمكنني الخروج من الروضة و البقاء قريبة من محيطها. و في اليوم الأخير من الأسبوع الثالث، عندما قمت بتوصيله إلى الروضة ودعني من تلقاء نفسه بابتسامة عريضة قائلا: مع السلامة!

لن أنسى أبدا شعوري في تلك اللحظة، كان مزيجا من الرضا و الإرتياح و الإمتنان أيضا! امتنان كبير لهذه الطريقة السلسة لتهيئة الأطفال في هذه المرحلة، و كيف أنها تخفف من قلق الانفصال الذي يصيب الأطفال عند ابتعادهم عن الأهل للمرة الأولى. طريقة تتسم باللطافة و احترام مشاعر الطفل و عدم الضغط عليه و كذلك على والديه.

أعرف أنه في أماكن كثيرة من العالم، يجب على الآباء ترك أطفالهم في الروضة في أيامهم الأولى، و لا يتسنى لهم قضاء وقت كاف مع أطفالهم لحين إكتسابهم الثقة اللازمة للبقاء بمفردهم في الروضة. لذا فإن كثيرا من الآباء و الأمهات يراودهم شعور بالذنب و الألم حين يضطرون لفراق أطفالهم و هم باكين منتحبين و عيونهم مليئة بالفزع و القلق.

و لكن لحسن الحظ، ليس هذا هو الحال في رياض الأطفال الألمانية!   كنت سعيدة أن ابني حظي ببداية مشجعة في الروضة، و زادت سعادتي أكثر و أنا أشاهده يتأقلم بسرعة مع الروتين، و كيف أصبحت الروضة مع مرور الوقت تشكل بيته الثاني.

 و تمتاز الروضة بكثير من المرافق و الإضافات التي تجعل الأطفال يشعرون بالفعل و كأنهم في منزلهم، فعلى سبيل المثال يوجد أمام كل صف خزانة حائطية بمعالق و رفوف لكي يضع فيها الأطفال أغراضهم.  في الجزء السفلي من الخزانة توجد دكة خشبية طويلة يضع تحتها الأطفال أحذيتهم، ليرتدوا بدلا عنها ما يسمى بحذاء المنزل أو ما يعرف لدينا بالشبشب. كل طفل لديه رف و معلاق خاصين به. و كل رف يلصق عليه اسم الطفل و كذلك رمز طفولي مثل الشمس أو شجرة أو كرة و غيرها. الرمز الخاص بطفلي كان عبارة عن أقلام تلوين.  على المعلاق يقوم كل طفل بوضع سترته و حقيبة الظهر و السروال الواقي من المطر.أما على الرفوف ذات العلامات المميزة يضع الأطفال الأحذية المنزلية و قبعات الصوف و غيرها من الأشياء الصغيرة الخاصة بهم. 








و من الأمور التي جعلت الروضة أكثر دفء و حميمية هي وجود رفوف كبيرة في أعلى خزانة الحائط وضع عليها صناديق كبيرة حيث يوجد صندوق لكل طفل و عليه اسمه. بداخل هذه الصناديق توجد ملابس للتغيير في حالة احتياج الطفل لذلك. الآباء و الأمهات مسئولون بشكل كامل عن محتويات هذه الصناديق و عليهم أن يتأكدوا دائما أن صندوق الملابس الاحتياطية يحتوي على جوارب و ملابس داخلية و قمصان و سراويل و غيرها.


صناديق الملابس الاحتياطية


و يتم تقسيم الأطفال في الروضة إلى مجموعات و كل مجموعة لديها صف دراسي خاص بها و لها اسمها المميز. في بداية الأمر كنت أتوقع أن  تقسيم الأطفال يتم بناء على أعمارهم و لكني لاحظت أن كل مجموعة كانت عبارة عن خليط من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة و السادسة. عندما سألنا معلمي الروضة عن ذلك قالوا أن هذا جيد للأطفال، فبهذه الطريقة يتعلم الأطفال الأصغر سنا من الأكبر سنا، أما الأطفال الأكبر سنا يتعلمون رعاية الأطفال الأصغر سنا و التعامل بلطف معهم.

كانت تلك هي اللحظة التي اكتشفت فيها أن رياض الأطفال الألمانية ـ لا تقوم بتعليم القراءة والكتابة على الإطلاق!  على عكس بعض أجزاء من العالم، رياض الأطفال في ألمانيا ليست مكانا  يبدأ الأطفال فيه في تعلم الأبجدية و الأرقام، إنما هي أشبه ما تكون بمراكز لرعاية الأطفال في النهار حتى يتمكن آبائهم و أمهاتهم من الذهاب إلى العمل.

 وبعبارة أخرى، فإن رياض الأطفال في ألمانيا ليست جزءا من النظام التعليمي و لهذا السبب فإن كلمة معلم "ليرير" لا تستخدم أبدا في رياض الأطفال الألمانية تحت أي ظرف، و إنما هناك كلمة أخرى لوصف الشخص الذي يعتني و يشرف على الأطفل في الروضة و هذه الكلمة هي "ايرتسير" و يمكن ترجمتها إلى كلمة مربي أو منشيء و هكذا يمكن القول بأن العملية التي تحصل في رياض الأطفال الألمانية ليست تعليما بالمعنى النظامي المتعارف عليه و أنما هي شكل من أشكال التنشئة. 

 ولذلك، فإن كلمات مثل "فصل دراسي" و "معلم" ليست مناسبة هنا و لكنني قمت باستخدامها على كل حال في هذه التدوينة حيث أنني لم أجد الترجمات الأخرى قابلة للاستخدام كبدائل مناسبة.

 و الآن دعونا نتعرف عن كثب كيف يقضي الأطفال يومهم في الروضة الألمانية. في العادة بعد أن يصل الأطفال صباحا و يقومون بتعليق ستراتهم و حقائب الظهر و خلع أحذيتهم و استبداله بحذاء المنزل، فإنهم يلعبون بحرية لبعض الوقت إما في فصولهم الدراسية أو في الردهة أو في غرفة الرياضة و التي هي عبارة عن غرفة تحتوي على حصير رياضي و إطار للتسلق و كرة للقفز و بعض الكرا ت الأخرى. و هنا يمكن للأطفال الحركة و ممارسة بعض النشاط البدني بطريقة عفوية و تفريغ جزء من طاقاتهم. و عندما يفتح مطعم الروضة يتوجه الأطفال إليه لتناول طعام الإفطار.

غرفة الرياضة





في التاسعة تماما تنتهي وجبة الإفطار و يجب على كل طفل أن يتوجه إلى فصله حيث توجد مجموعته،  و لكل مجموعة اسم طريف خاص بها، فمثلا هناك مجموعة "الراكون" و مجموعة "الشمس" و مجموعة  أخرى " متعددة الألوان" أما المجموعة التي ينتمي إليها طفلي فكان اسمها مجموعة "الأرانب"! و تتضمن المجموعة حوالي 21 طفلا مع اثنين من المعلمين.  كل مجموعة لديها الغرفة الخاصة و بها الأشياء و الأدوات التي تبقي الأطفال منشغلين مثل كتب الأطفال، ولعب الأطفال، والألعاب الأخرى مثل لعبة الأحجية و تركيب الصور المقطعة، بالإضافة إلى بعض المواد والمعدات اللازمة للتلوين و  كذلك بعض الأشغال اليدوية.

في الفصل


الفصل الخاص بمجموعة "الأرانب" مقسم إلى عدة  أجزاء، فهناك ركن البناء و الذي يحتوي على ألعاب التركيب التي تنمي مهارات البناء مثل قطع المكعبات البلاستيكية و كذلك الخشبية، كما يحتوي ركن البناء على عدد من السيارات الصغيرة، و غيرها من القطع التي تثير خيال الأطفال و تجعلهم ينخرطون في ألعاب البناء و قضاء بعض الوقت مع بعضهم البعض في التفكير بشكل خلاق و ترتيب القطع في أنماط معينة تنتج عنها أشكال متنوعة.

ركن ألعاب البناء


بالإضافة إلى ركن البناء، هناك ركن آخر يسمى بركن الدمى و يقع في الدور العلوي و لديه سلم خشبي صغير يؤدي إليه. في هذا الركن يوجد مطبخ لعبة و كنبة صغيرة و كذلك سرير خاص و عدد من الدمى.

هناك جزء آخر من الفصل مخصص للرسم و التلوين و الأعمال اليدوية، حيث يمكن للأطفال الجلوس معا حول الطاولة و اطلاق العنان لمخيلاتهم و تفريغ ما يجول في عقولهم الصغيرة على الورق. أو ربما قاموا بصنع بعض الأشكال من الخشب أو الورق أو غيرها من المواد بتوجيه من المعلمين. كان طفلي يحضر معه من حين لآخر بعضا من هذه الأشياء التي صنعها في الروضة و هو يشعر بالفخر و السعادة.



من أكثر اللحظات المميزة التي تجمع الأطفال سويا هي ما يعرف بحلقة الصباح حيث يجتمع أطفال المجموعة الواحدة مع بعضهم في الفصل و يجلسون في حلقة مع معلميهم، يحيون بعضهم و يغنون الأغاني و تقرأ المعلمة قصة مشوقة من كتاب للأطفال و الأطفال يستمعون إليها بانتباه. و عندما يكون عيد ميلاد أحد الأطفال في المجموعة فإنهم يحتفلون به في الحلقة الصباحية حيث يجلس الطفل على "كرسي عيد الميلاد" و يلبس تاجا له ذيل طويل و يغني له الأطفال أغنية عيد الميلاد، ثم تقدم له المعلمة صندوقا مليئا بالهدايا المختلفة و له أن يختار واحدة منها كهدية عيد الميلاد.

الاحتفال في الروضة بعيد ميلاده السادس 


تستغرق حلقة الصباح حوالي نصف الساعة،بعدها يمكن للأطفال البقاء في فصلهم  واللعب معا أو ربما يُسمح لهم بالخروج إلى حديقة الروضة و التي تحتوي على ألعاب متنوعة تشبه الألعاب الموجودة عادة في حدائق الأطفال مثل المراجيح و الزلاقات و ألعاب التسلق و غيرها.

حديقة الروضة


في الساعة الثانية عشر و نصف يحين موعد الغداء ويجتمع الأطفال في مطعم الروضة، و على الرغم من أن طفلي لا يقبل على الأكل كثيرا و هو صعب الإرضاء جدا في هذه الناحية إلا أنه أحب كثيرا الأطباق التي كانت تقدم له في الروضة خصوصا في وجبة الغداء حتى أنه طلب مني تحضير بعضها له و عندما حاولت عدة مرات تحضير بعض تلك الأصناف، كان يتذمر قائلا."لا ياماما! هذا لا يشبه الطعام الذي نتناوله في الروضة! " و هنا لا أملك ، كأم ، إلا أن أشعر بالحرج و الغيظ!  

مطعم الروضة


بعد أن تنتهي وجبة الغداء في الروضة، يحصل الأطفال على ساعة أخرى من اللعب الحر قبل أن يجيء موعد ما يسمى ب "وقت الشاي" ، و على الرغم من التسمية إلا أنه لا يتم تقديم أي شاي في هذا الوقت و إنما يجتمع الأطفال على طاولة فصلهم و يتناولون وجبة خفيفة مثل الفواكه أو الخضروات و الكعك و الحليب و غيرها.

على الرغم من أن الأطفال لا يتعلمون مهارات القراءة و الكتابة في الروضة على الإطلاق حيث يترك هذا الأمر للمدرسة بشكل كامل، إلا أن الروضة لديها برنامج متكامل يوفر للأطفال فرصا رائعة للتعلم. فقد تعلم طفلي العديد من الأشياء المهمة و اكتسب بعض المهارات اللازمة و التي سوف يحتاجها بكل تأكيد في المدرسة و كذلك في الحياة بشكل عام. فعلى سبيل المثال في بداية دخوله إلى الروضة لم يكن ابني يعرف حرفا من اللغة الألمانية، و هناك في الروضة التقط اللغة بسرعة قياسية حتى أن معلمي الروضة أبدوا إعجابهم الشديد بذلك!

من النشاطات المهمة التي يتضمنها جدول الروضة هو الرحلات الميدانية، و كان يوم الثلاثاء مخصصا لذلك تحت اسم "يوم الطبيعة". و هذا النشاط يقتصر على الأطفال الذين سوف ينضمون إلى المدرسة في العام المقبل و يطلقون عليهم "أطفال المدرسة" (شول كيندر). و في صباح كل ثلاثاء يتجمع أطفال المدرسة في الروضة و يأخذون معاهم حقائب الظهر و وجبة خفيفة و مشروبا ثم يتوجهون إلى الغابة أو إلى حديقة المدينة. و هناك يقومون معا بممارسة بعض الأنشطة مثل بناء خيمة أو يجمعون أشياء من الغابة. في بعض الأحيان، قد تنظم الروضة رحلة بالحافلة إلى خارج المدينة، حيث يزور الأطفال أماكن مثيرة لاهتمامهم مثل حديقة الحيوان أو بحيرة معروفة و غيرها.

في البداية، لم يكن ابني مهتما على الإطلاق بالرحلات الميدانية، و في صباح الثلاثاء يرفض الذهاب إلى الروضة
و يتذمر و يبكي و مع الوقت تقبل الأمر و صار متحمسا لتلك الرحلات. اللطيف في الأمر أن معلمي الروضة قاموا بتوثيق كل النشاطات التي قاموا بها في هذه الرحلات الميدانية في ملف لكل طفل، حيث قاموا بوضع الصور التي التقطوها و كذلك المعلومات التي حصل عليها الأطفال و الأشياء التي قاموا بصنعها بأنفسهم في تلك الرحلات. وعندما أحضر ابني معه في اليوم الأخير من الروضة ذلك الملف إلى المنزل شعرت بسعادة غامرة و أنا أقلب في صفحاته و أرى أن طفلي شارك في أنشطة مفيدة جدا و تعلم أشياء كثيرة عن الطبيعة و الحيوانات و الحشرات، يا لها من نشاطات مثمرة للغاية!



صفحات من ملف الرحلات الميدانية


و بالإضافة إلى الرحلات الميدانية، يقوم معلمو رياض الأطفال بإعداد بعض الأنشطة الأسبوعية الرئيسية للأطفال مثل ورش العمل التي يقوم بها أشخاص متخصصون لشرح مواضيع مختلف مهمة مثل مصادر الطاقة أو أهمية تنظيف الأسنان، و غيرها من المواضيع. فمثلا عاد ابني إلى المنزل يوما ما و هو يشرح لنا عن الهرم الغذائي و أنهم قاموا بصنع واحد في الروضة!

وقد أعد المعلمون ملفا آخر يتضمن الأنشطة و ورش العمل التي تمت بداخل الروضة. و في نهاية العام الدراسي حصل كل طفل انهى فترة الروضة على الملف الخاص به و أحضره معه إلى المنزل مع صورة جماعية لكل أطفال المجموعة مع معلميهم.

صفحات من ملف النشاطات في الروضة


من المهارات المهمة التي اكتسبها طفلي في الروضة هي كيفية تكوين صداقات وكيفية التفاعل اجتماعيا. أما من الناحية الثقافية فقد شارك و تعلم الكثير عن الاحتفالات التقليدية التي تقام في ألمانيا مثل "الكرنفال" و الاحتفال بالخريف و احتفالات عيد الميلاد و غيرها.

الاحتفال بيوم الكرنفال


من الأمور الأخرى اللطيفة في رياض الأطفال الألمانية هو ما يعرف بـ"كتاب الصداقة" (فروينديه بوخ). و هو عبارة عن دفتر للذكريات يقوم كل طفل بشراء واحد لنفسه و من ثم يمرره على أصدقاءه في الروضة و كذلك على معلميه حتى يضعوا صورهم و يكتبوا أسماءهم و تواريخ ميلادهم و عناوينهم. وبهذه الطريقة، عندما يكبر الأطفال، يظلون على علم بكل الأشخاص الذين قضوا وقتهم معهم في الروضة. أليس أمرا رائعا أن يقتني الأطفال في هذه السن الصغيرة مثل هذه الذكريات؟!

كتب الصداقة


و على الرغم من أن طفلي قضى وقتا رائعا في الروضة إلا أنه لم يمر تماما دون لحظات مؤلمة. ففي إحدى المرات قام أحد الأطفال بإغلاق الباب على يده بقوة و أصيب طفلي بجرح كبير مما اضطر الروضة إلى استدعاء سيارة الإسعاف، و ذهبنا إلى قسم الطواريء و هناك أخبرونا أن عظمة الاصبع قد كسرت، واضطر الاطباء الى وضع دعامة معدنية حول إصبعه المصابة لبضعة اسابيع. كانت لحظات مؤلمة بالفعل و اضطر طفلي إلى البقاء في المنزل لفترة من الوقت قبل العودة إلى الروضة. و خلال تلك الفترة، قامت مجموعة "الأرانب" من الروضة بإرسال بطاقة بريدية له متمنية له الشفاء العاجل.





في الأخير، عندما أرى كيف كبر طفلي بهدوء في الروضة و كم من ذكريات لطيفة حظي بها في هذين العامين، أشعر بامتنان كبير. لقد قام المعلمون حقا بعمل رائع ! و أثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أن الأطفال يمكنهم أن يتعلموا الكثير من خلال اللعب بعيدا عن الضغوطات. و على الرغم من أنني سأفتقد طفلي الصغير الذي كبر اليوم كثيرا إلا أنني أنتظر بصبر فارغ و أتطلع إلى خطوته الكبيرة المقبلة في الحياة .....المدرسة!





August 6, 2017

التخدير على الطريقة الألمانية – الجزء الثالث والأخير


أنيس الباشا




جرب أن تقف ليلا داخل أي غرفة بها مصدر إضاءة، قف قرب زر الإنارة ثم قم بإطفاء النور.. انتظر ثانية واحدة ثم أشعل النور مجددا.. هذا بالضبط ما حدث لي بعد أن تم تخديري في ذلك اليوم في المستشفى توطئة لإجراء 
العملية!

كان آخر شيء أذكره عندما تم البدء بتخديري هو منظر لوحة الزهور تلك والطبيب الألماني الذي قال لي "بسم الله"، ثم فجأة أطفأ أحدهم النور وبعد ثانية واحدة عاد الضوء مجددا وفتحت عيني لأجد نفسي ممددا على سرير ما وأمامي ممرضة ألمانية كانت توليني ظهرها وحين استيقظت التفتت إلي وقالت شيئا ما لم أتبينه بوضوح وإن كنت خمنت أنه لن يخرج عن جملة على غرار "حمدلله على السلامة"!

هكذا بكل بساطة... يا للإحباط!! لم تكن هناك أحلام شفافة ولا تحليق روحي ولا رؤى ضبابية قادمة من اللامكان.. لم تذهب روحي إلى عوالم بعيدة غامضة ولم تلتق بأرواح من ماتوا من أهلي، لم أدخل أي نفق ولم أر أي ضوء مثل تلك المشاهد التي قرأتها في الروايات أو رأيتها في الأفلام.. بل أنني لا أذكر حتى ما إذا كنت حلمت بأمر ما أو سمعت شيئا ما أثناء غيبوبة التخدير، والشيء الوحيد الذي أكد لي أنني خضعت بالفعل لعملية جراحية هو ذلك الألم الكبير الذي أشعر به وهذه الجدران والأجهزة التي تحيط بي، أما ما عدا هذا فالأمر لا يعدو عن غفوة سريعة لبضع ثوان! يبدو أننا في عصر المادة بالفعل حيث أفسدت التكنولوجيا معظم حواسنا أو عطلتها.. يبدو أن الناس في الماضي كانت لديهم القدرة على التحليق بشفافية وتهفهف أرواحهم بمجرد أن يناموا ويكفي أن يفقد الواحد منهم وعيه ليجد نفسه "يحلق" في عوالم خيالية رائعة ويبحر عبر الزمان والمكان..

والغريب أنني لم أشعر بمشاعر التوهان والضياع وانعدام الوزن التي قال لي طبيب التخدير أنها ستحدث بمجرد أن أفيق وأوصاني بأن لا أقلق حينها وأنها أمر طبيعي سيزول..حتى هذه لم تحدث! فحين فتحت عيني احتجت فقط لدقيقة أو أقل كي أدرك أنني فلان وأنني أرقد في المستشفى الفلاني..! كان أول ما قمت به حين استعدت وعيي هو أن سارعت بالتأكد من أن أسناني جميعها سليمة وفي مكانها! فأنا لم أنسى كل المحاذير والاحتمالات المبهجة التي زودوني بها قبل العملية..ترى كيف أعرف إن كان هناك ثقب ما في الرئة أو في المعدة؟ لا أدري لكني أتنفس بشكل طبيعي على كل حال، ولربما كان من الأفضل أن انتظر حتى يخبروني بنتيجة العملية وعما إذا كان كل شيء مر على ما يرام أم لا.. تساءلت حينها وأنا ممدد في السرير ..ترى هل كنت أهذي قبل أن أستيقظ  أم أنني استيقظت مباشرة؟ في الحقيقة لا أذكر لأنني شعرت بأنني استعدت وعيي مباشرة، ولو كنت هذيت فبالتأكيد لم يفهم الممرضون الألمان شيئا مما قلت حتى لو كان بعضهم يجيد العربية مثل ذلك الطبيب فمن الصعوبة بمكان أن يفهم أحد اللهجة اليمنية الأصيلة..!

بعد دقائق قليلة جاء ممرض يرتدي لباس معين قام بتحريك السرير الذي ارقد عليه عبر ممرات المستشفى الهادئة، والملاحظ هنا أن كل فريق في هذا المستشفى يرتدي لباس خاص به وهكذا يمكن تمييز فريق الأطباء من الممرضين من الإداريين من عمال النظافة ..الخ، وكل فريق له مهام محددة، فمهمة تحريك ودفع أسرة المرضى ونقلهم من مكان لآخر مثلا هي مهمة فريق محدد وتنتهي مهمة هذا الفريق بمجرد إعادة السرير – مع المريض- إلى مكانهما..

كان احساسي بالوقت مشوش قليلا ولم نمر قرب أي نوافذ لذا فلم أدر بالضبط هل ما زلنا في العصر أم أن الليل حل؟ وصلنا أخيرا إلى غرفة خاصة لمحت اسمي مكتوبا على بابها وجواره اسم آخر، كانت الغرفة واسعة ونظيفة تحتوي على سريرين أحدهما لي والآخر رقد عليه شاب ألماني، وضع الممرض سريري من ناحية النافذة و أخبرني قبل أن يغادر أن الأطباء سيأتون لاحقا ليتحدثوا معي، إلى جوار الألم الذي منعني من الحركة بسلاسة كنت أشعر بغثيان كبير، ولذلك لم أتبادل حرفا مع جاري في الغرفة،كانت حاجياتي كلها قد وضعت في خزانة خاصة مغلقة داخل الغرفة وتم وضع مفتاح الدولاب الخاص بي في مظروف مغلق جوار سريري..

 بعد دقائق جاء الطبيب المختص ومعه طبيبة أخرى أخبروني أن كل شيء على ما يرام وأن العملية تمت بنجاح وأن الألم الذي أشعر به الآن سيخف مع مرور الوقت كما أن الغثيان الشديد هو عارض طبيعي بسبب التخدير،و سألوني ما إذا كنت أريد أي شيء فأجبت بالنفي.. انصرف الأطباء وجاءت ممرضة ترتدي زي مختلف وضعت صينية عليها أكل بالقرب من سريري لكني لم أكن أشعر بأي رغبة في الأكل.. كنت أنظر من نافذة الغرفة إلى الغروب الذي دنا  وأشعر بمزيج عجيب من الارتياح المشوب بالحزن والأسى، سواء كان المرء زائرا أم مُزارا، فإن أجواء المستشفيات تبعث في النفس عادة مزيج من المشاعر المؤلمة وتستدعي ذكريات مقبضة.. دخلت المستشفيات مرات عديدة داخل اليمن وخارجها لكنها المرة الأولى التي أكون فيها النزيل وليس الزائر أو المرافق..




وبينما أنا في خواطري، فُتح باب الغرفة ودخلت منه زوجتي وإمارات الفرح والارتياح بادية على وجهها، شعرت براحة كبيرة لمجيئها وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، حكت لي كيف قضت تلك الساعات العصيبة بمفردها في ذلك المستشفى الضخم، وأخبرتني أنها عند حوالي الساعة الثالثة أرادت أن تطمئن على ما يجري معي فذهبت إلى الإدارة التي تشرف على قسم العمليات وهناك تكلمت مع الموظفة المختصة فقامت هذه بفتح برنامج ما على جهاز الكومبيوتر ثم أخبرت زوجتي أن عمليتي بدأت بالفعل منذ حوالي نصف ساعة فقط وأنها سوف تستغرق بعض الوقت، وقالت الموظفة لزوجتي أن تترك رقم هاتفها لديهم وسيقومون هم بالاتصال بها بعد أن تنتهي العملية وسيعلمونها بمكان تواجدي كي تأتي حينها وتراني..وبالفعل ما أن انتهت العملية حتى اتصلوا بها وأبلغوها بالطابق ورقم الغرفة التي تم وضعي فيها..

بعد ذلك اضطرت زوجتي للانصراف كي تتمكن من اصطحاب ابننا الذي تركناه عند صديقة ألمانية، كنت اشعر برغبة في النوم وبدأت شهيتي للأكل تعود قليلا، من حسن الحظ أن رفيق غرفتي كان صامتا فلم أكن أشعر برغبة في تبادل الحديث معه، كانت هناك شاشة مرتبطة بالسرير يمكن تحريكها وبها عدة وظائف حيث يمكن مشاهدة بعض القنوات التلفزيونية فيها أو لعب بعض الالعاب، كان الشاب الألماني يشاهد مباراة ما أما أنا فلم أكن في مزاج يسمح بمشاهدة أي شيء لذا استلقيت في السرير محاولا تناسي الألم الذي أشعر به، بعد ذلك جاءت ممرضة حقنتني بأحد الأدوية وأعطتني أيضا حبوبا مسكنة للألم ، بعد ذلك بقليل غلبني النوم.. 



في اليوم التالي كنت أشعر ببعض التحسن حتى انني تناولت طعام الافطار وجلست في سريري أقرأ، لم يجر بيني وبين رفيق غرفتي الألماني أي حوار، كان شابا ممتلىء الجسم يبدو أنه رياضي تعرض لاصابة قوية، لو كان هذا الأخ يمني أو عربي لكان قد سألني بالتفصيل عن تاريخي الشخصي والاجتماعي والمهني وطلب أن أحكي له قصتي وقصة أجداد أجدادي! لكن مع هذا الأخ الألماني فقد مرت علينا ليلة كاملة في غرفة مشتركة ولم يعرف أحدنا حتى اسم الآخر.. 

 جاء الطبيب المشرف على حالتي وأطمأن أن كل شيء على مايرام وسألني كيف أشعر، سألته متى يمكنني مغادرة المستشفى فقال لي أن القرار الآن قراري فإن شئت يمكنني أن أبيت اليوم وحتى غدا، وإن أردت أن أعود إلى البيت فيمكنني ذلك لأن حالتي مستقرة وكل شيء على ما يرام، قلت له أنني أفضل المغادرة فقال لي أنهم سيقومون أولا بعمل بعض الفحوص الروتينية وسيتم اعطائي بعض الارشادات والادوية ومن ثم يمكنني المغادرة ، ويبدو أن رفيق غرفتي الألماني شعر ببعض الأمل حين سمع كلام الطبيب لي فقد سمعته بعد ذلك مباشرة يسأل الطبيب هل يمكنه هو ان يغادر المستشفى اليوم فأجابه الطبيب بالنفي فورا وقال انه لا يعتقد ان بامكان الشاب المغادرة إلا بعد مضي يومين على الأقل، ومن بعدها شعرت بأن زميل الغرفة هذا زاد حقده علي وبالطبع لم نتبادل أي حرف!

بعد حوالي ساعة جاء ممرض من فريق "الدفع والتحريك" ليصطحبني وانا ممدد على السرير إلى قسم آخر حيث أجريت بعض الأشعة، كان ذلك الممرض يقوم بايصال السرير إلى المكان المطلوب ثم ينتظر حتى ينتهي الاطباء من عمل الفحوصات فيقوم حينها بدفع السرير مجددا كي يعيدني إلى غرفتي ..

كان أجمل شيء حصل يومها هو مجيء زوجتي بصحبة ابني إلى المستشفى، بالطبع أُعجب ابني بالسرير الذي يتحرك بالريموت صعودا وهبوطا وبالشاشة التي يوجد بها بعض الألعاب وسألني مئات الاسئلة عن العملية وعن المستشفى وعن كل شيء.. ثم جاءت ممرضة وأعطتني بعض الأدوية وشرحت لي كيفية استخدامها و بعد قليل جاءت طبيبة جديدة لم أرها من قبل أخبرتنا أنها مسئولة العلاج الطبيعي وأحضرت معها زوج من العكازات الطبية الجديدة أعطتهما لي وشرحت لي كيفية استخدم تلك العكازات بشكل عملي وطلبت مني أن أريها كيف استخدم العكازات وحين أطمأنت أن كل شيء على ما يرام ودعتنا وانصرفت، وحينها خرجنا أنا وزوجتي وابني من الغرفة وأنا متكىء على عكازاتي الجديدة ومشينا عبر الممرات إلى الخارج..هكذا بدون أن يكون هناك حاجة لتوقيع طن من الأوراق من أجل الحصول على "إطلاق سراح" كما يحصل عندنا..




ظلت تلك العكازات رفيقتي لفترة وأصبحت أكثر خبرة في استخدامها.. وفي تلك الفترة شعرت بمدى عظمة وأهمية نعمة المشي بدون أي عصي أو عكازات.. والأمر الذي لاحظته في تلك الفترة أيضا هو مدى تقدير الألمان ومراعاتهم لأي شخص تكون لديه اصابة أو اعاقة سواء كانت مؤقتة أو دائمة ، فالكل يفسح لك الطريق ويتسابق لمساعدتك ويتم اعطاءك الأولوية في أي طابور.. وهو الامر الوحيد الذي افتقدته بعد تركي للعكازات !! بعد مضي بعض الوقت أصبحت استخدم عكازا واحدا فقط ثم لم أعد بحاجة له وعدت أمشي على قدمي بفضل الله..


تلك كانت تجربتي مع التخدير ومع المستشفيات بشكل عام، لقد كانت المرة الأولى التي أجري فيها عملية جراحية ومن حسن حظي أنها كانت في ألمانيا وعلى الطريقة الألمانية التي قد تخيفك في البداية بقوانينها وجديتها وحرصها على اعلامك بكل التفاصيل الصغيرة ، لكنها في نفس الوقت تحتاط أيضا لكل شيء وتضع سلامتك فوق كل اعتبار..

August 3, 2017

!... شاكي مان ينقذ الكعبة




أنيس الباشا

شاكي مان ينقذ الكعبة
(( فانتازيا كوميدية من سبعة مشاهد))

مقدمة 
منذ مدة قرأت خبرا يقول أن نجم الأكشن الأسيوي الشهير يعتزم تصوير فيلما عن حرب اليمن..ورغم أن الأمر لا يخرج عن مجرد خبر "فني" قد يتحقق أو لا، إلا أنني لم استطع منع نفسي من التفكير مرارا في هذا الموضوع.. في الحقيقة لم اتمكن من هضم الفكرة نفسها ولم افهم سر اهتمام النجم الشهير بما يجري في اليمن و هل هذا الاهتمام يأتي من ناحية فنية أم انسانية ، ثم الأدهى من هذا كله أن الفيلم – بحسب الخبر- سيتم تصويره في المغرب أي أنه سيحظى بموافقة وتعاون الدول التي تشارك في الحرب على اليمن مما يجعل مصداقيته على المحك.. بحثت عن رابط يجمع هذه المعطيات في سياق منطقي فلم أجد، لكن الحقيقة الوحيدة المؤسفة في الموضوع هي أن أطرافا عديدة حصلت على مصالح مادية كبيرة من وراء هذه الحرب القذرة  وذلك على حساب دماء وأشلاء اليمنيين بداء من الدول الكبرى المصدرة للسلاح ووصولا إلى المرتزقة الاقليميين و المحليين سواء من يقبض منهم باليومية أوبالشهرية.. فهل قررت السينما العالمية أن تنضم لطابور الاثراء هذا؟ ثم تذكرت المقولة العميقة للكاتب والصحفي البريطاني روبرت فيسك التي يقول فيها أن الحرب في اليمن تجمع بشكل فريد بين المأساة والنفاق والمهزلة ..وعندها وجدت نفسي أكتب هذا السيناريو التخيلي للفيلم المزمع تصويره وهو مقسم إلى سبع مشاهد في إطار ساخر لا يخلو من بعض الحقيقة، ولربما استطاعت السخرية المستخدمة هنا أن تعطي لمحة عن المشهد القاتم جدا الذي يعيشه بلد لا يعبأ به أحد ويعاني من الخلافات والانقسامات بين أبنائه وابتلي في نفس الوقت بألعن أنواع الجيران .. إنها فانتازيا مضحكة لكنه ضحك كالبكاء كما يقول المتنبي رحمه الله..

ملحوظة
(( أي تشابه بين شخصيات في هذا السيناريو وبين شخصيات من عالم الواقع هو من قبيل المصادفة البحتة والبحتة فقط !))
ملحوظة أخرى:
(( تم الانتهاء من كتابة هذا السيناريو قبل أن يتم تعيين ولي ولي العهد السعودي السابق إلى ولي عهد حالي))
*****************************
المشهد الأول
يبدأ الفيلم بمنظر بانورامي لمدينة الرياض في السعودية..يتوسط المشهد مبنى برج المملكة التابع للمياردير السعودي الوليد بن طلال والذي يفخر به صناع ومنتجي المسلسلات السعودية ويقومون بحشره – البرج لا الملياردير- في كل مشهد تلفزيوني وكأنه برج إيفل أو مبنى الامباير ستيت ، أعرف ان البعض قد يتساءل بما أن الفيلم عن حرب اليمن فكيف يبدأ في الرياض؟ صبرا وواصلوا القراءة كي لا نحرق الفيلم في بدايته .. على يسار الكادر الذي يتم تقريبه تظهر لوحة عملاقة للغاية عليها صورة الملك وولي عهده وولي ولي عهده وسائق سيارته والطباخ الخاص بفخامته والكل يبتسم في بلاهة وتحت الصورة مكتوب بخط عريض “عزنا دائم في ظل عزكم .. ليت واحنا نطول ونكون مداس لكم” وعلى منتج الفيلم الاستعانة بخبراء ترجمة صينيون وانجليزيون يجيدون العربية إجادة تامة لكي يتم ترجمة معنى هذه الجملة للمشاهد الغربي لأنه من الصعوبة جدا شرح معناها لغير المواطنين السعوديين المحبين لملكهم وأولياء عهده وخدمهم وسائقيهم..

 يتم تقريب المشهد أكثر لنرى الشوارع والمباني والمارة والسيارات، وتحرص  الكاميرا على أن ترينا كيف أن الناس هناك يمارسون حياتهم اليومية بسعادة وهناء وأمان منقطع النظير في ظل رعاية الملك وأولاده الطيبين المخلصين..فالابتسامات تعلو الوجوه طوال الوقت والكل يرتدون ملابس جديدة غاية في النظافة والأناقة والأطفال الممتلئين بالصحة والعافية يجرون ويلهون في سعادة بين البيوت أو في طريقهم إلى المدارس بينما رجال المرور ينظمون حركة السير بأريحية وهم مبتسمون بدورهم..هناك موسيقى حالمة تملأ الخلفية وتبعث على الاسترخاء.. تقترب الكاميرا من أحد الشوارع لتظهر رجلا مسنا يعبر الطريق بتؤدة وفجأة يوشك على التعثر فيهرع على الفور رجل شرطة كان واقفا بالجوار ليمسك بذراع العجوز قبل أن يقع ويسنده بسرعة، يبتسم المسن في امتنان بينما يصر رجل الشرطة على أن يقدم للعجوز بعض العصير وباقة من الورود ويقوم شرطي آخر بإحضار كرسي كي يجلس عليه الرجل العجوز ويلتقط أنفاسه قبل أن يتم توصيله إلى منزله بسيارة الشرطة التي تحمل على زجاجها الخلفي صورة للملك ولأولياء عهده..ولا ينس مصور الفيلم أن يظهر الصورة العملاقة للملك وأولياء عهده في خلفية كل طريق جانبي تعبره سيارة الشرطة حتى تصل إلى بيت ذلك العجوز..

وقد قام طاقم الفيلم بعمل جبار من أجل اظهار شوارع المدينة في أبهى صورة حيث قاموا باستئجار فرق كاملة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في الديكورات والتنظيف والعناية بالطرقات وذلك من أجل تجميل وترتيب وإعداد الشوارع التي سيتم تصوير المشاهد فيها، والحقيقة أن تلك الفرق قامت بعملها على أكمل وجه حيث بدت الشوارع والأماكن جميلة ومرتبة لكن الغبار والأتربة ظلت تكسو كل شيء وهي مشكلة جغرافية أكبر من قدرات أي فريق تنظيف محترف..

تتركز الكاميرا على شارع مزدحم بعض الشيء تنتشر على جانبيه المحلات التجارية، وقد تم اختيار الكومبارس بعناية فائقة بحيث تبدو على ملامح جميع من في الكادر إمارات الدعة والنعمة والعافية، على رصيف الشارع نرى حقيبة صغيرة سوداء ملقاة في اهمال ومع ذلك لم تستدع انتباه أحد، من طرف الكادر الأيمن يظهر شابان سعوديان يرتديان الجلاليب البيضاء ويمشيان بتراخ على الرصيف وأحدهما يقول لرفيقه في جذل:
- يا لهذه السعادة والنعمة التي نعيش فيها يا صديقي!
يبتسم الآخر وهو يقول بنغمة حالمة:
- لا بد أن شعوب دول مثل السويد وكندا ونيوزلندا تحسدنا على ما نحن فيه!
يومىء الآخر برأسه وهو يقول بحماس:
- وكل هذا بفضل ملكنا وولي عهده وولي ولي عهده طالت أعمارهم جميعا..
يستمر الاثنان في المشي وتبادل الحديث الذي يتمحور كله حول مدح الملك وأولياء العهود حتى يقتربان من الحقيبة الملقاة على الرصيف، يركلها أحدهما بقدمه بلامبالاة فتنفتح لتبرز منها رزم عديدة من النقود فئة خمسمائة ريال سعودي، يشهق أحدهما بينما ينحني الآخر ليلتقط الحقيبة، يتلفت الشابان حولهما بحثا عن صاحب الحقيبة، يسألان بعض المارة عن الحقيبة فيجيب الجميع بالنفي وبأنها لا تخصهم برغم رؤيتهم لرزم النقود بداخلها، من ثم يحمل الشابان الحقيبة ويتجهان بها إلى قسم الشرطة وهناك يقوم رجال الشرطة بتسلم الحقيبة ويتم توجيه الشكر للشابين على أمانتهما، ما أن يغادر الاثنان قسم الشرطة حتى تتوقف قربهما سيارة سوداء فاخرة نوافذها مغطاة بزجاج عاكس، يخرج من السيارة رجل بدين يرتدي الجلباب ويضع نظارة شمسية كبيرة على وجهه ويقترب من الشابين قائلا بابتسامة كبيرة:
- سمو الأمير عرف بما فعلتماه وهو يهنئكماعلى أمانتكما..!
ابتسم الشابان في خجل وتواضع بينما تابع البدين:
- وقد قرر سموه مكافئتكما على تصرفكما النبيل ..
قالها ومد يده اليهما بحقيبة كبيرة فتحها الاثنان ليجدا انها مليئة عن آخرها برزم من النقود من فئة المائة دولار.. شهق احدهما وأغمى على الاخر بينما قال  البدين:
- هذا مبلغ مليون دولار مقدم من سموه بالاضافة إلى رحلة مدفوعة التكاليف لمدة شهر في كوالامبور..
ثم استدار بسرعة ليركب السيارة التي انطلقت على الفور بينما وقف الشابان يلوحان بأيديهما للسيارة بقوة وحماس حتى اختفت..

يتغير الكادر بنعومة وسرعة لنرى شارع آخر ينتهي بحديقة صغيرة يجلس بداخلها رجل في أواخر الثلاثينات بدا عليه الهم والحزن، هناك موسيقى تصويرية حزينة تنبعث من مكان ما بينما أسند الرجل رأسه على راحتي يديه وبدا منفصلا تماما عن العالم الخارجي حوله..فجأة تتوقف بالقرب منه عربة فان كبيرة وفور توقف العربة تنقطع تلك الموسيقى التصويرية الحزينة، على جانب العربة ملصق كبير يحمل اسم "هيئة السعادة – القسم المتحرك" وهناك بالطبع ملصق آخر عليه صورة الملك وأولياء عهده ، ينزل من العربة العديد من الأشخاص وهم يرتدون أزياءا ملونة ومزركشة مثل الملابس التي يرتديها العاملون في السيرك ومسارح الأطفال، بعضهم كان يحمل آلات موسيقية مختلفة مثل الكمان والجيتار والأورج والطبلة، وقف الجميع أمام الرجل المهموم وأشار قائد المجموعة بيده فبدأ أصحاب الآلات الموسيقية بالعزف بينما تقافز الرجل الذي يرتدي قناع المهرج وهو يأتي بحركات ضاحكة بيديه ورجليه وشاركه الرقص مجموعة الأشخاص الذين يرتدون الثياب الملونة..

 كان الجميع يرقصون على أنغام أغنية قديمة للأطفال اشتهرت في الستينات من القرن الماضي، رفع الرجل المهموم رأسه ينظر إليهم بلا اكتراث، وهنا أشار قائد المجموعة بيده مرة أخرى فعزفت الفرقة أغنية ثانية بينما خرج من العربة مجموعة من الأشخاص يرتدون ثيابا وأقنعة تمثل حيوانات مختلفة وبدأوا بعمل حركات أكروباتيكية مضحكة..كان أحدهم مثلا يقع ثم يحاول النهوض لكن شخصا آخر ييأتي من الخلف ويصطدم به فيقع الاثنان وهكذا .. بدأت أسارير الرجل الحزين تنفرج وافتر ثغره عن ابتسامة ما لبثت ان اتسعت حتى شملت وجهه كله وتحولت الابتسامة الى ضحكات وقهقات عالية وهو يشاهد تلك الحركات المضحكة ويصفق بيديه مشجعا.. انضم المهرج للعرض وبدأ بعمل بعض الحركات المضحكة بينما ضحكات الرجل الذي كان حزينا قبل دقائق تتصاعد وتتصاعد حتى سقط عن الكرسي الذي يجلس عليه وهو يتقلب على الارض ويمسك بطنه من شدة الضحك!

وهنا أشار قائد المجموعة بيده فتوقف العزف ونهض جميع الاشخاص ووقفوا صفا واحدا..اقترب قائدهم من الرجل ومد يده إليه يساعده على النهوض فنهض هذا والدموع تملأ عينيه من كثرة الضحك، قال قائد المجموعة بلهجة ودية مرحة:
- نتمنى أن يكون عرضنا قد راق لك أيها المواطن العزيز..و لا تنس، مع هيئة السعادة ..دع عنك الحزن والبلادة!
صافحه الرجل في حرارة وهو يقول:
- أشكركم كثيرا، لقد كانت الهموم متكالبة على رأسي بالفعل.. أمي ماتت وابني مريض يحتاج لإجراء عملية جراحية وزوجتي تطلب الطلاق وأنا عاطل عن العمل منذ عشر سنوات ولم استطع دفع ايجار البيت، لكني الآن أشعر بسعادة بالغة وراحة عظيمة..بارك الله فيكم وحفظ الله الملك وأولياء العهود طالت أعمارهم جميعا ولو على حساب أعمارنا نحن..

أشار قائد المجموعة بيده محييا الرجل ثم أستدار يواجه الفرقة وأشار لهم بيده اشارة خاصة فتراجع الجميع إلى داخل العربة الفان الكبيرة وهم يعزفون النشيد الملكي ويلوحون بأيديهم بينما اغرورقت عينا الرجل الذي كان حزينا قبل قليل بالدموع وهو يقف في ثبات ويرفع يده بالتحية العسكرية حتى غادرت العربة..

تنتقل الكاميرا مجددا لأحد الشوارع التي تم تنظيفها خمس مرات على الاقل ونرى في طرف الشارع إمرأة مسربلة بالسواد من قمة رأسها حتى أخمص قدميها وهي تمشي ممسكة بيد طفلة صغيرة تحتضن دمية من نوع باربي بينما تمسك الأم بيدها الاخرى بطوق جلدي يتصل بأنشوطة ملتفة حول عنق كلب أبيض من نوع السامويد يسير بجوار الأم وطفلتها.. فجأة يفلت الكلب من يد الأم الممسكة بالطوق ويجري ليعبر الشارع حيث وقفت قطة صغيرة على الطرف الآخر منه..تجفل المرأة وتحاول أن تلحق بالكلب لكن العباءة التي ترتديها تعيق حركتها وتكاد أن تتعثر بينما تتمكن الطفلة من الجري بشكل أسرع لتمسك برقبة الكلب قبل أن يعبر الشارع المليء بالسيارات، لكن دمية الطفلة تنزلق من يدها وتتدحرج لتسقط في وسط الطريق، هناك سيارة مسرعة قادمة مباشرة في اتجاه الدمية..تشهق الطفلة في هلع وهي تغطي عينيها بينما تضع الأم يدها على صدرها ويصرخ بعض المارة وهم يحدقون في السيارة التي توشك على دهس الدمية، وفجأة يقفز من طرف الكادر شرطي المرور ليحتضن الدمية ويتدحرج بسرعة وهو ممسك بها بعيدا عن عجلات السيارة..

 يقف الشرطي ويتقدم من المرأة وابنتها ويبتسم وهو يمد يده بالدمية للطفلة التي تأخذها منه في سعادة بينما يصفق المارة ويتجمعون حول الشرطي الذي وقف مبتسما في تواضع..على الفور تظهر السيارة السوداء الفخمة ذات النوافذ العاكسة وتتوقف جوار الشرطي والناس المتجمعون حوله ويهبط منها ذلك البدين الذي يضع نظارات شمسية، يشق طريقه وسط الناس ويقترب من شرطي المرور ثم يضع يده على كتفه وهو يقول بصوت جهوري:
- سمو الأمير يحييك على شجاعتك وانقاذك لدمية هذه الطفلة البريئة، لذا قرر سموه أن تتم ترقيتك إلى رتبة عقيد ركن وأن تحصل على مكافأة مليون ريال بالاضافة إلى رحلة مدفوعة التكاليف إلى كوالامبور لمدة شهر!
يهلل الناس ويصفقون ويهتفون باسم الأمير وهم يلتفون حول الشرطي الذي بدت السعادة على وجهه و الجميع يصافحه ويهنئه بينما صعد البدين الى السيارة السوداء مجددا ومن نافذة السيارة الخلفية امتدت يد مكتنزة  تحيط الخواتم بأصابعها الخمس وقامت اليد بالتلويح للناس الذين ازداد هتافهم وهياجهم وهم يتقافزون ويتدافعون محاولين لمس جسم السيارة بأيديهم بينما السيارة تستعد للانطلاق مجددا و..

“ستووووووووووووووب”
دوت الصيحة من فم المخرج الأمريكي الجنسية الآسيوي الأصل الذي نهض من مقعده واتجه في عصبية نحو كادر التصوير بينما لحق به مساعده الأول بخطوات سريعة وهو يجفف العرق الغزير الذي يسيل على جبهته، اتجه المخرج بانفعال نحو رجل بدين له كرش ضخم و بشرة سمراء يرتدي الجلباب ويضع عقالا على رأسه وهو يقف جوار مدير التصوير يراقب المشهد في سعادة ، هتف المخرج في عصبية موجها كلامه لصاحب الكرش:
- هل لي أن أفهم لماذا تم تغيير السيناريو في هذا المشهد؟ من المفترض أن تنتهي اللقطة بانقاذ الشرطي للدمية!
ابتسم صاحب الكرش في هدوء وهو يقول:
- لقد رأى طاقم الفريق السعودي الذي يشارك في الاخراج أن يتم اضافة فقرة المكافئة لنضفي بعض المصداقية على المشهد!
صاح المخرج بغضب:
- وأنا بصفتي مخرج الفيلم أصر على أن هذه اللقطة لا فائدة منها ويجب حذفها هي وجميع لقطات المكافئات المالية هذه.!
ظهر الغضب على وجه البدين وهو يقول:
- هل جننت؟ أتريد أن نقوم بحذف لقطة تظهر فيها يد من يمثل أنه سمو الأمير طال عمره؟!
عقد المخرج حاجبيه في عناد وهم بقول شيء ما إلا أن مساعده جذبه من كمه بسرعة وهو يغمغم بخفوت:
- سيدي..أرجو أن تدع هذه اللقطة تمر كي لا يتوتر الوضع ونخسر نحن وقتا أطول في التصوير..
همس المخرج بعصبية:
- هل تريد مني أن أذعن لهم بهذه السهولة؟؟ ألا ترى سخافة كل هذه المشاهد التي أصر فريق العمل السعودي على اضافتها للفيلم؟؟ كل من يقوم بعمل بسيط يتم مكافئته بمليون ريال ورحلة إلى ماليزيا؟ بينما الرجل الذي ليس لديه القدرة على دفع الإيجار يحصل على استعراض غنائي سخيف؟ ما هذه الحماقة وكيف تخدم هذه المشاهد قصة الفيلم؟؟ بل كيف يمكن أن يحدث شيء كهذا في عالم الواقع وكيف سيتقبل المشاهد هذه الحبكات؟؟؟ حتى شاكي لن يروق له هذا..!
أمسك المساعد بيده وهو يقول بخفوت:
- سيدي..لا تنس أن جزءا ضخما من ميزانية الفيلم تم تمويله من قبل المملكة بما فيها أجورنا وأجور الممثلين ، كما أننا حصلنا على تصاريح التصوير هنا بصعوبة بالغة ودفعنا أموالا طائلة لفرق التنظيف و لا يزال أمامنا العديد من المشاهد التي يجب أن ننتهي منها هنا قبل أن ننتقل إلى المغرب لتصوير بقية الفيلم ، ثم أن الأمر لا يستحق.. فلنقم بتصوير هذه المشاهد التي يصرون عليها ثم يمكننا لاحقا أن نحذف ما نريد عند عمل المونتاج وليذهبوا حينها إلى الجحيم ! المهم أن ننتهي من التصوير بسرعة قبل أن يشوينا هذا الحر اللعين!
هم المخرج بالاعتراض إلا أن الحر الشديد الذي يحيط بهم والغبار المنتشر في كل مكان جعلاه يعيد التفكير في الأمر فزفر في عصبية وهو يقول:
- هذه مشكلة الأفلام ذات الانتاج المشترك.. أقسم أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي أقبل فيها العمل مع طاقم عربي وخصوصا من هذا البلد!

وعاد إلى مقعده بخطوات سريعة غاضبة بينما تنهد المساعد في ارتياح وهو يشير بيده لفريق التصوير كي يستعد ويواصل العمل.. انتهى تصوير المشهد بسلام وانتقل فريق العمل إلى مكان آخر واستمرت حركة الكاميرا وتنقلاتها في شوارع وأحياء المدينة الهادئة الوادعة التي تقوم فرق التنظيف بتمشيطها وتحويلها إلى شكل آخر غير ما ألفه الناس وعرفوه..قام فريق العمل بتصوير أكثر من مشهد ينتهي كل منها بمكافئة المليون ريال أو دولار والرحلة مدفوعة التكاليف إلى ماليزيا.. إلى أن تتركز الصورة أخيرا على نافذة في أحد المباني الكبيرة والتي تطل بدورها على شارع رئيسي، وخلف تلك النافذة وقف العميد تركي بن تركي وهو يراقب المارة والشارع في صمت وشرود وقد حفر القلق خطوطا عميقة على وجهه..لقد توقفت الموسيقى الحالمة التي صاحبت بداية الفيلم وهناك الآن موسيقى قلقة تنبعث في الخلفية،  وبأسلوب المونولوج الفردي نسمع صوت العميد تركي وهو يحدث نفسه :

 “ كل هذا الجمال والهناء والسعادة والأمان في ظل رعاية خادم الحرمين وأولاده الطيبين الحنونين مهددة من قبل أولئك الأشرار الذين لا يدرك مكرهم وخطورتهم هؤلاء الناس البسطاء السعداء.. لست أدري كيف ي..."

وهنا يقطع افكاره صوت فتح باب مكتبه حيث يدخل مساعده الأول المقدم سعود بن سعود ممسكا بأوراق كثيرة في يده ووجهه محتقن للغاية.. يرفع يده بالتحية العسكرية وهو يصيح بصوت جهوري:
- تقارير جبهة اليمن طال عمرك!

(( وجملة “ طال عمرك” هذه ستتكرر طوال مدة الفيلم لذا اعتقد أن على مدير المونتاج ان يخفف منها في بعض المشاهد كي لا يشعر المتفرجون بالملل))

وهنا - على طريقة المسلسلات الخليجية والمصرية- يسأل العميد تركي مساعده في مرارة وهو لا يزال موليا ظهره له بدون ان يلتفت اليه:
- هل هناك جديد هذه المرة غير تدمير الحوثيين والمجوسيين لمواقعنا وقواعدنا العسكرية واحتلال أجزاء من اراضينا واسقاط طائراتنا وقتل جنودنا الشجعان المجاهدين المرابطين على الحدود ؟
قال المساعد بصوت قلق:
- أخشى – طال عمرك – أن الأخبار هذه المرة – طال عمرك – لا تسر البال ولا الخاطر طال عمرك!
التفت العميد تركي اليه وقال في دهشة:
- ثلاث مرات “طال عمري” في جملة واحدة؟ هذا معناه ان الامور خطيرة بالفعل!
وتناول التقرير ليقرأه قبل أن ينعقد حاجباه بشدة وهو يرفع عينيه إلى مساعده ويصيح بذهول:
- غير معقول..! لايمكن أن يصل الامر إلى هذا الحد..لا يمكن !!

وتسقط الاوراق من يده في مشهد درامي بطيء وهي تدور في الهواء قبل أن تهوى على الأرض وتتراجع الكاميرا لتظهرالنافذة ووراءها المدينة بينما سحابة كبيرة تمر لتحجب ضوء الشمس القوي فتخيم الظلال فجأة على المدينة الوادعة السعيدة والناس السعداء والشوارع النظيفة..!

(( نهاية المشهد الأول))