Pages

July 1, 2016

!صاع من شعير....في فنلندا


أنيس الباشا


يعاني المسلمون في أوروبا بشدة من صيام شهر رمضان الذي وافق مجيئه موسم الصيف والذي يطول النهار فيه بشكل غير عادي حيث يصل إلى عشرين ساعة أو أكثر. و ما أدراك ما صيام العشرون ساعة في أجواء حارة وطقس متطرف وأجواء غير مألوفة! وكم فيها من المعاناة والمكابدة لا يدركها إلا من جربها وعاشها بنفسه. تخيل أن تبدأ صيامك في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ثم تواصل الصيام حتى الساعة العاشرة والنصف مساءا حين تغرب الشمس ويكون لديك ما يقرب من أربع ساعات فقط لكي تفطر خلالها وتصلي المغرب والعشاء وتتناول طعام السحور استعدادا لصيام اليوم التالي!

ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن المسلمين المقيمين في الغرب لا يحظون بأي استثناءات أو مراعاة خاصة في شهر رمضان كما يحصل في بعض البلدان العربية و خاصة في بلادنا اليمن، على سبيل المثال: تقليص ساعات العمل أو تأخير بداية الدوام ، أما هنا في الغرب يصلي المسلمون الفجر مثلا في الساعة الثانية والنصف صباحا و عليهم أن يستيقظوا في الساعة السادسة صباحا وذلك من أجل توصيل الأطفال إلى المدارس والذهاب إلى أعمالهم واشغالهم.. فإذا كان صيام 13 أو 14 ساعة في البلدان العربية يستدعي مراعاة للصائمين بخصوص الدوام والعمل فما بالكم بمن يصوم 20 ساعة ولا يحظى بأي استنثاء؟ فكل شيء في الغرب يمضي بنفس الوتيرة في رمضان وغير رمضان مما يضاعف من المشقة التي يلاقيها الصائمون في هذه البلدان.
ويحاول هؤلاء المغتربون أن يسألوا "مشايخ" الدين عن وضعهم وحالتهم وعن حكم الصوم لمن كان في مثل ظرفهم وعن أمور أخرى متعلقة بالصيام مثل الفدية والقضاء وخلافه. وبدلا من أن يحصل هؤلاء على بعض الأجوبة المبنية على فهم معاصر و واع للطبيعة الجغرافية والمناخية والاجتماعية للبلدان الغربية التي يعيشون فيها، إذا بمشايخ وفقهاء الدين يردونهم إلى ما قاله ابن عباس والشافعي وابن تيمية!!

وليت شعري كيف يمكن "لعلم" ابن تيمية أن يتسع ليشمل المعرفة بطبيعة البلدان الاسكندنافية وشمال أوروبا،  بل كيف يمكن للشافعي و أبو حنيفة و غيرهما أن يلموا بظروف ومقتضيات عصر شطر الإنسان فيه الذرة وارسل المجسات إلى الفضاء الخارجي وابتكر الإنترنت؟ وكيف يمكن لمسلم يعيش في فنلندا أو في كندا في العام 2016 أن يطلب رأي ابن قدامة الذي عاش و مات منذ أكثر من ثمانمائة سنة ولم ير أبعد من الكوفة ودمشق حتى مات؟؟

مسلمون يعيشون في النرويج أو هولندا أو أيسلندة يسألون عن فدية طعام المسكين في رمضان وكيف يمكن إخراجها ولمن تُعطى، وبدلا من سماع فتوى عصرية تعتمد على الاستنباط والتحري ومعرفة ظروف وأحوال الناس في بلدان كهذه حققت درجة عالية من الرفاه الاجتماعي لمواطنيها بحيث أن مفاهيم ومسميات مثل "الفقر" أو "مساكين" مختلفة تماما عن تلك التي نعرفها ونراها في بلداننا العربية، بدلا من سماع فتوى أو رأي يأخذ في حسبانه كل هذه العوامل يأتي الرد من كثير من المشايخ و الفقهاء أن فدية طعام المسكين عند الشافعي ومالك وابن حنبل هي "نصف صاع من الأرز ونحوه" أو "مد صاع من تمر أو شعير"!

ياسلام..! عندما تسمع كلمة مد "صاع" هذه تشعر أنك انتقلت بالزمن مئات السنين ولم يبق إلا أن تقوم بدفع الفدية بالدينار أو بعملات ذهبية موضوعة في صرة وعليها صك دار الخلافة.ولكي أعطي مثالا بسيطا على انفصال هذه الفتاوى عن واقع الناس هنا فإن "التمر" مثلا ليس متوفرا في أوروبا مثل توفره في الحجاز، وفي القرون القديمة ربما كان المسلم في يثرب أو في مكة سيذهب إلى أقرب شجرة نخيل و "يهزها" بيده لينزل له صاع أو صاعين من التمر، أما هنا في أوروبا فلا توجد أشجار نخيل والتمر غير متوفر وإذا توفر فبأسعار غالية، فثمن شراء " صاع" من التمر في أوروبا يكفي لإطعام شخصين وليس واحدا فقط.
وللأسف الشديد حتى أئمة الجوامع في أوروبا تجدهم يكتفون بترديد ما يقوله المشايخ على الطرف الآخر من المحيط و تراهم يشقون على الناس و يضيقون عليهم على الرغم من كونهم مقيمين هم أيضا في الغرب ويعرفون المشقة التي يلاقيها المسلمون هناك.

 صديقة ألمانية أخبرتنا - بنبرة مشفقة و مستنكرة- عن إمرأة أفغانية مسلمة ذهبت إلى الجامع تتساءل هل يمكن تخفيف ساعات الصيام فكان الجواب فقط: لا..! لم يقولوا لها إن الله يريد بنا اليسر و لا يريد بنا العسر و أن الله لا  يكلف نفسا إلا وسعها و أن هناك بالتأكيد حلولا أخرى للمسلمين في الغرب الذين يواجهون تعاقبا لليل و النهار غير متكافىء أو متوازن ، يختلف عن نظيره  في الجزيرة العربية.

طبعا نحن نعرف أنه لا يمكن تخفيف ساعات الصيام لأنه أمر يتحدد بشروق وغروب الشمس ونحن نؤمن بنص القرآن الكريم في هذه المسألة فما هو الحل إذن؟

تعالوا نقرأ السؤال التالي الذي أرسله أحدهم  إلى موقع ( الإسلام سؤال وجواب ): 
 السؤال: أعيش قريباً من الدائرة القطبية الشمالية للكرة الأرضية حيث يكون طول النهار أربع ساعات ونصف فقط ماذا نفعل في رمضان بالنسبة للصيام ؟ .
الجواب: الحمد لله..إذا كان في بلدك ليل متميز ونهار متميز فإنّ عليك أن تصوم نهار أيام رمضان من الفجر إلى غروب الشمس سواء أطال النهار أم قصر ، وفقنا الله وإياك لطاعته وحسن عبادته ..
طبعا الشيخ الذي تفضل بالجواب قالها وذهب ليفطر ويتلذذ بأنواع الطعام والشراب بعد أن يكون قد صام مالا يزيد عن 12 أو 13 ساعة وترك ذلك المسكين صاحب السؤال يكابد ويعاني وينتظر أن تغرب الشمس بعد صيام عشرين أو اثنين وعشرين ساعة و كأن لسان حاله يقول : "تستاهل هذه عقوبتك لأنك تعيش بين (الكفار)"!

يقول تعالى في آيات الصيام : ((
ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ))

لاحظوا قوله تعالى : ((و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين))
الغريب أن السادة الفقهاء اجتهدوا في النص القرآني "وعلى الذين يطيقونه فدية" فقالوا أن المقصود هنا هو الشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة العاجزة والمريض الذي لا يرجى برؤه ، مع أن الآية لم تنص صراحة على ذلك لكنه "اجتهاد" فلماذا لا يجتهدوا ويضيفوا إلى هذه القائمة المسلمين الذين يعيشون في الغرب و يشق عليهم الصيام عندما تختل موازين الليل والنهار؟ طبعا وقطعا لن يفعلوا لأن هذا يحتاج إلى أن نسأل ابن قدامة أو ابن المسيب أو ابن عبد البر ولسان حال فقهاء اليوم يقول لنا أولئك الناس للأسف قد قالوا ما قالوا وماتوا فماذا تريدون أن نفعل لكم؟ لا حيلة لنا!! 

اللهم انا نعوذ بك من العجز و من علم لا ينفع! 

و بناء على ذلك تخيل معي أنك مسلم تعيش في فنلندا مثلا وعليك أن تخرج فدية الطعام في رمضان ليس لك طبعا ، لأنه مادام الصيام لم "يهلكك" ويدخلك إلى غرفة العناية المركزة فعليك أن تصوم أثابك الله، إنما مسموح لك أن تخرج الفدية عن والدك أو والدتك لأنهم كبار وعجزة ، و الحمدلله أنهم نفذوا بجلدهم !
 
و لأن الشعير و لله الحمد من المحصولات المتوافرة في فنلندا فما عليك سوى أن تحسب الكمية اللازمة "بالصاع" و تبحث عن أول مسكين تطعمه بدلا عن صيام يوم، و يا حبذا – لكي تكتمل الصورة التاريخية التي لا يتقبل الله من المسلمين أعمالهم إلا بها – أن تضع الشعير في "شوال" تحمله على ظهرك كما كان السابقون يفعلون في القرون الأولى،  ثم تخرج لتجوب الشوارع والطرقات، وأخيرا تجد أحد المساكين جالسا على قارعة الطريق يتسول ويبدو عليه الجوع فتتنهد في ارتياح و تقترب منه وبدلا من أن تعطيه مبلغا من المال ليذهب إلى أقرب مطعم ويشبع جوعه بوجبة دسمة جاهزة تقرر أن تتصرف بحسب ما أفتى به جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة فتخرج من الشوال كيسا فيه "صاع" من شعير وتبتسم له ابتسامة عريضة متمنيا له عشاءا شهيا، ثم تنصرف راضيا عن نفسك وأنت تتخيل الدموع تترقرق في عيني ذلك المسكين وهو يحدق في كيس الشعير بينما يلهج لسانه بالشكر والثناء عليك وتتركه أنت لتبحث عن مسكين آخر كي تعطيه صاع شعير أو ربما صاع "حنطة" هذه المرة على سبيل التغيير وكله بأجره عند الله!

على مشايخ وفقهاء التراث في هذا العصر أن يكفوا عن ترديد ما قاله من قبلهم و أن يطوروا علومهم ومعارفهم وأن يبحثوا ويقرأوا ويسافروا ويطلعوا، أما إذا لم يتمكنوا من مواكبة عصرنا الذي نعيش فيه فعليهم على الأقل أن يصمتوا لأننا نستعيذ بالله من علم لا ينفع، و عليهم أن يفسحوا المجال لغيرهم ممن يمتلكون المقدرة  و الفكر و لديهم روح العصر لمواجهة التحديات والتغيرات، أولئك الذين يفهمون جيدا معنى عبارة :"الإسلام صالح لكل زمان و مكان" و يستطيعون تحويلها إلى واقع يشعر فيه المسلمون في حياتهم اليومية و مهما كانت البلاد التي يعيشون فيها.

كل هذا التحجر و الجمود الذي نعيشه وانفصال الفقه الموروث عن واقعنا انما  يستدعي الغيظ بأكثر مما يثير السخرية وقد جعل أغلب المسلمين ينقسمون لفريقين.. فريق متمسك بدينه حريص عليه لكنه يعاني ويكابد ويجد من العسر والمشقة ماينغص عليه حياته، وفريق اختار التفلت والهروب من كل ما يمت للدين بصلة. ووسط هؤلاء وهؤلاء يقف أولئك المشايخ والفقهاء راضين ومقتنعين بما يظنون أنه علم وخدمة للدين وهو في الحقيقة مثل إطعام الشعير في فنلندا، جهد ضائع لا ينفع الجائع.

June 30, 2016

...في إنتظار إيلان اليمن


رشا المقالح






 يضع هذا العالم المتحضر "بوحشية" و المنافق "بأناقة"  رجلا على رجل، مشيحا بوجهه الباهت عن مأساة اليمنيين، ولسان حاله يقول :" أوه إنه الشرق الأوسط و لا بد إنها إحدى حروبهم الدينية و لا شأن لنا بها، و عليهم أن يهتموا بأمورهم و لنهتم نحن بأمورنا و لكن لا مانع لدينا من توريد بعض أسلحتنا الفتاكة إلى منطقتهم، فلدينا مصانع يجب أن تستمر في إنتاجها و عمالا لا بد من الحفاظ على وظائفهم حتى لو خسر أولئك الناس أرواحهم، ثم إننا سنرسل لهم مبعوثا من الأمم المتحدة ليشرف على أي مفاوضات ستجري بينهم، فنحن نسعى جاهدين لإيقاف حروبهم الهمجية المتواصلة. و ما نريد إلا الإصلاح و التوفيق ما استطعنا".
لا يجب أن نتوقع نحن اليمنيون أكثر من هذا، فكل ما يحصل في بلادنا - تلك البقعة المعزولة عن عالمهم - لا يعنيهم بل يعنينا وحدنا، فاليمن هي مشكلة اليمنيين، هكذا قضت قوانين هذا العالم المتحضر بوحشية و المنافق بأناقة بأن العالم لا يجب أن يكون قرية صغيرة أو عالما واحدا سوى في أغنيات كأس العالم و الأولمبياد و فيسبوك و تويتر أو حين يتعلق الأمر بحركة البضائع و السلع التجارية ، وهكذا فقد فتحنا أسواقنا لهم ليرسلوا لنا كل بضائعهم بما فيها  طائراتهم الحربية و صواريخهم الحديثة.

و يبدو أنهم لن يدركوا جيدا بشاعة موقفهم من العدوان الحاصل على بلادنا إلا عندما يرسل اليمنيون أطفالهم في قوارب الموت، ليلتهمهم الموج و يلفظهم على شواطئهم تماما كما حصل مع إيلان الكردي و غيره من أطفال سوريا. وهكذا  على ما يبدو أن أوروبا تنتظر من اليمنيين - لكي تلتفت إليهم و تسمع صوتهم - أن يركبوا البحر ويصلوا بمئات الآلاف إلى الشواطيء الأوروبية عندها سيتذكرون أن هناك بلد يدعى اليمن و أنه موجود على الخارطة و منكوب و ضعيف و يعاني وحيدا وسط صمت إعلامي عالمي قاتل.

 و عندها سيسعون جاهدين لفهم ما يحدث في بلادنا و لماذا يهاجر الناس منها بعشرات الآلاف و يخاطرون  بحياتهم و حياة أطفالهم. و سيسجل محرك البحث جوجل "اليمن" كأكثر كلمة يتم البحث عنها، و سيشهقون من هول ما سيجدونه و من الأوضاع السيئة التي دفعت باليمنيين إلى الخروج و الفرار. و ستتصدر أخبار المعارك و أوضاع الإنسان "اللاإنسانية"  في اليمن نشرات أخبارهم الرئيسية، و سيدخلون في نقاشات محمومة فيما بينهم عن الفصائل اليمنية المتقاتلة و الأحزاب السياسية المتصارعة، و سيعرفون أن عاصمتنا تدعى "صنعاء" و سيحفظون أسماء المدن اليمنية التي تجري فيها المعارك وتسيل فيها الدماء.

و ستقلب هجرة اليمنيين الأمور رأسا على عقب و ستصبح حديث الساعة في القنوات الإعلامية، و سينقسم الناس في العالم الغربي ما بين مرحب بالقادمين الجدد و مابين متخوف و معاد لهم، و لكن كل ذلك لن يهم، لأنهم سيفرضون وجودهم في نهاية الأمر و سيصبحون أمرا واقعا و على القارة العجوز أن تتعامل معه. ربما سيموت بعض أطفال اليمن و نسائهم و رجالهم في البحر خلال رحلة الموت التي جاءت بهم، و كم سيكون ذلك محزنا و مؤلما،  لكن ألم يكن من المحتمل أن يموتوا على كل حال لو بقوا في اليمن، إما بصاروخ طائش أو قذيفة متهورة أو سيارة مفخخة؟! و حتى إذا كانوا سعداء الحظ و نجوا من كل الأخطار السابقة فإن تردي الأحوال المعيشية و سوء الخدمات الصحية بانتظارهم و هذا وحده كفيل بالقضاء عليهم.

و مع وصول أول خمسمائة مهاجر يمني إلى الأراض الفرنسية، ستتوقف فرنسا فورا عن توزيع أوسمة الشرف على أمراء الحرب السعوديين، و ربما خرج الفرنسيون إلى الشوراع في مظاهرات شعبية للمطالبة باستعادة الأوسمة التي سبق و منحتها بلادهم لأمراء الرمال. وبالتأكيد سيضطر بان كيمون إلى إعادة اسم التحالف العربي إلى لائحة قتلة الأطفال بصورة نهائية غير قابلة للتراجع هذه المرة.

و مع تنامي موجات الهجرة اليمنية سيعقد الاتحاد الأوروبي جلسات طارئة و سيتم تسمية القادمين الجدد بـ "الأزمة" و سيبحثون عن مسببات تلك الأزمة و سيوجهون أصابع الإتهام لجار السوء، و بأنه المسئول الأول لأنه بتدخله - غير المسئول - في اليمن قد قضى على الرمق الأخير فيما كان يسمى بالدولة اليمنية، و سيصبح ما يسمى بالتحالف العربي تحت المجهر، و سيتعرض لضغوطات حقيقية هذه المرة، كما ستتم مطالبته بوقف هذه الحرب، و سيطالبون دول التحالف بفتح حدودها لليمنيين. و سيضغطون بكل ثقلهم لإنشاء مناطق آمنة على الحدود اليمنية السعودية، و ستجد السعودية نفسها في مواجهة طوفان بشري غير مسبوق، و للمرة الأولى ستكون قوة اليمنيين الحقيقية ليست في كونهم يحملون سلاحا و إنما في كونهم عزل.

و كما شكلت هجرة اليمنيين القديمة بعد انهيار سد مأرب حدثا فاصلا في تاريخ الجزيرة العربية فإن هجرتهم الجديدة ستشكل علامة فارقة في تاريخ العالم الحديث بالتأكيد. و سيندهش اليمنيون حين يكتشفون أن من لا يملك قرار الحرب و السلم لا حل له سوى الرحيل، و أن البقاء لا يعني سوى تجرع صنوف العذاب و الشقاء ، و تحمل مهازل الساسة و صمت العالم و تجاهل القريب و البعيد دون نتيجة تذكر...نوع من الصبر العبثي، تماما كالحرب العبثية و الأوضاع العبثية التي يعيشونها، و سيكتشفون أن بقائهم ما كان ليضيف شيئا ، أما رحيلهم فسيغير كل شيء.

لن يلتفت العالم إلى كل ذلك العبث السعودي في اليمن حتى تبدأ موجات الهجرة اليمنية بضرب شواطيء عالمهم و عندما يجرف الموج إيلان اليمن إلى تلك الشواطيء سيستفيقون لحظتها من غفلتهم و يشعرون بالكارثة التي خلفها صمتهم و أسلحتهم و سيتحملون نتائج تجاهلهم كاملة، و سيتباكون بالطبع أمام عدسات الكاميرا على منظر ذلك الطفل البريء و هو ملقى على شاطئهم و سيسمون ذلك وصمة عار على جبين الإنسانية ، و لكن ما إن يخلوا بعضهم إلى بعض حتى يسعون جاهدين لإتخاذ كل الإجراءت اللازمة لإغلاق حدودهم البرية و البحرية خشية من وصول ايلان يمني آخر...حيا أو ميتا... هذه هي – ببساطة - قوانين هذا العالم ....قوانين متحضرة بوحشية و منافقة...بكل بأناقة..

June 26, 2016

كيف يحولون أطفالنا إلى فتوات و متفاخرين


رشا المقالح





 كنا في السابق لا نسمح لطفلنا بمشاهدة مسلسلات الأطفال القتالية و التي تحتوي على مشاهد عنف حتى و إن كانت مصنفة بأنها مناسبة لعمره. و ذلك لأننا نؤمن بأن أطفالنا ليسوا بحاجة لمثل تلك البرامج خاصة مع كل هذا العنف و الحروب الحاصلة في العالم. و إنما هم بحاجة ماسة ليتعلموا كيف يتعايشون مع بعضهم البعض بسلام و انسجام. و لكننا لاحظنا أن طفلنا عندما يلعب مع بقية الأطفال فإنهم يبدأون بتقليد تلك الشخصيات الكرتونية و القفز مثلهم و القتال على طريقتهم بينما كان طفلنا يقف حائرا غير فاهم لما يحدث! و في الغالب يتعرض للضرب و الهزيمة! و شعرت بانزعاج كبير كيف أن مثل تلك البرامج تحول كثير من الأطفال إلى فتوات و "بلطجية" في سن صغيرة جدا!
 

و عندما بدأ طفلنا في الذهاب إلى الحضانة، كنا سعداء جدا مثل كثير من الآباء و الأمهات. و مع مرور الوقت كنا نشعر بالفخر و نحن نشاهده يكبر و يتأقلم و يتعلم لغة جديدة بسرعة قياسية. ثم بدأنا نلاحظ أنه صار يطلب منا يوميا شراء أشياء يراها مع غيره من الأطفال في الحضانة مثل تي شيرت سبايدرمان أو حذاء بات مان و غيرها من السلع التجارية غير الضرورية و التي تمتليء بها الأسواق و تجذب انتباه الأطفال و تفرغ جيوب آبائهم. لذا لم نهتم لطلباته و تجاهلناها و أخبرناه بأن لديه كل ما يحتاج إليه و أن تلك الأشياء غير ضرورية.

و في أحد الأيام عندما ذهبت إلى الحضانة في نهاية اليوم لإخذه إلى البيت، صادفت أحد الأطفال و أنا في طريقي إلى مجموعة ابني و ما إن رآني حتى أشار إلى التي شيرت الذي كان يرتديه و قال لي بفخر :" لدي تيشرت حرب النجوم"! ابتسمت له و تظاهرت بالإعجاب، و بعدها بقليل صادفت طفلا آخر، في الثالثة من عمره، و ما إن رآني حتى قال: "لدي عشرة يورو!" و في طريقي إلى البيت تذكرت كل طلبات طفلي و إلحاحه المستمر على شراء تلك الأشياء له و بدأنا بالتساؤل فيما إذا كنا محقين تماما في تجاهلنا التام لتلك الطلبات؟! ثم بدأنا بمراقبة تصرفات الأطفال و لاحظنا أنهم يميلون بشدة للمفاخرة بما لديهم و التقليل من شأن الأطفال الآخرين الذين لا يمتلكون أشياء رائعة مثل التي لديهم. كنت أعرف من قبل أن المراهقين يتعرضون لمثل تلك الضغوطات و لكني لم أتوقع أن يعاني منها الأطفال في مثل تلك السن الصغيرة.

و عندما اقترب موعد عيد ميلاد طفلنا سألناه عن الهدية التي يريد الحصول عليها فأجاب بسرعة و بدون أي تردد  أو تفكير :" لعبة سبايدرمان أو حرب النجوم"! و هي عبارة عن دمى بلاستيكية شاهدها في محل للألعاب في إحدى المرات. و لنا أن نرى كيف تستميت تلك الشركات في الوصول إلى جيوبنا بأي طريقة، في البداية تجدهم يبتكرون و يتفننون في انتاج المسلسلات الكرتونية غير المفيدة و غير التعليمية و ما إن يصبح ابطال تلك المسلسلات مشهورين و محبوبين حتى يبدأون في إغراق الأسواق بالألعاب و الملابس و الأحذية التي تدور حول تلك الشخصيات. لقد لاحظت أننا عندما نحضر لطفلنا تي شيرت على سبيل المثال لا يحتوي على مثل تلك الشخصيات فإنه يرفض ارتدائه معتبرا أن لا قيمة له!


                           


للأسف اضطررنا في الأخير للسماح لطفلنا بمشاهدة تلك المسلسلات الكرتونية كما رضخنا لمطالبه و اشترينا له بعضا من "التي شيرتات" و غيرها من الملابس التي تحتوي على تلك الشخصيات. و لاحظنا بعدها أن ثقته بنفسه قد زادت و أن شعوره بالقدرة على المنافسة مع بقية الأطفال قد تعاظم أيضا.

من الواضح أن هذه الشخصيات الكرتونية لها تأثير كبير على أطفالنا وأن هذه الشركات لا تعبث فقط بأموالنا و إنما بشخصيات أطفالنا و طريقتهم في التفكير و الحكم على الأمور. لذا يجب علينا، كأباء و أمهات، أن نحاول التقليل من ذلك التأثير قدر الإمكان. أعرف أنه ليس بإمكاننا التوقف عن شراء مثل تلك الأشياء لهم و لكننا على الأقل يجب أن نعلمهم أن تقديرهم لأنفسهم يجب أن يكون نابعا من احترامهم لذواتهم و ليس من الأشياء التي يمتلكونها.



                           


و بما أن "يدا واحدة لا تصفق" فإننا بحاجة للعمل معا من أجل إنشاء بيئة صحيحة نفسيا ينمو فيها أطفالنا و يكبرون بعيدا عن مثل تلك التأثيرات الاستهلاكية التي تعبث بعقول أطفالنا و تحولهم إلى مجموعة من المتفاخرين و الفتوات. أما إذا قررنا تجاهل هذا الأمر فعلينا أن نكون متأكدين من أن أطفالنا سيكبرون و ستكبر معهم هاتين الخصلتين السيئتين أيضا.