Pages

July 14, 2016

مراهقة فكرية .... قناعة ساذجة


رشا المقالح





عندما كنت في عمر المراهقة وقع في يدي كتاب بعنوان "بين النهوض و السقوط -  رد على كتاب فرج فودة" للكاتب الفلسطيني منير شفيق، و كنت في تلك الفترة ككثير من الشباب المسلم تملؤني الحماسة  و تغرني الشعارات "الإسلامية" الفضفاضة، في انسياق أعمى للبيئة المحيطة بي دون أي تدقيق و بحث، معتقدة أن هذا هو الطريق الصحيح و هو الحل الوحيد لكل مشاكلنا و تخلفنا، كما كنت مؤمنة بأن الكون بأكمله يتآمر علينا نحن المسلمين و أن عللنا في معظمها خارجية. لذا اندفعت في قراءة الكتاب و أعجبت به كثيرا دون حتى أن أتسائل من هو فرج فودة - يا ترى - و ما هي كتبه و ما هي تصوراته! قرأت الكتاب و أعجبت به بشكل أعمى دون أن أكلف نفسي عناء قراءة الكتاب الأصلي و إنما اكتفيت بقراءة الكتاب الذي صدر أساسا كرد عليه! و كيف يمكنك أن تبني قناعة ما مستندا على ردة الفعل فقط دون اطلاع و تحقيق في الفعل نفسه؟!

و لأن كتاب منير شفيق قد صادف هوى في نفسي و وافق قناعاتي في تلك الفترة فقد أعجبت به جدا و اقتنعت بكل حرف فيه و شعرت بالعداء لذلك المدعو فرج فودة دون حتى أن أقرأ له حرفا واحدا و دون أن أعرف أن الرجل قد تم اغتياله على يد بعض العناصر المتطرفة المنتمية لإحدى الجماعات الإسلامية و الذي عرفت فيما بعد أنهم أيضا لم يقرأوا للرجل حرفا واحدا!

لاحقا - و بعد أن تعلمت أن لا أشكل قناعاتي إلا بعد بحث و تدقيق - قررت أن أقرأ كتاب المفكر المصري فرج فودة "قبل السقوط" ثم استمعت بعدها إلى مناظرته الشهيرة مع شيوخ الازهر و أبرزهم الشيخ محمد الغزالي و  بعض المفكرين الإسلاميين و التي جرت في العام 1992، و عرفت أن دمه – بعد تلك المناظرة - قد أهدر من قبل بعض الجماعات الإسلامية حيث كان من  الواضح أنهم قد بهتوا و أن ما قاله كان شديدا عليهم و أن أفكاره قد لاقت صدى لدى الناس في ذلك الوقت . و لأن الفكر المبني على التقليد و التبعية دون إعمال العقل هو فكر ضعيف فاقد للحجة و المنطق  يشعر بالتهديد و يخشى على وجوده لذا يجنح إلى العنف و التنكيل بخصومه و تصفيتهم تحت مسميات عدة أبرزها الغيرة على الدين! وهكذا بالفعل تم اغتيال فرج فودة على يد بعض المتطرفين الإسلاميين، و قامت الشرطة بإلقاء القبض على الجناة و تمت محاكمتهم.

 و عندما تتبعت القصة عرفت أن الشيخ محمد الغزالي، و الذي كان مثلي الأعلى - فكريا - لفترة غير قصيرة و أزعم أنني قرأت كل كتبه و كنت شديدة التأثر بفكره  الذي يوازن  بين مدرسة الرأي و مدرسة الأثر و يغلب الرأي و العقل في كثير من الأحيان، الشيخ محمد الغزالي الذي كان يعشق الحرية و يرفض الاستبداد، عرفت 
أنه استدعي للشهادة في المحكمة – و هناك مصادر تقول بأنه لم يستدع و إنما تطوع للشهادة -  ثم شعرت بصدمة كبيرة و خيبة أمل عارمة عندما أكد في شهادته أن فرج فودة مرتد بالفعل و دمه مباح و أن ما فعله الشباب المتطرف لم يكن سوى تنفيذا للحد، حيث أفتى : بـ "جواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، و إن كان هذا افتئاتا على حق السلطة، و لكن ليس له عقوبة."!!!
الشيخ محمد الغزالي

                               

لم أجد في كتابات فرج فودة أو في مناظراته ما يستدعي تكفيره، فقد كان يعلن دائما بأنه مسلم و بأن الإسلام دين عظيم و أن القرآن كتاب مقدس، لكن كل ذلك لم يشفع له عند خصومه الذين يزعمون بأنهم شديدوا الغيرة على الإسلام و ما هي إلا مزايدات بائسة من أناس نصبوا أنفسهم آلهة في الأرض يحاسبون عباد الله و يحاكمونهم على أفكارهم. فحتى لو كان الرجل قد كفربحق فلا حق لأحد بقتله فلا وجود لحد الردة في الإسلام ذلك الحد البغيض الذي لا سند له في القرآن و إنما هو حد يتناقض بشكل صارخ مع كتاب الله الحكيم.

اليوم - و أنا أقف على مسافة بعيدة من تلك الفتاة المراهقة الساذجة -  أستطيع أن أقول و بكل ثقة أن أحد أسباب تأخرنا الفكري و العلمي أن كثيرا من الشباب المسلم "المتحمس" يتبنى ذلك الأسلوب الأعمى في الإتباع دون أن يكلف نفسه عناء البحث و التدقيق و الاستماع الجاد إلى خصومه. و حتى إن قام بالبحث و التحقيق فإنه يبحث بطريقة الجندي المتمترس في خندقه المتأهب للنيل من خصومه، لذا لن تجد لديه رغبة حقيقية و لا نية صادقة في الاستماع لحجة و منطق مخالفيه و إنما هو مستعد فقط للإجهاز عليهم.


لقد بدأ الخناق الفكري يضيق على أتباع المذاهب الفكرية التراثية الجامدة، و ما ظهور جماعات إسلامية متطرفة مثل جماعة داعش إلا دليل على لحظات الإحتضار الصعبة و المدوية.

من حسن حظنا 
اليوم أن أدى التقدم التكنولوجي إلى تغييرات كثيرة أبرزها "سهولة الوصول إلى المعلومة" فصار من السهل التقصي و التتبع و الإطلاع على ما تقوله الأطراف المختلفة، و مع  تقدم وسائل التواصل و خاصة التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، نتج عن ذلك انتشار النقاشات الفكرية بين الشباب المسلم، و هانحن نرى  أن ما كان  يعد بالأمس القريب "مسلّمات" يحرم التشكيك فيها صارت اليوم أمورا موضوعة على الطاولة للتدقيق و التمحيص و الأخذ و الرد . و هانحن نرى أن ما يقال اليوم في حق تاريخنا الإسلامي و موروثاتنا الفقهية و الفكرية يتجاوز بمئات المرات ما قاله فرج فودة، و أن  التيار الداعي إلى التصحيح و المراجعة و نبذ الجمود وعدم تغييب العقل يتسع يوما بعد يوم، و إنه مثل القطارفي سيره...و سيستمر في حركته حتى يصل إلى وجهته النهائية، و سيتوقف بالتأكيد عند بعض المحطات، ليصعد على متنه من أراد الصعود و يترجل من أبى.

July 2, 2016

(3) خواطر امرأة يمنية في المهجر

 رشـا المقالح


 بات من الواضح جدا أن فيسبوك صار جزءا أساسيا من حياتنا، نستخدمه كل يوم و نشارك فيه آراءنا و نعبر فيه عن أنفسنا بكل حرية، و ربما لا ننتبه لمعنى اسمه كثيرا و الذي يتكون من كلمتين أولاهما تعني "وجه" و الأخرى تعني كتاب و بترجمة حرفية يصبح المعنى "كتاب الوجه"....! و يقال أن فكرة فيسبوك نشأت أساسا من الكتاب السنوي Yearbook و الذي يتيح للطلبة في الجامعة وضع صورهم و معلومات أخرى عنهم. لذا نجد أن أغلب المستخدمين لموقع فيسبوك يضعون صورهم الشخصية لإبراز هوياتهم  و إظهار أنفسهم بصورة لائقة و معبرة عن شخصياتهم و ميولهم و أمزجتهم. لكن هذا لا ينطبق على  المرأة في اليمن حيث في الغالب لا يسمح لها بذلك! 

فالمرأة في بلادنا محكوم عليها ألا يكون لها وجه في العالم الافتراضي تماما كما لا وجه لها في عالمها الحقيقي حيث يفرض عليها المجتمع "باسم الدين" تغطية وجهها أمام الآخرين و لذا فإن من العيب أن تضع صورتها في "البروفايل" الخاص بها ، و كنتيجة لذلك نجد أن معظم المستخدمات اليمنيات لفيسبوك يختبئن دائما خلف صور أطفالهن أو أزواجهن و ربما اخوانهن أو ربما وضعن صور ورود أو مناظر طبيعية أو صور فتيات جميلات أو ممثلات أو مطربات مشهورات و غيرها من الصور التي ربما يشعرن أنها تعبر عنهن و يمكن الاستعاضة بها عن وجوههن الحقيقية دون إغضاب المجتمع المحيط بهن، أي أنهن يستخدمن تلك الصور في فيسبوك كما يستخدمن النقاب في حياتهن اليومية عند خروجهن من المنزل.

كنت - قبل أن أضع صورتي الشخصية في فيسبوك - دائما ما أشعر بالغيظ عندما أرى أن زوجي و إخوتي و كل الذكور في مجتمعنا من حقهم وضع صورهم الحقيقية في بروفايلاتهم ،و كنت أغتاظ لأنني أرى أنهم يمارسون حياتهم "الإفتراضية ببساطة  تماما كما يمارسون حياتهم في عالمهم الواقعي، دون أية قيود على هوياتهم الحقيقية و بدون أي حاجة للاختفاء خلف صورة لا تمثل ملامحهم الحقيقية مثلما لا يضطرون للاختباء خلف نقاب أسود  لتغطية ملامحهم في الواقع

    و من الأمور التي لاحظتها أيضا في فيسبوك أنه إذا اجتمعت شلة من البنات مع بعضهن  فإنهن عندما يقمن بنشر الخبر على فيسبوك يقمن بالتقاط صور لإيديهن و عادة ما يقمن بعمل إشارة النصر بأصابعهن، كما ينشرن صورا للطعام الذي تناولنه، و يبدو لي الأمر كمحاولات لطيفة لإثبات تواجدهن في فيسبوك مثلهن مثل الآخرين الذين يظهرون بهيئاتهم دونما أي حرج، و محاولة إظهار ما يمكن إظهاره من أنفسهن، و هذا ليس أمر مستغربا بل على العكس تماما، يعد أمرا مفهوما لأنه يمثل شعورا فطريا و رغبة إنسانية كامنة في كل منا.

 


صورة منقولة من فيسبوك


و لا أدري حقيقة لماذا - في زمن فيسبوك و زمن التواصل التكنولوجي الهائل - لا زالت المرأة اليمنية مطالبة  بعدم إظهار وجهها مثل بقية خلق الله و كأنها لا تنتمي لهذا العالم و لا إلى هذا العصر؟ و كأني بهم يعاقبونها على إسلامها! لماذا يضعون كل تلك القيود عليها حتى في أمور صغيرة كهذه  لا يتم التفكير فيها مرتين في بقية أنحاء العالم كما رأيت و عايشت بنفسي؟!

ربما يسأل أحدهم أو أحدهن ( و ما أكثرهم و أكثرهن! ):" و هل الحديث عن النقاب و تغطية الوجه و صورة فيسبوكية أمر مهم لهذه الدرجة؟" و جوابي سيكون:  نعم... بالتأكيد!  و السبب - ببساطة - أن من ينكر أهمية فيسبوك في حياتنا فهو يكذب على نفسه أولا، و ثانيا هذه الظاهرة أساسا  تخفي وراءها وضعا اجتماعيا سيئا وهي تمثل واجهة لفكر يستند على مفاهيم كثيرة تنتقص من شأن المرأة و يجعلها تصدق أنها عورة و فتنة و ناقصة عقل و دين و مصدر شؤم و بأنها "تقطع الصلاة مع الكلب و الحمار" و أننا نحن النساء أكثر أهل النار!

و مع احترامي لحرية الآخرين في ارتداء ما يناسبهم إلا أنني - كمسلمة  -
صورة منقولة من Google images
 لا أقبل أن يتم تسويق النقاب كجزء من الدين الإسلامي، و لا أفهم النساء اللواتي يدافعن بشدة عن النقاب و يحرصن على إرتدائه معتقدات بأنهن بهذه الطريقة يحتفظن لأنفسهن بالتميز في زمن - حسب اعتقادهن - كثرت فيه الحملات ضد النقاب و زادت فيه الدعوات للتحرر و هكذا يعتقدن أن هذا سبب كافي لتمسكهن و مقاومتهن و بأنهن بذلك يثبتن كم هن قويات في وجه الضغوطات و سيحفظن للمرأة المسلمة "تميزها" و "تفردها" عن الآخريات. لكن أي تفرد و تميز يقصدن بالضبط؟ هذا النوع من التفرد السلبي للغاية و الذي لا يحفظ للمرأة المسلمة كرامتها الإنسانية؟ هذا "التميز" المزعوم ليس له قيمة سوى أنه يعطي صورة مشوهة عن تعاليم الإسلام الحقيقية و وضع مكانة المرأة كما أرادها الله في تنزيله الحكيم.  ثم إن من بين الأمور التي يتمايز فيها الناس عن بعضهم البعض هي ملامحهم الظاهرة و التي خص الله كل فرد  بها، فذاك يظهر على وجهه  أمارات الذكاء و آخر يبدو عليه الإصرار و هكذا، فلماذا تحرم المرأة المسلمة من ذلك؟! فالنقاب فيمحو كل تميز و تفرد للنساء المسلمات و يجعلهن جميعا متشابهات بينما يحتفظ الرجال بملامحهم و تعابير وجوهم ظاهرة غير مخفية.

و الطريف أن المدافعين عن النقاب يدّعون أن القرآن أمر المرأة بتغطية وجهها و لا يكتفون بذلك بل و يجعلون ذلك الأمر "ركنا" أساسيا من العقيدة الإسلامية و بدونها لا يكتمل الدين و لا يصح! لكن استدلالهم ذاك هو استدلال فاسد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فلا يوجد في القرآن أمر للمرأة بتغطية وجهها، و اذا تأملنا الآية التي وضحت لباس المؤمنات في سورة النور : (( و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها و ليضربن بخمرهن على جيوبهن......)) لن نجد ذكر كلمة وجه أبدا، و لو كان الأمر بهذه الأهمية لذكره الله تعالى واضحا جليا خاصة و أن هناك آيات عديدة في القرآن الكريم وردت فيها كلمة "وجه" بكل وضوح فعلى سبيل المثال لا الحصر:

((يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق....))

(( و يوم تبيض وجوه و تسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم....))

((و من حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام...))

((ذلك خير للذين يريدون وجه الله...))

((فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله و من اتبعن...))

و هكذا عند تتبعنا لكلمة وجه و مشتقاتها في القرآن الكريم سنجد أنها وردت في مواضع عديدة جدا ماعدا المواضع التي تتحدث عن لباس المرأة و عن النساء! حيث لا وجود لكلمة وجه نهائيا، أفلا يستدعي ذلك التفكر؟! فلو كان الله يريد للمرأة أن تخرج مغطاة بالكامل دون أن يظهر منها شيء - كما يدّعي المتشددون-  لما ذكر الله جل و علا تفصيلات مثل : 
(( إلا ماظهر منها))...((و ليضربن بخمرهن على جيوبهن)) و لأمرها أن تغطي نفسها بالكامل و أن تضرب بخمارها على رأسها و وجهها بدلا من قوله : (( إلا ما ظهر منها))! و هكذا نجد أن تغطية المرأة لوجهها ليست مجرد مشقة تؤجر عليها المرأة و "فضيلة" كما يدّعون و انما هي افتراء على الله و مخالفة صريحة لأوامره.

 أنا على يقين تام أن المرأة اليمنية لن تتخلص من تلك النظرة الدونية لوجهها إلا إذا رفضتها بحزم و اقتنعت تماما أنها انسان كامل له إرادة مستقلة و فكر يجب احترامه، و  لن يمكنها اقناع نفسها و اقناع الآخرين بذلك و هي تعتقد بأن وجهها عورة و فتنة ، بل يجب أن تؤمن بأن وجهها هو  محل كرامتها و هويتها و قد جعله الله ظاهرا بالخلق فلا يجب أن تسمح لأحد أن يشعرها بالعار و الخزي من إظهاره، كما يجب عليها ألا ترى في نفسها "متاع" أو مجرد وسيلة "إغواء" للرجل حيث يتوجب عليها أن تحميه من شرها قدر المستطاع ،تلك النظرة الدونية تسببت في أن تفقد المرأة المسلمة ثقتها في نفسها و في العالم من حولها، و أدت إلى تشويه صورتها أمام الأمم الأخرى و اظهارها بمظهر المضطهدة و الأسيرة و الخاضعة "غريبة الأطوار" ، و هاقد جاءت جماعة مثل جماعة "داعش" لتأكيد مثل تلك الصورة النمطية عنها.
 
على المرأة في المجتمع اليمني أن تصبح ذات شخصية أقوى - و ذلك ليس من أجل وضع صورتها في فيسبوك - و إنما من أجل أن تضع بصمتها في الحياة كما ينبغي لها و كما أراد الله لها، فالله خلق الزوجين الذكر و الأنثى و جعل علاقة الرجل بالمرأة علاقة تكامل لا علاقة صراع أو استعباد. و لن تتمكن المرأة من الوصول إلى التوازن المطلوب إلا إذا صقلت شخصيتها بالمعرفة، تلك المعرفة التي تكسب صاحبها القدرة على التفكير النقدي و التحليل بدلا من الجمود و الاستسلام لفكر ما لمجرد أنه مألوف و أننا اعتدناه و نشأنا عليه .


و في الأخير لن أخفي أبدا أنني بعد أن وضعت صورتي في فيسبوك شعرتُ بأنني انضممت للتو إلى هذا العالم الإفتراضي، شعور مشابه تماما لشعوري عندما تخلصت من النقاب، شعرت بثقة أكبر و بأنني أفرض وجودي كإنسان من حقه الظهور و ليس من واجبه الإختباء، و اختلفت صورة العالم في نظري، و لم يعد يعنيني من يرى في عيني و أنفي و أذني خطرا عليه. و لكل من يفكربوجه المرأة بطريقة شاذة و لا يستطيع التعامل معها إلا من خلف قناع سميك يحجب ملامحها، أقول : لماذا اختفي خلف قناع أسود؟ الأني امرأة ...مسلمة؟ لا شكرا.......فأنا امرأة مسلمة قوية و فخورة و لم يزدني إيماني بالله و بكتابه إلا قوة و فخرا....لا اختباءا و انزواء...وعليك أن تتعامل معي كإنسان خلقه الله بملامح ظاهرة كريمة، و عليك أن تعتاد ذلك...طوعا أو كرها.



July 1, 2016

!صاع من شعير....في فنلندا


أنيس الباشا


يعاني المسلمون في أوروبا بشدة من صيام شهر رمضان الذي وافق مجيئه موسم الصيف والذي يطول النهار فيه بشكل غير عادي حيث يصل إلى عشرين ساعة أو أكثر. و ما أدراك ما صيام العشرون ساعة في أجواء حارة وطقس متطرف وأجواء غير مألوفة! وكم فيها من المعاناة والمكابدة لا يدركها إلا من جربها وعاشها بنفسه. تخيل أن تبدأ صيامك في الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل ثم تواصل الصيام حتى الساعة العاشرة والنصف مساءا حين تغرب الشمس ويكون لديك ما يقرب من أربع ساعات فقط لكي تفطر خلالها وتصلي المغرب والعشاء وتتناول طعام السحور استعدادا لصيام اليوم التالي!

ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن المسلمين المقيمين في الغرب لا يحظون بأي استثناءات أو مراعاة خاصة في شهر رمضان كما يحصل في بعض البلدان العربية و خاصة في بلادنا اليمن، على سبيل المثال: تقليص ساعات العمل أو تأخير بداية الدوام ، أما هنا في الغرب يصلي المسلمون الفجر مثلا في الساعة الثانية والنصف صباحا و عليهم أن يستيقظوا في الساعة السادسة صباحا وذلك من أجل توصيل الأطفال إلى المدارس والذهاب إلى أعمالهم واشغالهم.. فإذا كان صيام 13 أو 14 ساعة في البلدان العربية يستدعي مراعاة للصائمين بخصوص الدوام والعمل فما بالكم بمن يصوم 20 ساعة ولا يحظى بأي استنثاء؟ فكل شيء في الغرب يمضي بنفس الوتيرة في رمضان وغير رمضان مما يضاعف من المشقة التي يلاقيها الصائمون في هذه البلدان.
ويحاول هؤلاء المغتربون أن يسألوا "مشايخ" الدين عن وضعهم وحالتهم وعن حكم الصوم لمن كان في مثل ظرفهم وعن أمور أخرى متعلقة بالصيام مثل الفدية والقضاء وخلافه. وبدلا من أن يحصل هؤلاء على بعض الأجوبة المبنية على فهم معاصر و واع للطبيعة الجغرافية والمناخية والاجتماعية للبلدان الغربية التي يعيشون فيها، إذا بمشايخ وفقهاء الدين يردونهم إلى ما قاله ابن عباس والشافعي وابن تيمية!!

وليت شعري كيف يمكن "لعلم" ابن تيمية أن يتسع ليشمل المعرفة بطبيعة البلدان الاسكندنافية وشمال أوروبا،  بل كيف يمكن للشافعي و أبو حنيفة و غيرهما أن يلموا بظروف ومقتضيات عصر شطر الإنسان فيه الذرة وارسل المجسات إلى الفضاء الخارجي وابتكر الإنترنت؟ وكيف يمكن لمسلم يعيش في فنلندا أو في كندا في العام 2016 أن يطلب رأي ابن قدامة الذي عاش و مات منذ أكثر من ثمانمائة سنة ولم ير أبعد من الكوفة ودمشق حتى مات؟؟

مسلمون يعيشون في النرويج أو هولندا أو أيسلندة يسألون عن فدية طعام المسكين في رمضان وكيف يمكن إخراجها ولمن تُعطى، وبدلا من سماع فتوى عصرية تعتمد على الاستنباط والتحري ومعرفة ظروف وأحوال الناس في بلدان كهذه حققت درجة عالية من الرفاه الاجتماعي لمواطنيها بحيث أن مفاهيم ومسميات مثل "الفقر" أو "مساكين" مختلفة تماما عن تلك التي نعرفها ونراها في بلداننا العربية، بدلا من سماع فتوى أو رأي يأخذ في حسبانه كل هذه العوامل يأتي الرد من كثير من المشايخ و الفقهاء أن فدية طعام المسكين عند الشافعي ومالك وابن حنبل هي "نصف صاع من الأرز ونحوه" أو "مد صاع من تمر أو شعير"!

ياسلام..! عندما تسمع كلمة مد "صاع" هذه تشعر أنك انتقلت بالزمن مئات السنين ولم يبق إلا أن تقوم بدفع الفدية بالدينار أو بعملات ذهبية موضوعة في صرة وعليها صك دار الخلافة.ولكي أعطي مثالا بسيطا على انفصال هذه الفتاوى عن واقع الناس هنا فإن "التمر" مثلا ليس متوفرا في أوروبا مثل توفره في الحجاز، وفي القرون القديمة ربما كان المسلم في يثرب أو في مكة سيذهب إلى أقرب شجرة نخيل و "يهزها" بيده لينزل له صاع أو صاعين من التمر، أما هنا في أوروبا فلا توجد أشجار نخيل والتمر غير متوفر وإذا توفر فبأسعار غالية، فثمن شراء " صاع" من التمر في أوروبا يكفي لإطعام شخصين وليس واحدا فقط.
وللأسف الشديد حتى أئمة الجوامع في أوروبا تجدهم يكتفون بترديد ما يقوله المشايخ على الطرف الآخر من المحيط و تراهم يشقون على الناس و يضيقون عليهم على الرغم من كونهم مقيمين هم أيضا في الغرب ويعرفون المشقة التي يلاقيها المسلمون هناك.

 صديقة ألمانية أخبرتنا - بنبرة مشفقة و مستنكرة- عن إمرأة أفغانية مسلمة ذهبت إلى الجامع تتساءل هل يمكن تخفيف ساعات الصيام فكان الجواب فقط: لا..! لم يقولوا لها إن الله يريد بنا اليسر و لا يريد بنا العسر و أن الله لا  يكلف نفسا إلا وسعها و أن هناك بالتأكيد حلولا أخرى للمسلمين في الغرب الذين يواجهون تعاقبا لليل و النهار غير متكافىء أو متوازن ، يختلف عن نظيره  في الجزيرة العربية.

طبعا نحن نعرف أنه لا يمكن تخفيف ساعات الصيام لأنه أمر يتحدد بشروق وغروب الشمس ونحن نؤمن بنص القرآن الكريم في هذه المسألة فما هو الحل إذن؟

تعالوا نقرأ السؤال التالي الذي أرسله أحدهم  إلى موقع ( الإسلام سؤال وجواب ): 
 السؤال: أعيش قريباً من الدائرة القطبية الشمالية للكرة الأرضية حيث يكون طول النهار أربع ساعات ونصف فقط ماذا نفعل في رمضان بالنسبة للصيام ؟ .
الجواب: الحمد لله..إذا كان في بلدك ليل متميز ونهار متميز فإنّ عليك أن تصوم نهار أيام رمضان من الفجر إلى غروب الشمس سواء أطال النهار أم قصر ، وفقنا الله وإياك لطاعته وحسن عبادته ..
طبعا الشيخ الذي تفضل بالجواب قالها وذهب ليفطر ويتلذذ بأنواع الطعام والشراب بعد أن يكون قد صام مالا يزيد عن 12 أو 13 ساعة وترك ذلك المسكين صاحب السؤال يكابد ويعاني وينتظر أن تغرب الشمس بعد صيام عشرين أو اثنين وعشرين ساعة و كأن لسان حاله يقول : "تستاهل هذه عقوبتك لأنك تعيش بين (الكفار)"!

يقول تعالى في آيات الصيام : ((
ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ))

لاحظوا قوله تعالى : ((و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين))
الغريب أن السادة الفقهاء اجتهدوا في النص القرآني "وعلى الذين يطيقونه فدية" فقالوا أن المقصود هنا هو الشيخ الكبير العاجز والعجوز الكبيرة العاجزة والمريض الذي لا يرجى برؤه ، مع أن الآية لم تنص صراحة على ذلك لكنه "اجتهاد" فلماذا لا يجتهدوا ويضيفوا إلى هذه القائمة المسلمين الذين يعيشون في الغرب و يشق عليهم الصيام عندما تختل موازين الليل والنهار؟ طبعا وقطعا لن يفعلوا لأن هذا يحتاج إلى أن نسأل ابن قدامة أو ابن المسيب أو ابن عبد البر ولسان حال فقهاء اليوم يقول لنا أولئك الناس للأسف قد قالوا ما قالوا وماتوا فماذا تريدون أن نفعل لكم؟ لا حيلة لنا!! 

اللهم انا نعوذ بك من العجز و من علم لا ينفع! 

و بناء على ذلك تخيل معي أنك مسلم تعيش في فنلندا مثلا وعليك أن تخرج فدية الطعام في رمضان ليس لك طبعا ، لأنه مادام الصيام لم "يهلكك" ويدخلك إلى غرفة العناية المركزة فعليك أن تصوم أثابك الله، إنما مسموح لك أن تخرج الفدية عن والدك أو والدتك لأنهم كبار وعجزة ، و الحمدلله أنهم نفذوا بجلدهم !
 
و لأن الشعير و لله الحمد من المحصولات المتوافرة في فنلندا فما عليك سوى أن تحسب الكمية اللازمة "بالصاع" و تبحث عن أول مسكين تطعمه بدلا عن صيام يوم، و يا حبذا – لكي تكتمل الصورة التاريخية التي لا يتقبل الله من المسلمين أعمالهم إلا بها – أن تضع الشعير في "شوال" تحمله على ظهرك كما كان السابقون يفعلون في القرون الأولى،  ثم تخرج لتجوب الشوارع والطرقات، وأخيرا تجد أحد المساكين جالسا على قارعة الطريق يتسول ويبدو عليه الجوع فتتنهد في ارتياح و تقترب منه وبدلا من أن تعطيه مبلغا من المال ليذهب إلى أقرب مطعم ويشبع جوعه بوجبة دسمة جاهزة تقرر أن تتصرف بحسب ما أفتى به جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة فتخرج من الشوال كيسا فيه "صاع" من شعير وتبتسم له ابتسامة عريضة متمنيا له عشاءا شهيا، ثم تنصرف راضيا عن نفسك وأنت تتخيل الدموع تترقرق في عيني ذلك المسكين وهو يحدق في كيس الشعير بينما يلهج لسانه بالشكر والثناء عليك وتتركه أنت لتبحث عن مسكين آخر كي تعطيه صاع شعير أو ربما صاع "حنطة" هذه المرة على سبيل التغيير وكله بأجره عند الله!

على مشايخ وفقهاء التراث في هذا العصر أن يكفوا عن ترديد ما قاله من قبلهم و أن يطوروا علومهم ومعارفهم وأن يبحثوا ويقرأوا ويسافروا ويطلعوا، أما إذا لم يتمكنوا من مواكبة عصرنا الذي نعيش فيه فعليهم على الأقل أن يصمتوا لأننا نستعيذ بالله من علم لا ينفع، و عليهم أن يفسحوا المجال لغيرهم ممن يمتلكون المقدرة  و الفكر و لديهم روح العصر لمواجهة التحديات والتغيرات، أولئك الذين يفهمون جيدا معنى عبارة :"الإسلام صالح لكل زمان و مكان" و يستطيعون تحويلها إلى واقع يشعر فيه المسلمون في حياتهم اليومية و مهما كانت البلاد التي يعيشون فيها.

كل هذا التحجر و الجمود الذي نعيشه وانفصال الفقه الموروث عن واقعنا انما  يستدعي الغيظ بأكثر مما يثير السخرية وقد جعل أغلب المسلمين ينقسمون لفريقين.. فريق متمسك بدينه حريص عليه لكنه يعاني ويكابد ويجد من العسر والمشقة ماينغص عليه حياته، وفريق اختار التفلت والهروب من كل ما يمت للدين بصلة. ووسط هؤلاء وهؤلاء يقف أولئك المشايخ والفقهاء راضين ومقتنعين بما يظنون أنه علم وخدمة للدين وهو في الحقيقة مثل إطعام الشعير في فنلندا، جهد ضائع لا ينفع الجائع.