Pages

May 24, 2021

!....الضعيف أولا

 




أنيس الباشا


عندما تمشي في شوارع أي مدينة ألمانية ستلاحظ دائما أن هناك علامات واشارات معينة مختلفة تنظم حدود السرعة المسموح بها خصوصا في الأحياء السكنية أو بالقرب من مدارس و رياض الأطفال، حتى أن بعض الشوارع المفضية إلى أحياء سكنية تُلزم سائق السيارة بأن يسير بسرعة منخفضة جدا تقارب سرعة مشي الانسان العادي وذلك مراعاة لوجود مساحات داخل هذه الاحياء قد يلهو أو يلعب فيها الأطفال ..

هذه الاشارة تلزم السائق بالسير بسرعة المشي حرصا على سلامة الأطفال وساكني المنطقة



يجب ألا تزيد السرعة عن 30 كم في جميع الشوارع التي تحتوي على بيوت أو مجمعات سكنية 

وإذا أراد الشخص أن يركن سيارته في أحد الأماكن المخصصة لذلك سيلاحظ دائما أن هناك أماكن يتم حجزها وتخصيصها لذوي الاحتياجات الخاصة وتكون هذه الأماكن في موضع متميز بحيث تراعي القرب من المكان الذي سيقوم فيه الشخص الذي يعاني من اعاقة -أو من يصطحبه- بايقاف سيارته فيه، هناك أيضا مواقف تُخصص للآباء و الأمهات الذين يصطحبون أطفالهم ويُراعي فيها قربها أيضا من بوابة المكان (مثل السوبرماركت أو المركز التجاري) وأيضا سعتها بحيث تسمح بإنزال عربة أطفال أو أكثر.. هناك أيضا مواقف سيارات كاملة مخصصة فقط للنساء وتكون عادة قريبة من مداخل ومخارج مرآب السيارات خصوصا المواقف الكبيرة أوالتي تقع تحت الأرض..

هناك دائما مواقف لذوي الاحتياجات الخاصة وتكون قريبة جدا من مدخل المكان


هذه المواقف تُخصص للآباء الذين يصطحبون أطفالا في سياراتهم وتكون واسعة وقريبة من المدخل


وحين تفكر أن تستقل حافلة عامة أو قطار ستلاحظ أن الحافلات والقطارات تُصمم بحيث يمكن لمن يستخدمون الكرسي المتحرك الصعود والنزول إلى ومن الحافلة أو القطار بدون صعوبة، كما ستلاحظ أيضا أن هناك أماكن  ومساحات داخل وسائل المواصلات هذه مخصصة للمعاقين وكبار السن والحوامل وتكون في العادة قريبة من بوابة الصعود والنزول حتى يسهل عليهم الركوب أو المغادرة..


على الجانبين مواقف مخصصة فقط للنساء وهي قريبة من مدخل ومخرج المرآب ومضاءة بشكل جيد

حتى دورات المياه و الحمامات سواء كانت في حدائق عامة أو مراكز تجارية أو مكاتب حكومية أو حتى تلك التي توجد في الاستراحات بين الطرق السريعة ستجد دوما أن هناك حمامات مخصصة لذوي الاعاقات ومن يستخدمون الكرسي المتحرك أو من لديهم أطفال يحتاجون إلى تغيير الحفاظ..

هذه المراعاة الشديدة لفئات المجتمع المختلفة لا تقتصر فقط على هذا الشكل "الظاهري" الذي يراه المرء في الشوارع والمحلات والطرقات ووسائل المواصلات، إنما تتعدى هذا إلى مراعاة حقيقية و ملموسة لأفراد المجتمع في احتياجاتهم و متطلباتهم والتي ترتكز على فقرات وقوانين ومواد تُشكل ما يعرف بالكود أو القانون الإجتماعي الذي يسعى لتحقيق العدالة والرفاهية الإجتماعية لجميع فئات المجتمع خصوصا الفئات الضعيفة..


إن القوانين الإجتماعية التي تُطبق في ألمانيا كانت ولا تزال من الأمور التي تثير اعجابي وانبهاري خاصة بالنظر إلى الخلفية التي جئت منها كشخص نشأ وعاش في مجتمع هو أقرب إلى الغابة حيث لا سيادة للقانون ولا وجود للعدالة إلا في القصص و الأفلام، مجتمع لا يُراعي الفرد أو يرحم الضعيف أو يُنصف المظلوم، و الحق فيه يؤخذ بالقوة أو بالمحسوبية أو الاكتفاء ب "الحسبنة" وانتظار يوم البعث والقصاص..!

فهذه القوانين التي تمت صياغتها وتعديلها وتطويرها عدة مرات إلى أن دخلت حيز التنفيذ بشكل نهائي في السبعينات من القرن الماضي وهي مقسمة إلى فصول ومواد وفقرات عديدة لكنها تهدف في النهاية إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص و المساواة ، كما أنها تراعي ظروف جميع أفراد المجتمع خصوصا الفئات الضعيفة فيه مثل الأطفال والنساء و أصحاب العاهات أو الإعاقات..


ولا يمكن أبدا الحديث بالتفصيل عن هذه القوانين الاجتماعية شديدة التفرع و التعقيد في هذا المقام الصغير، لكن هناك على سبيل المثال فقرات ومواد عديدة تتحدث بالتفصيل عن الحقوق والمزايا و المساعدات التي تلتزم الدولة بتقديمها لجميع فئات المجتمع وتختلف هذه الحقوق باختلاف ظروف الأشخاص الحاصلين عليها.. فمثلا الأسر التي لديها أطفال – خصوصا التي عندها عدد كبير من الأطفال - تكون هناك مساعدات خاصة ومختلفة تقدم لهذه العائلات من جانب هيئات حكومية مختلفة وذلك كي تتمكن هذه الأسر من توفير مستلزمات و متطلبات الأطفال المختلفة (بعيدا عن الاحتياجات الأساسية مثل المأكل و المشرب).. 

التلاميذ والطلاب وذوي الاحتياجات الخاصة يحصلون دائما على تخفيضات أو اعفاءات كاملة فيما يتعلق بوسائل المواصلات أو تذاكر المسارح والحفلات وكذلك الالتحاق بالنوادي لممارسة الهوايات والأنشطة، هناك مراعاة وقوانين خاصة بالمرأة العاملة "الحامل"، قوانين أخرى مخصصة لدعم الأم أو الأب الذين يعولون أطفالا بمفردهم أي ليس لدى أحدهما شريك حياة يساعده في تربية ورعاية الأطفال..


أما فيما يتعلق بالصحة والمرض والعلاج فوفقا للقانون فإن التأمين الصحي إجباري لكل من يقيم على الأراض الألمانية.. و"إجباري" هنا لا تعني الاكراه أو الارغام إنما تعني أن كل شخص يجب أن يتمتع بتأمين صحي يغطي احتياجاته العلاجية والصحية، فالشخص الذي يعمل يُقتطع جزء من راتبه مقابل التأمين الصحي ومن لا يتمكن من دفع نفقات التأمين تتكفل الدولة بدفعها عنه إلى أن يتمكن هو من تغطية نفقات تأمينه الصحي بنفسه،الأدوية التي تُصرف للأطفال من قبل طبيب حتى سن الثامنة عشرة مجانية أي لا يدفع الآباء شيئا مقابل الحصول عليها من أي صيدلية مهما كانت أسعارها مرتفعة، الأشخاص ذوي الدخول المحدودة يدفعون نسبة بسيطة مقابل الأدوية التي قد يقررها الطبيب لهم وتتكفل الدولة بدفع الباقي، الأشخاص الذين لديهم أمراض مزمنة مثل السكري وغيره يحصلون على تخفيضات كبيرة أو اعفاءات مقابل الأدوية التي يتعاطونها بشكل مستمر..

هناك قوانين تُلزم شركات العقارات بأن تخصص نسبة من الشقق و العقارات التي تمتلكها وتعرضها بأسعار مخفضة كي يتمكن العاملون و ذوي الدخول المحدودة من استئجار هذه العقارات ..

هناك أيضا مواد عديدة صُممت بعناية لتشمل فئات المجتمع الضعيفة وتضمن حصولهم على أشكال مختلفة من الدعم و الحماية، بل أن الشخص ذو الاحتياجات الخاصة لو كان لديه شخص أو قريب يرعاه حتى لو كان هذا القريب من الدرجة الأولى مثل أن يقوم أب أو أم برعاية طفل أو ولد مصاب بإعاقة أو مرض مزمن فإن هناك مساعدة مالية يتم تخصيصها لهذا الشخص نظير رعايته لذلك المعاق! تخيل هذا ؟ يعني أن هذه القوانين لا تراعي فقط الشخص المُعاق بل أيضا من يقوم برعاية هذا الشخص حتى لو كان ابنا يرعى أمه أو والد يرعى ابنته، لأن العناية بشخص لديه اعاقة مسألة مُجهدة نفسيا وجسديا وتحتاج إلى جهد وتفرغ ومن يتفرغ لهكذا مهمة لن يجد الوقت كي يعمل ويعيل نفسه لذا تُعتبر رعايته لهذا المٌعاق "عملا" يستحق عليه أجرا شهريا "بغض النظر عن صلة القربى أوأنه من واجبه فعل ذلك بدون مقابل كما هو سائد في ثقافتنا"!! 

بالطبع أنا لا أتكلم هنا عن "المدينة الفاضلة"، فهناك دوما ثغرات أو نواقص أو حتى تعقيدات بسبب البيروقراطية و الروتين، لكن ما يثير الاعجاب و الاحترام هو أن جميع هذه القوانين الاجتماعية التي تسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية و تراعي ظروف فئات المجتمع خصوصا الضعيفة،هذه القوانين تُطبق بالفعل وليست مجرد حبر على ورق، فهي تُطبق في كل مكان وتسري على الجميع وتلتزم بها كل الجهات الرسمية وغير الرسمية فلا يحتاج المرء إلى وساطة أو محسوبية أو رشوة كي يحصل على حقوقه من خلال هذه القوانين إنما كل ما يجب عليه عمله هو معرفة الحقوق التي تنطبق على حالته ومن ثم التقديم عليها، وحتى موضوع معرفة هذه الحقوق هناك جهات وهيئات رسمية وغير رسمية تتولى هذه المهمة، وفي حالة وجود أي لبس أو اشكال أو ظلم أو انتقاص لحق من الحقوق فهناك دوما طرق سلمية للتسوية أو الاعتراض أو الشكوى، أو يمكن أن يلجأ المتضرر للقضاء في النهاية وقطعا سينصفه القضاء إن كان الحق معه بدون الحاجة لوساطة أو رشوة، وحتى في هذ الجانب هناك مراعاة أيضا فالشخص الذي يريد أن يرفع دعوى ما أو يشتكي على جهة رسمية أو غير رسمية وليس لديه الامكانية المادية يمكنه أن يتقدم بطلب كي يحصل على مساعدة مادية من الدولة تتيح له توكيل أو استشارة محامي ..!


لذلك توصف مثل هذه المجتمعات بأنها "متقدمة" ليس فقط من ناحية اقتصادية أو صناعية وإنما من الناحية الاجتماعية و الانسانية أيضا، فسواء كانت الدولة غنية أم فقيرة، لديها موارد أم لا، لها ثقل سياسي أو تفوق عسكري أو تكنولوجي، فإن مقياس تقدمها الحقيقي وُرقيها هو بمقدار انحيازها إلى أفراد مجتمعها و مراعاة أوضاعهم و أحوالهم ومحاولتها تحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فلا يمكن أبدا أن تكون هناك حياة كريمة للناس في بلد أو مجتمع لا يصون حقوق أفراده ولا يُراعي ُضعفائه..

 

 


December 31, 2019

هل أنتم مثقفون؟



Pic from Pixabay





أنيس الباشا

في أحد مشاهد مسرحية شهيرة لعادل إمام يقوم بالتفوه ببعض الجمل التي لا معنى لها على اعتبار أنه يقول كلاما "عميقا" ثم يلتفت في احتقار إلى الواقفين حوله والذين لم يفهموا شيئا بالطبع مما قاله ويسألهم "أنتم مثقفون؟" ثم يجيب بنفس الطريقة المحتقرة الساخرة " أنتم حمير!" 


هذا المشهد دائما يذكرني بالمثقفين العرب الذين نصادفهم هذه الأيام – وما أكثرهم –و الذين اتاحت لهم وسائل التواصل الاجتماعي فرصة كبيرة للظهور والانتشار وايصال أفكارهم وآرائهم إلى الناس.. فلسان حال هؤلاء يشبه ما قام به عادل إمام في ذلك المشهد، فأغلب هؤلاء المثقفون ينظرون لذواتهم بنرجسية شديدة ويعتقدون أنهم منابع حية للمعرفة والحكمة و يعتبرون الآخرين شوية "حمير" لا يفقهون..!


والمشكلة أن أغلب هؤلاء المثقفين لا يدركون بالفعل معنى الثقافة الحقيقية وما معنى أن يكون الانسان "مثقف"، ويحصرونها في أمور شكلية و استعراضية ، فعلى سبيل المثال يعتقد أغلبهم أن الثقافة تعني أن يكون كلامك معقدا مليئا بالتكلف والتحذلق و الغموض حتى لو كنت تتكلم عن مواضيع عادية أو تناقش مع أحدهم سبب ارتفاع سعر الطماطم في السوق..

فالمثقف العربي لا يقبل أبدا أن يتكلم مثل بقية البشر، فهو لا يقول مثلا "صباح الخير" أو "تصبحون على خير" أو "الجو بارد" أو "أشعر بالجوع".. بل يستخدم عبارات متحذلقة ومتكلفة على غرار "صباحكم قناديل اشتعلت ثم اندثرت خارج المجرة" أو "مساؤكم تنهدات منسية ترفرف في سماء الأبدية..." أو "تصبحون على نسمات أمل تتجدد في هواء رقراق وتسابيح هفهافة ترنو إلى الآفاق..." أو "يا له من طقس تقلص فيه العضل وانكمش فيه  الأمل" ، وبدلا من أن يقول ببساطة انه "يشعر بالجوع" ستجده يقول "ليت شعري من سوف يدري ما في بطني من لهفة على لقيمات يقمن صلبي"...  الخ من هذه العبارات الفضفاضة المليئة بالتكلف...

هذا بالنسبة للعبارات اليومية العادية ، أما حين يحين الجد ويكون على صاحبنا المثقف أن يبدي رأيه في قضية ما أو يشارك في أحد النقاشات أو يكتب منشورا ما على الفيسبوك فسوف تجد عندها استعراض عضلات لغوي واضح مليء بالمصطلحات المعقدة التي يبحث عنها صديقنا المثقف ويجمعها في نهم كما يجمع البعض العملات أو طوابع البريد، و لو توقفت قليلا و تفحصت كلامه هذا لوجدته مجرد كلام عائم ليس له رأس ولا ذيل يمكن الامساك به، لكن يغلب عليه طابع التكلف والتحذلق حيث ستصطدم بعبارات على غرار "ارهاصات ما بعد الكوزموبوليتانية في الابستمولوجيا الانسانية.." أو "اختنق في زمن اللاجدوى وبين عتبات العبثية" أو "المواكبة التأثيرية  للأزمة الوجودية من خلال التيارات المادية المناقضة للنظرية البنيوية عند سارتر" ولا بد طبعا من أن يحشراسمين أو ثلاثة لفلاسفة أو مفكرين غربيين بطريقة تجعلك تشعر أن هؤلاء الفلاسفة كانوا "دفعة" مع صديقنا المثقف وربما كانوا يجلسون سويا على نفس المقهى يثرثرون ويشربون الشاي بينما يناقشون النظرية البنيوية..!


ثم يأتي الشق الثاني من خصائص المثقف العربي وهي موقفه ورأيه الشخصي تجاه أفكار وآراء الآخرين خصوصا الذين لا يروقون له أو الذين يدرك في داخله أنهم مثقفون ومفكرون حقيقيون بالفعل، فهو رافض ومعترض على طول الخط وضد كل فكر آخر باعتبار أن الثقافة تعني أن تعترض على كل شيء حتى لو كان حقيقة من حقائق الكون..

وهو لا يكتفي بالاعتراض ورفض الفكر الآخر بل يقوم أيضا بتسفيه وتفنيد ما لا يروق له مستخدما نفس العبارات والكلمات المتحذلقة ، ويجد المساندة والتأييد من قبل ُزملاءه المثقفين الآخرين الذين لا يبخلون عليه بالطبع بالمزيد من المصطلحات السريالية البنيوية..

هناك أيضا فئة من المثقفين العرب متأثرة كثيرا بكتابات نزار قباني و أحلام مستغانمي ، ويبدو هذا جليا حين تقرأ لهم ، والمشكلة أنهم لا يدركون أن غيرهم أيضا من المثقفين يفعل هذا ، فتشعر وأنت تقرأ مقالا لأحدهم بأنك قد قرأت هذا الكلام من قبل في قصيدة لنزار أو رواية لمستغانمي لكن صاحبنا المثقف مقتنع أن كل هذا من بنات أفكاره هو..

ويجب ألا ننسى خاصية مهمة عند أغلب هؤلاء المثقفين العرب، فصديقنا المثقف يؤمن أنه "مختلف" و يحرص كثيرا على أن يظهر للجميع هذا الأمر، فتجده في كتاباته و أحاديثه ومصطلحاته يريد دائما أن يوحي لجمهوره ومتابعيه بأنه كائن علوي شفاف ذو روح مرهقة معذبة ترى ما لا يراه الآخرون و تدرك ما لا يدركه العوام ، لذا فأنت مخطىء ان اعتقدت ان هذا المثقف الذي تقرأ له هو في النهاية شخص عادي مثلك يأكل الزبادي ويحب مخلل الباذنجان أو  يلعق بأصابعه ما يتبقى من طعام في الطبق أو يرتدي جوربا مثقوبا أو يصاب بالاسهال أو "يتمخط" في منديل!


أنه كائن متميز قادم من مجرة أخرى ومن عالم آخر لا يمت بصلة لعالمنا المليء بالمخلل و الزبادي و الجوارب المثقوبة, وهو يتعذب طول الوقت لأنه ليس هناك أحد يفهمه أو شخص يمكن أن يجاريه ويصل لمستواه الفكري الجبار، لكنه رغم آلامه وغربته شخص نبيل للغاية لذا لا يبخل علينا نحن العوام و يحاول بكل جهده أن يمنحنا قبسات من كنوز المعرفة والنور الموجودة لديه لذلك تجده يثرثر ويكتب طوال الوقت و تجد أيضا الكثير من "الابستمولوجيا" و "الارهاصات البنيوية" في كتاباته مما يدل على أن صاحبنا المثقف لم يتخل عن محاولة تنوير البشرية رغم همومه الكبيرة وعذاباته التي لا تنتهي...


كل هذه السمات والصفات عند غالبية المثقفين العرب قد تكون مزعجة لكنها مفهومة إلى حد ما، وفي النهاية كل شخص حر في أن يعتقد في نفسه كما يشاء وأن يعبر عن آرائه وأفكاره كما يريد وبالشكل الذي يروق له، وعلينا أن نعترف أيضا أن هناك دائما "جمهور" وقطاع عريض لا بأس به متحمس بقوة لأمثال هؤلاء "المثقفين".. وهؤلاء المتحمسون أغلبهم من ذلك الطراز الذي يكتب دائما عند قراءة اي شيء يقرأوه لكاتبه المفضل "سلمت أناملك ..ابداع ما بعده ابداع"..
كل هذا مفهوم ولا بأس به وعليك أن تقبله أو تتعايش معه، أو ببساطة تتجاهله إذا كنت تصاب بالحساسية والصداع من"التنهدات المنسية" و "القناديل المشتعلة" أو "الابستمولوجيا" و "ارهاصات الفكر عند سارتر"..


لكن أن يسمي الشخص نفسه "مثقفا" ثم يجند قلمه وعضلاته الثقافية واللغوية كي يطبل لهذا الطرف أو ذاك أو يكيل المديح لأشخاص أو جهات معينة، والأدهى أنه لا يفعل هذا عن رأي أو عن قناعة بل يستخدمه كوسيلة للتكسب والبحث عن المنفعة و المصلحة أو المجد الشخصي، أي أنه يتحول باختصار إلى "مرتزق" سلاحه هو القلم بدلا من المدفع، فهذا ما لا يمكن هضمه و قبوله أو السكوت عنه!

وللأسف هذه العينة من الأشخاص موجودة وبكثرة ولهم جمهورهم أيضا الذي لا يجد غضاضة في أن يمدح ويعجب بشخص يؤجر قلمه لمن يدفع أكثر، وينسى أو يتناسى هؤلاء جميعا أن "الأخلاق" هي مكون أصيل من مكونات الثقافة وأنه لا يمكن أن يوصف شخص ما بأنه مثقف إذا كان يفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاق واحترام الذات حتى لو كان عبارة عن روح معذبة شفافة قادمة من مجرة أخرى أو من عوالم خفية لا نعرفها..!  

    



December 28, 2019

!..."هذا لا يمثل الإسلام"








رشــا المقــالح

من العبارات الشائعة التي يرددها المسلمون عندما يرتكب أحدهم فعلا مشينا عبارة "هذا لا يمثل الإسلام"، و بالمقابل عندما يحتفي الإعلام - خاصة الإعلام الغربي و العالمي - بفعل إيجابي صدر عن أحد المسلمين نسمع عندها عبارة "هذا يمثل الإسلام". و لكننا في الغالب نردد هذه العبارات دون تدقيق في معناها...فما الذي يعنيه أن يكون هناك "تمثيل" للإسلام؟ 

أرى أن من أكثر المفاهيم اختلاطا في العقلية العربية هو مفهوم 'الهوية'...و لذلك عندما يهاجر العربي ينتقل معه هذا المفهوم المختلط لهويته الى المجتمع الجديد...يصر العربي في المهجر على "هويته" العربية و الدينية، و يريد من المجتمع الجديد أن يعامله على أساس هذه الهوية "الجماعية". بمعنى انه ينتمي لمجموعة معينة و هذه المجموعة لها خصوصيتها من ناحية الأفكار و المعتقدات و طريقة الحياة و غيرها، أي أنه يحمل بداخله شعورا عاليا "بالتصنيف" مابين "نحن" و "هم"...

و بالفعل يستجيب المجتمع الجديد لهذه الرغبة و يتعامل مع المسلمين "كجماعة". و يترتب على ذلك اعتبار التصرفات السلبية الصادرة من بعض المسلمين على أنها تصرفات نابعة من هذه الجماعة التي لها خصوصيتها و عاداتها و تقاليدها و مفاهيمها عن الحياة و العالم من حولها ، لكننا نفاجأ هنا بغضب العرب من هذه "القولبة" و من هذا "التصنيف"...!

و ربما كانت هذه هي اللحظة الوحيدة التي نسمعهم فيها يتحدثون عن "الفردية" و كيف أن التصرفات السيئة أمر فردي لا يمسهم كجماعة.  بينما التصرفات الإيجابية يروجون لها على أساس أن مصدرها هو الجماعة و كونهم مسلمون و أن هذه هي "أخلاق الإسلام" أي أن هذا "يمثل الإسلام".

 لنأخذ العنف المنزلي كمثال: إذا قام مهاجر من أصول عربية إسلامية بتعنيف زوجته، نجد أن المجتمع الجديد يميل إلى تفسير هذا التصرف على أنه نابع من عادات و تقاليد العرب و مفاهيمهم الدينية و التي تسمح للرجل بضرب زوجته و التحكم بها و فرض شروطه عليها، أي أن العنف المنزلي في هذه الحالة سببه الخلفية الثقافية للأسرة أو ربما أحد أهم الأسباب.

أما إذا أعتدى رجل غربي على زوجته بالضرب ينظر المجتمع في هذه الحالة إلى ذلك الرجل كفرد "يمثل نفسه" و ذلك لأن المجتمعات الغربية لا تربي في أفرادها النزعة الجماعية و إنما على العكس من ذلك تعتمد تنشئة الفرد في هذه المجتمعات على الفردية العالية بحيث أن كل شخص مسؤول مسؤولية كاملة عن أفكاره و تصرفاته. لهذا نجد غالبا في مثل هذه الحالات أن سبب عنف الرجل خاضع لظروفه الشخصية مثل الحالة النفسية و ضغوطات العمل أو الضغوطات الإقتصادية...و يتم البحث في هذه الأسباب لمعرفة دوافع العنف...و بالتأكيد يعاقب القانون في كل الأحوال على الإعتداء و لا يتسامح معه...لكن الشاهد هنا أن الرجل الغربي لا ينتمي إلى جماعة معينة...هو ينتمي لنفسه فقط و لهذا ينظر لتصرفه على أنه تصرف فردي ليس نابعا من عادات و تقاليد المجتمع. 

 لكننا نجد المسلمون يفسرون ذلك على أنه "إزدواجية في المعايير"، مع أن الإزدواجية التي يشتكون منها هم من بدأ بممارستها بل و طالب منذ البداية - بدون وعي حقيقي - أن يعامل على أساسها.


و عندما يختار الفرد تمثيل جماعته الدينية عليه أن يقبل النتائج المترتبة على ذلك، و ألا يمارس الازدواجية في المعايير التي يشتكي منها. فكما أنه يقبل التصرفات الإيجابية لأفراد جماعته و يروج لها و يصفها بأنها "أخلاق الإسلام" أو أنها "تمثل الإسلام" فعليه أيضا ألا يتهرب من السلوك السيء و الأفعال المشينة التي يرتكبها أفراد جماعته خاصة عندما يكون لها أساس ديني مثل تعنيف النساء مثلا حيث توجد نصوص مقدسة عند المسلمين بهذا الخصوص و معاملتهن بدونية كمخلوق قاصر لا يتمتع بالمزايا التي يحصل عليها الذكور في المجتمعات الإسلامية.  

أيهما أكثر منطقية و أكثر عدلا: أن يمثل الفرد نفسه، أو أن يمثل جماعته؟ علينا أن نفهم أننا عندما نصر على وضع أنفسنا في قالب ما فإننا بذلك نعزز من الصورة النمطية و نسهل على الآخر الحكم علينا.

 نحن مجتمعات لا تعزز الفردية، بل تفتخر بإنتماءاتها لا سيما الدينية و هذا بالتأكيد ينعكس على تصرفات الأفراد سلبا و ايجابا.... شكلا و مضمونا. لذا نحن بحاجة ماسة لتعزيزالهوية بمعناها الفردي..الهوية التي تتمحور حول "أنا" و ليس "نحن" و "هم". بحاجة إلى أن يتعلم الإنسان العربي أن "يمثل نفسه" فقط، فذلك أكثر عدلا و أكثرانسجاما مع المنطق و مع واقع الحياة.