Pages

November 19, 2017

!اليوم العالمي للمرحاض.....أعزكم الله






رشا المقالح 


لا يذكر الحمام بين المتحدثين في العالم العربي إلا و قال المتحدث للسامع - كنوع من التأدب - عبارات تنزيهية أو ربما اعتذاريه على غرار "أعزك الله" ، "أكرم الله السامعين"، و غيرها، و ربما كان ذلك مفهوما فالحمام هو المكان الذي تُقضى فيه الحاجة.. لكن ربما يفوت البعض أن المرحاض يحافظ على حياتنا و ينقذ أرواح الكثيرين! 

و لهذا أقرت الأمم المتحدة أن يكون التاسع عشر من شهر نوفمبر من كل عام يوما عالميا للتذكير بأهمية المرحاض في تصريف النفايات البشرية و التي يمكن أن تنشر أمراضا قاتلة في حالة عدم التخلص منها بالطريقة الصحيحة و كذلك للفت أنظار العالم إلى أن هناك ملايين البشر الذين لا تتوفر لديهم وسائل الصرف الصحي الآمنة و الملائمة.

و لكنني في تدوينتي  هذه – و بمناسبة يوم المرحاض العالمي -  سأتحدث عن الاختلافات التي لاحظتها بين الحمامات في بلادنا و بين الحمامات في البلاد الغربية، و هي اختلافات و ان كانت تعد طريفة إلا أنها مثيرة للاهتمام، فعلى سبيل المثال  كتبت قبل مدة تدوينة عن رحلتي إلى مدينة فتزلر و التي تقع في غرب وسط  ألمانيا، و كان من ضمن مشاهداتي في تلك الرحلة وجود فتحة لتصريف المياه على أرضية الحمام الملحق بالغرفة التي مكثت فيها خلال مدة إقامتي هناك.  وقد أثار هذا الأمر انتباهي حينها لأني اعتدت على أن أرضية الحمامات في البلاد الغربية لا تحتوي على فتحات لتصريف المياه. بعكس ما هو عليه الأمر في بلادنا اليمن و الذي تُعد فتحة تصريف الحمام أمرا اعتياديا لا يثير انتباه أحد، و لهذا و عندما قرأت إحدى قريباتي تلك التدوينة شدت انتباهها تلك الملحوظة التي كتبت عنها و سألتني عندئذ باستغراب : " كيف يتم تنظيف الحمام عندكم إذن؟"

 الدهشة التي أصابت قريبتي عندما عرفت أن أرضية الحمام في البلاد الغربية لا تحتوي على فتحة لتصريف المياه هي نفس الدهشة التي أصابتني عند بداية إقامتي في أوروبا.و قد كان هذا موضوعا للتندر فيما بيننا ثم وعدتها أن أكتب موضوعا كاملا عن هذا الأمر فطلبت مني ألا أستغرق وقتا طويلا لأنها كلما دخلت إلى الحمام ستشعر دائما بالحيرة و ستستغرق في التساؤل عن الكيفية التي أقوم فيها بتنظيف الحمام. و لأنه لا يوجد أفضل من اليوم العالمي للمرحاض للكتابة عن الحمامات، فقد قررت أن اكتب عن الحمام في يومه العالمي!

فما هي ابرز الفروقات بين الحمامات في اليمن و الحمامات في بلاد الغرب؟!

لا توجد فتحة تصريف!
هنا تعد أرضية الحمام مثلها مثل أرضية أي غرفة أخرى في البيت بغض النظر عن وجود المياه فيها! حيث يتم فرش أرضية الحمام بسجاجيد خاصة تمتص البلل و تحافظ على أرضية الحمام جافة و نظيفة، حتى أنك لا تحتاج هنا إلى لبس شبشب خاص بالحمام!  و في محلات الأثاث و الديكورات ستجد قسما كاملا خاصا بالحمامات تباع فيه تلك السجاجيد و بقية ملحقات الحمام. و لكن السؤال الذي ربما سيتبادر إلى ذهن أي شخص قادم من اليمن و خاصة النساء ." و لكن كيف يتم تنظيف الحمام دون وجود فتحة تصريف؟؟!!"  

 فنحن في اليمن نقوم بتنظيف أرضية الحمام بصب الماء عليها صبا ثم نستخدم قشاطة الماء و هي أداة  تتكون من عصا طويلة يوجد في نهايتها قطعة أفقية مصنوعة من المطاط ، نستخدمها لتجميع الماء ليصب في فتحة التصريف الموجودة على أرضية الحمام.





و الحق يقال أنني كنت أعتقد في السابق أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتنظيف أي حمام في العالم و لكني هنا تعرفت على طريقة أخرى، يبذل فيها مجهود أقل و لكنها فعالة أكثر كما أنها أكثر توفيرا للمياه و محافظة على أرضية الحمام في نفس الوقت . فالادوات المستخدمة في تنظيف أرضية الحمام هنا هي عبارة  ممسحة و  دلو يحتوي على فتحة لعصر الممسحة. و يتم ملء الدلو بالماء الدافيء و وضع الكمية المناسبة من منظف خاص بالأرضيات، ثم توضع الممسحة بداخل الدلو و تغمر تماما بالماءو يتم تحريكها عدة مرات، ثم يتم وضعها على فتحة العصر و عصرها جيدا حتى تخرج كميات الماء الزائدة منها. ثم يتم بعدها مسح الأرضية و يعاد تكرار العملية عدة مرات حسب الحاجة. بعدها تترك الأرضية حتى تجف أو يتم تجفيفها بممسحة أخرى للتجفيف و من ثم يعاد فرش السجاجيد الخاصة بأرضية الحمام.



كابينة الاستحمام
 و مما يساهم في الحفاظ على أرضية الحمام جافة هي أن الاستحمام يتم في كابينة مغطاة بشكل كامل بحاجز محكم يمنع خروج الماء اثناء الاستحمام و تطايره على أرضية الحمام . أما بعد الانتهاء من الاستحمام فيتم تنشيف القدمين بمنشفة خاصة توضع على الأرضية  أمام كابينة الاستحمام مباشرة.












لا توجد شطافات
شطافة التواليت
يعد الماء أمرا أساسيا في عملية الاستنجاء من الفضلات في بلادنا  مما يجعل الشطاف أداة لا غنى عنها في الحمام أو ربما في حالة غياب الشطاف لا بد من وجود حنفية بجانب المرحاض حيث يوضع أسفلها دلو ماء و وعاء لغرف الماء و لكن الأمر ليس كذلك أبدا في البلاد الغربية حيث أن الماء لا يستخدم في الاستنجاء من الفضلات و إنما تستخدم المناديل الورقية لإزالتها و تسمى تلك المناديل بورق التواليت. و ربما كان ذلك من الأمور التي تساهم في الحفاظ على أرضية الحمام جافة طوال الوقت!






ورق التواليت


لا يوجد مرحاض "عربي"
من الشائع لدينا جدا في اليمن و خاصة في العمارات السكنية الحديثة وجود نوعين مختلفين من المراحيض في الحمام الواحد: المرحاض العربي و المرحاض الافرنجي. لكن هنا في البلاد الغربية لا توجد في الحمامات سوى المراحيض الافرنجية، و يعد ذلك أمرا صادما لكثير من العرب الذين لم يعتادوا على المرحاض الإفرنجي بل إنه يسبب لبعضهم معاناة بالغة و صعوبة في التأقلم و قد سمعت قصصا طريفة للغاية عن هذا الأمر.

و مع ذلك فقد صادفت خلال مدة اقامتي في أوروبا مراحيض عربية مرتين فقط إحداها في مدينة كارل سروه الألمانية و التي تقع جنوب غرب المانيا، و كان ذلك في الحمام التابع لدائرة الهجرة هناك و الأخرى في إحدى دورات المياه التابعة لمحطة القطار الرئيسية في مدينة تقع أقصى شمال إيطاليا على الحدود السويسرية!
 الطريف في الأمر ان المرحاض العربي يسمى في ايطاليا "توركا" أي تركي، و هنا طرأ في ذهني سؤال: هل ما نسميه بالمرحاض "العربي" هو تركي الأصل؟  عندما بحثت عن الأمر وجدت أن ما نسميه بالمرحاض العربي لا يعد حكرا على العرب فقط و إنما منتشر في بلدان أخرى مثل اليابان و الصين و شرق آسيا....



مرحاض "عربي" في المانيا




مرحاض "عربي" في إيطاليا

وبغض النظر عن مسألة أي نوع من  المراحيض هو الأفضل صحيا و ما يرافق ذلك من جدل دائر حتى في الأوساط الغربية و انقسام الناس بين فريقين: فريق يرى أن قضاء الحاجة على الطريقة الغربية غير صحي مقارنة بالطريقة "العربية" او ما تسمى بطريقة "القرفصاء"، وفريق آخر يصر على العكس، حتى تحول الأمر أحيانا إلى معارك اعلامية واجتماعية ساخنة كما حصل هنا في ألمانيا قبل حوالي شهرين حين تحولت مسألة بناء مرحاض "عربي" وصف بالإسلامي في أحد المراكز الثقافية إلى قضية رأي عام شغلت الناس! 

و في كل الأحوال فإن التنقل بين البلدان المختلفة يجعلك في مواجهة دائمة للاختلافات الثقافية و المعيشية، و ستجد أن أبسط التفاصيل التي كنت معتادا عليها و التي لا يمكنك أن تتخيل حياتك بدونها ستجد أنها في بلد آخر تعد أمورا غريبة لا وجود لها في حياة الناس بل أنهم لا يتصورون وجودها أصلا.....و من بينها فتحة تصريف الماء على أرضية الحمام!


October 30, 2017

!... الرفق بالإنسان


أنيس الباشا
ملصقات ملأت المدينة لندوة عن الكلاب 



كان ذلك القط – أو ربما القطة- ذو الجسد المكتنز واللون الأسود المتداخل مع الأبيض يمشي جواري بهدوء شديد أقرب إلى الكسل في ذلك الشارع الصغير..كنت أنا أنظر إليه بتركيز بينما لم يعرني هو انتباها وهو يسير بجواري ثم يتجاوزني بنفس الهدوء إلى أن وصل إلى البيت الذي يقيم فيه في طرف الشارع، ورغما عني ابتسمت وأنا اتخيل لو أنني الآن أمشي في أي شارع أو حي من أحياء اليمن أو أي بلد عربي..هل كنت سأرى قطا يمشي بهذه الطريقة الواثقة المطمئنة والآمنة على طريقة "واثق الخطوة يمشي ملكا"؟ فالقطط المسكينة في بلادنا تجري طوال الوقت والذعر والهلع لا يفارق عيونها وحركاتها فهي تدرك بغريزتها أنه من الممكن في أي لحظة أن يمسك بها الأطفال ليسوموها ألوان العذاب أو - لو لم يتمكنوا من الإمساك بها- يتسلون بقذف الحجارة عليها بسادية حتى تموت أو تصاب بعاهة مستديمة!

أما في المجتمعات الغربية فإن معاملة الحيوانات برحمة ورفق هو أمر يمارسه معظم الناس بشكل تلقائي وينشئون عليه منذ الصغر، كما أنه لا يوجد لديهم شيء اسمه حيوانات متشردة أو ضآلة تسرح وتجول في الشوارع لتأكل من صناديق القمامة أو علها تظفر بلقمة رماها أحدهم هنا أو هناك، فهناك ملاجىء للحيوانات وجمعيات تعني بهم، وهناك عيادات مخصصة لعلاج هذه الحيوانات، وحينما يريد شخص ما اقتناء حيوان أليف مثل قط أو كلب فبإمكانه أن يذهب إلى أحد هذه الملاجىء كي يحصل على ضآلته من هناك.. ومع ذلك فليست المسألة بهذه السهولة إذ يجب على من يريد اقتناء حيوان أليف أن يقوم بملء استمارات معينة وأن يجيب عن بعض الاسئلة وأن يلتزم أيضا بأمور تتعلق برعاية واطعام وعلاج هذا الحيوان..! وفي ألمانيا مثلا إذا اقتنيت كلبا فإنه يتوجب عليك أن تدفع ضريبة عنه!..ومن المألوف جدا إذا عشت في دولة أوروبية أن تصادف بشكل شبه يومي وأنت مار في طريقك أشخاصا يتمشون مع كلابهم الأليفة حيث يخبرك الجميع أن إخراج الكلاب في نزهة قصيرة بشكل يومي أمر مهم حيث لا يجب أن تتُرك حبيسة المنزل طوال اليوم..


اعلان عن قط مفقود ومكافأة 50 يورو لمن يجده


ولا يقتصر الأمر عند هؤلاء الناس على العناية بحيواناتهم وإنما يتعداه لما هو أبعد.. فكم من مرة صادفني اعلان معلق في الاماكن العامة أو في وسائل المواصلات يتحدث عن معاناة حيوان ما في بلد ما أو يدعو لوقف العنف ضد فصيل معين من الحيوانات، وفي إحدى المرات رأيت اعلانات تملأ شوارع المدينة عن ندوة موضوعها عن الكلاب وكل ما يتعلق بها من معلومات كحيوانات أليفة يقتنيها الإنسان..

اعلان في محطة لقطار الأنفاق يدعو للتبرع لانقاذ الفيلة التي يقتل منها الآلاف سنويا من أجل الحصول على أنيابها

اعلان آخر لمساعدة نوع من القرود هذه المرة


طبعا بالنسبة لمجتمعاتنا العربية فإن الحديث عن هذه الأمور التي تتعلق ب "الرفق بالحيوان" يقابل عادة بنوع من السخرية ..ومن المعتاد أن يسمع المرء عبارات على غرار "أليس الأولى أن نرحم بعضنا كبشر قبل أن نفكر في الرحمة بالحيوان؟" لكن الذي يغفل عنه الكثيرون هو أن استهتارنا وتعاملنا بقسوة وظلم مع الحيوان عامل يضاف إلى عوامل أخرى ساهمت في انتشار القسوة وانعدام الرحمة من قلوب الكثيرين تجاه بني جلدتهم من البشر..

وقد يبدو لنا الأمر فيه نوع من المبالغة ولسان حال البعض يقول "كفوا عن المبالغة..إنها مجرد حيوانات!" لكن الإنسانية والشعور بالرحمة حيال مخلوقات الله لا تتوقف حصرا على بني البشر ومن لا يرحم الحيوان لن يرحم أيضا أخوه الإنسان، ورغم أن دين الإسلام الحنيف يولي هذه النقطة أهمية بالغة حيث أرسل الله نبيه محمد "رحمة للعالمين" وهو القائل سبحانه "وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم" أي أن جميع مخلوقات الارض التي تدب على هذه الارض "أمم" مثلنا.. ولنا في رسول الله أسوة حسنة وهو الذي تخبرنا سيرته أنه كان رفيقا بالحيوانات وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام أن "في كل ذات كبد رطبة أجر" وأخبر أيضا عن إمرأة دخلت النار بسبب "هِرة" حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها بينما كان جزاء إمرأة "بغي" الجنة لأنها سقت كلبا بعض الماء..بل ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لعن من يُمثل بالحيوان ..ومع ذلك أين هي هذه الرحمة تجاه الحيوان بين المسلمين الذين يدعون أنهم أتباع نبي الرحمة والانسانية؟ ولماذا ينقلب الأمر عند كثير من هؤلاء إلى سخرية واستخفاف بالأمر حين يكون الحديث عن الرفق بالحيوان وضرورة معاملة هذه المخلوقات برحمة؟

لا زلت أتذكر المشاهد المؤسفة التي كانت تحصل عند كل عيد أضحى حين نقوم بشراء الأضاحي ونذهب بها إلى محلات الجزارة وأماكن الذبح صبيحة يوم العيد، فالجزارون يتعاملون بلامبالاة محزنة في هذه المناسبات حيث يقومون برص وتكديس الحيوانات جوار بعضها البعض ويتم ذبحها واحدا تلو الآخر بسرعة بينما بقية الحيوانات واقفة تشاهد ما يحصل حتى يجيء الدور على كل منها! مع أن الفقة الإسلامي يخبرنا أن من آداب ذبح البهائم إلا تذبح بهيمة أمام أختها، لكن من يُفهم أولئك القوم غلاظ القلوب الذين لا يهتمون إلا بكم سيجنون جراء ذبح أكبر عدد من الأضاحي في ذلك اليوم بأن طريقتهم المستعجلة تلك فيها قسوة وتخلو من الرحمة؟ رأيت مرة بأم عيني شاة صغيرة تجري مذعورة بعد أن قام الجزارين بذبح مجموعة من الخراف الأخرى أمامها وكانت تدوس في جريها المذعور على جثث الحيوانات التي ذُبحت وكان المشهد محزنا للغاية وما هي إلا ثوان وأمسك بها أحدهم ليلقيها ارضا ويجهز عليها بدون حتى أن يكبر أو يذكر اسم الله!

و للأسف لا يوجد في مجتمعاتنا "المسلمة" تربية سلوكية مجتمعية تحض على الرفق بالحيوان وتغرسه في نفوس الناس منذ الصغر، ولا توجد لدينا أي قوانين لحماية الحيوان أو معاقبة من يسيء إليه، وكثير منا يتذكر كيف يتسلى كثير من الأطفال بتعذيب الحيوانات كلما أتيحت لهم الفرصة، وثقافة انتشار تلك "النبال" التي يستخدمها الأطفال والمراهقون لضرب العصافير والطيور كانت ولا تزال منتشرة.. وربما يجادل البعض بسخرية حين يقرأون هذا الكلام بأن مجتمعاتنا لا يوجد فيها أصلا قوانين لحماية الانسان، وأعود لأقول أن هذا يقود إلى ذاك وأن من يعامل الحيوان الضعيف بقسوة ويتلذذ بتعذيبه دون أدنى تأنيب ضمير لن يعامل أخوه الانسان برحمة فيما بعد.. أخبرتني مرة قريبة لي أن أحد أولاد إخوتها كان في صغره يتسلى بالامساك بالقطط الصغيرة ثم يقوم بفصل عنق القط بيديه المجردتين وهو يقهقه بسادية بينما الدماء تسيل من جثة الحيوان المسكين!! وأذكر أنني قلت لقريبتي هذه يومها أن هذا التصرف الوحشي لذلك الولد حيال هذه الحيوانات ينبىء بمستقبل سايكوباثي إجرامي حين يكبر وبالفعل كان توقعي صحيحا!


نعم نحن بحاجة مآسة إلى قوانين تراعي الإنسان وتحميه وترفق به حيث ليس لدينا حاليا حتى مثل تلك القوانين التي تراعي "الحيوان" في بلاد الغرب ، لكن هذا ليس حجة تبيح لنا معاملة الحيوان بشراسة وقسوة، فنحن بحاجة أيضا إلى نتحلى بالرفق والرحمة وأن نقدر قيمة كل حياة خلقها الله على وجه الأرض ونرفق بها، وأن نغرس هذا الأمر في نفوس أطفالنا ونحثهم عليه، وكما ورد عن نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"

October 14, 2017

...عندما قابلت "الشمبانيا" لأول مرة





رشا المقالح 

قبل أن أهاجر إلى أوروبا لم يسبق لي أن رأيت مشروبا كحوليا سوى في التلفزيون، و عندما دخلت إلى السوبرماركت لأول مرة في روما و رأيت صفا كاملا للمشروبات الكحولية، هكذا موضوعة ببساطة إلى جانب المنتجات الأخرى  شعرتُ بغرابة شديدة، فهذا منتج لم نعتد على وجوده في أسواقنا و شربه منهي عنه في ديننا و قد تربينا على كراهيته و حرمته و وجوب الإبتعاد عنه.

كان مشهد قوارير الخمر المرصوصة على الرفوف مربكا للغاية، و كنت في باديء الأمر كلما شاهدته أشعر بالخوف و "بالذنب" و كأن مجرد مروري بجانب قوارير الخمر هو خطيئة قد تستلزم أن ينزل الله صاعقة في تلك اللحظة! و هذا الشعور طبيعي نتيجة لغرس متكرر في عقولنا لعقدة الذنب.

و عندما دعيتُ ذات مرة إلى حفلة عيد ميلاد إحدى معارفي الألمان حيث أقيمت الحفلة في المطعم الذي يقع في حديقة المدينة و يطل على البحيرة. بدأت الحفلة في الساعة السادسة مساء و عندما وصلت إلى المكان و سلمت على صاحبة المناسبة، و أهديتها باقة الورد التي جلبتها معي بهذه المناسبة، وقفنا في الردهة نتبادل أطراف الحديث. و في الوقت الذي كنت أحاول أن أبدو فيه طبيعية كانت عيناي تتابعان بقلق النادلة التي تحمل صينية المشروبات و تتنقل بها بين الضيوف.

صينية تحمل شرابا شفافا "فوارا" بعض الشيء، و إلى جانب ذلك الشراب هناك أيضا عصير أصفر اللون يبدو أنه عصير فواكه لمن لا يرغب بشرب الكحول. 

راقبت النادلة و هي تقترب منا و بدأت أتصبب عرقا، و دعوت الله أن يصرفها عنا كيفما شاء و بما شاء، و لكنها  وصلت إلينا سالمة من كل شر بل وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة، عارضة علينا ما تحمله في تلك الصينية "المشؤومة" و طبعا و بكل بساطة التقطت كل من رفيقاتي كأسا و هن يضحكن و يواصلن حديثهن، بينما كنت أشعر أنني أغرق في بحيرة من العرق إلا أنني حافظت على ابتسامة بلهاء و قلت لها بصوت متحشرج و أنا أهز رأسي نفيا: لا شكرا!

تمنيت أن ينتهي الموقف عند هذا الحد و ان تنصرف عني، إلا أن رفيقتي صاحبة عيد الميلاد سارعت بإيقافها وبالتوضيح لي مشيرة للعصير ذي اللون الأصفر  و قائلة بأنه عصير فواكه و لا يحتوي على أي كحول. و على الرغم من أنني كنت أشعر بالعطش الشديد و ذلك العصير كان كل ما احتاجه في تلك اللحظة، لترطيب ريقي "الناشف" و  كذلك لبلع كل تلك الفروقات الثقافية التي كنت أعيشها في تلك اللحظة. لكني شعرت بغرابة شديدة منعتني من أن أمد يدي لأخذ كوب العصير من بين أكواب المشروبات الكحولية لذا وجدت نفسي أشكرها و أقول لها أني لا أشعر بالعطش.

 انصرفت النادلة أخيرا بعد أن كاد يغمى علي من فرط الإرهاق النفسي،  و عدت محاولة الانخراط في الحوار الجاري بين رفيقاتي، و لكنهن قمن في تلك اللحظة  بطرقعة كؤؤسهن ببعضها قائلات : "فلنشرب نخب عيد ميلاد صديقتنا ....!"  فحمدت الله أنني لم أخذ كوبا من العصير و الا لكان علي أن أطرقع كوبي مع أكوابهن!

و عندما التقيت بعد ذلك ببعض معارفنا من الألمان حكيت لهم ما حدث في تلك الحفلة و شعوري تجاه الخمر و عندما قلت لهم انه "خمر wine   قاموا بتصحيح المعلومة لي قائلين أنه "شمبانيا" فمادامت المناسبة هي احتفال بعيد ميلاد فلا بد أنهم قاموا بتقديم الشمبانيا. لم أكن لحظتها أعرف ما هو الفرق بين الخمر و بين الشمبانيا فالبنسبة لي جميعها كحوليات ثم عرفت أن الشمبانيا هي نوع من أنواع الخمر و لكنها تأتي من إقليم في فرنسا يدعى "شمباين".


بعد فترة من الزمن لم يعد مشهد قوارير الخمر في المحلات التجارية يثير في نفسي الخوف و الشعور بالذنب ، و إنما الغرابة و الدهشة فكنت كلما مررت بجانبها أتساءل:"كيف يتحمل الناس رائحة الخمر؟"  فعندما تعيش في بلاد غربية فإنك لا بد أن تصادف شخصا ما تنبعث منه رائحة الكحول سواء ذلك الواقف أمامك في قطار الأنفاق أو الجالس بجانبك في الباص، و ستجد أن الرائحة كريهة و بالنسبة لي فهي أيضا "لا تطاق".

و عندما شاهدت لأول مرة أناسا أعرفهم في "صحوهم" ثم رأيتهم تحت تأثير الخمر، شعرت بالأسى! فقد بدوا لي مختلفين تماما عن الأشخاص الذين عهدتهم، حيث بدا و كأنهم دخلوا في حالة من الوجوم و الصمت ، و قد ظهرت في أعينهم نظرة آلية  جعلتني أشعر بالنفور منهم.

لكن و على الرغم من انتشار المشروبات الكحولية في البلاد الغربية و كونها سلعة تباع كبقية السلع في المحلات التجارية كما تباع لدينا قوارير الماء ، و على الرغم من وجود أنواع كثيرة رخيصة و ذات سعر مناسب يجعلها في متناول الجميع، و مع ذلك فأن الناس هنا لا يمشون في الشوارع "يتطوحون" و كل ممسك بيده قارورة خمر يشرب منها ما بين اللحظة و الأخرى!

تجدهم يستيقظون في الصباح الباكر و يذهبون إلى أعمالهم و مدارسهم، و يمارسون حياتهم بشكل طبيعي جعلني أشعر بالدهشة الشديدة، فلماذا تنتشر هنا الخمور و لكن لا يدمنها الجميع و لا يقضون الساعات في شربها بينما الناس مثلا في اليمن نشتري القات و نقضي الساعات الطويلة في مضغه و لا أمل لدينا في التخلص من هذه العادة إلا بالقضاء على شجرة القات تماما؟!

و قد سألت بعضا من معارفي الغربيين عن الخمور و شربها و فوجئت بأن هناك من لا يتعاطون الخمور و لا يشربون الكحول أساسا! و أن هناك من يشربها في المناسبات فقط، و هناك للأسف الشديد من هو مدمن عليها.  أما البيرة فهي الأكثر تناولا خاصة هنا في ألمانيا. لكن المسألة المهمة التي لفتت نظري هنا هي أن الإدمان على شرب الكحول في المجتمعات الغربية لا يُعد أمرا حسنا بل على العكس ينظر المجتمع للشخص المدمن بطريقة سلبية حيث يرونه شخصا فاقدا للسيطرة على نفسه ليس أهلا للثقة أو الاحترام. 

و قد حضرت هنا عددا من الحفلات و المناسبات الإجتماعية لمعارف و أصدقاء و زملاء عمل ، حيث تم تقديم المشروبات الكحولية في هذه المناسبات بشكل تقليدي و لكني لاحظت شيئا غريبا. رغم أنهم يشربون الكحول إلا أنهم يحافظون على توازنهم و يتحدثون بشكل متماسك و لا "يتطوحون" و لا يتعدون حدودهم و لا يخرجون عن حدود الأدب في حديثهم، كما تصور لنا السينما و الأفلام - خاصة العربية منها - ما يحدث في الجلسات التي يقدم فيها الخمر!
صديقة إيطالية جادلتني ذات مرة أن العرب لا يتحملون الخمر و أن كأسا واحدا منها كفيل بإن يدير رأس أحدهم لأنهم غير معتادين عليه و قد قالت تحديدا : " أكثر السكارى هنا هم من المسلمون و النتيجة سيئة للغاية فهم يصبحون أكثر عنفا، يمكنك أن تجدي بعضهم وهو ثمل تماما في الشارع بعد شربه لزجاجة بيرة صغيرة بينما جدتي التي تبلغ من العمر المائة عام لن تثمل من زجاجة بيرة!"

هذا الحوار دار بيني و بين صديقتي قبل عدة سنوات و لا زلت صراحة غير قادرة على موافقتها الرأي و كذلك لا أستطيع دحضه أساسا، فأنا لا أدري هل هذا الكلام دقيق بالفعل أم لا، فليس بين يدي إحصائيات أو معلومات صادرة عن دراسات من مصادر يمكن الاعتماد عليها لتأكيد هذا الرأي أو نفيه و لكنه يبقى في نهاية الأمر"ملاحظة و وجهة نظر"!


و على كل حال تبقى المشروبات الكحولية جزءا أساسيا من الثقافة الغربية، و سواء قبلناها أم رفضناها فإنها موجودة من حولنا و يجب علينا نحن المسلمون المقيمون في البلاد الغربية أن نتوصل إلى طريقة للتعامل مع الأمر، فلا يجب أن نشعر  أن مجرد تناول الآخرين للخمور في "حضرتنا" هي إهانة لنا. فالمطلوب منا أن "نتجنب" شربها مما يعني أنها حتما ستصادفنا، و لم يأمرنا الله باجتناب من يتعاطاها، تماما كما حرم علينا أكل لحم الخنزير و لم يحرم علينا التعامل مع من يتناوله ، و في نهاية المطاف فليملأ كل معدته بما شاء المهم أن لا تمتليء قلوبنا بالكراهية و عقولنا باللا إنسانية.