Pages

July 29, 2017

هكذا رأيت الهنود الحمر في ألمانيا






رشا المقالح

لم أكن أبدا من محبي أفلام رعاة البقر "الكاوبوي"  و الهنود الحمر ولم يستهوني أبدا الغرب الأمريكي القديم أو ما يطلق عليه أحيانا بالغرب المتوحش، و لكني لم أتوقع البتة أن أول لقاء لي مع هذه الفترة من التاريخ الأمريكي ستكون هنا في شمال ألمانيا!

 تلقيتُ دعوة للمشاركة في الرحلة التي أقامتها الشركة التي أؤدي فيها خدمة تطوعية هذا العام وذلك ضمن ما يعرف بالخدمة الاتحادية الطوعية، و هذه الشركة هي  شتات بارك نورديرشتيت حيث تقيم الشركة كل عام لكل العاملين فيها ما يعرف ب "نزهة الشركة"، و هي عبارة عن رحلة جماعية لمنطقة ما و قد كانت نزهة الشركة هذا العام عبارة عن رحلة إلى بلدة تسمى باد سيجيبيرج لحضور مهرجان كارل ماي وأيضا لزيارة كهف جبل الطباشير الشهير "كالكبرج".

في الحقيقة، فوجئت عندما عرفتٌ أن بلدة باد سيجيبيرج لديها مثل هذه المعالم الجميلة! بالنسبة لي  كان الشيء الوحيد الذي تمثله هذه البلدة الصغيرة هو "مكتب الأجانب"، وهو المكان الذي يذهب إليه الأجانب كلما كان لديهم أمر يتعلق بالأوراق الرسمية وتصاريح الإقامة في ألمانيا. بخلاف ذلك، لم يكن لدي أدنى اهتمام لاستكشاف هذه المدينة الصغيرة التي تبلغ مساحتها 18 كيلومتر مربع ويبلغ تعداد سكانها 16,000 نسمة فقط! ومع ذلك، شعرت بسعادة كبيرة للمشاركة في تلك النزهة حيث أنها تمثل فرصة ممتازة  لرؤية باد سيجيبيرج من زاوية أخرى غير تلك التي أعتدت عليها.

خصوصا و أن  بلدة باد سيجيبيرج تحتفل في هذه الفترة من السنة ، من شهر يونيو و حتى شهر سبتمبر، بمهرجان مسرحي يسمى مهرجان كارل ماي، حيث يتم تأدية مسرحيات لقصص في الغرب الأمريكي القديم. لذا، عندما وصلنا إلى المدينة، حصل جميع المشاركين في الرحلة على قبعة رعاة البقر كهدية. كانت تلك التفاتة رائعة من منظمي النزهة جعلت البداية موفقة للغاية!



توجهنا بعد ذلك إلى ما يعرف بجبل الطباشير "كالكبرج" للقيام بجولة في كهفها الشهير بصحبة مرشد سياحي. هذا الجبل هو عبارة عن صخرة بيضاء كبيرة مكونة من الجبس ويبلغ ارتفاعها 91 مترا و تقع في وسط البلدة تقريبا. أما الجزء السفلي منها فيحتوي على كهف تم اكتشافه في العام 1913 و هو يعد موطنا للخفافيش  و لنوع نادر من الخنافس لا يوجد إلا في هذا الكهف.

كانت تلك هي المرة الأولى بالنسبة لي التي أزور فيها كهفا، و قبل أن ننزل إلى الكهف قمنا بارتداء معاطفنا حيث أن المرشدة السياحية نبهتنا إلى أن درجة الحرارة منخفضة كثيرا في الأسفل عنها في الأعلى .  وأوضحت أن درجة الحرارة في الكهف ثابتة على مدار السنة وأنها دائما 9 درجات. كان من الطريف حقا أن الجو دافئا وصيفي في الأعلى حيث تزيد درجة الحرارة عن الثلاثة و عشرين درجة مئوية ! لسوء الحظ، لم أستطع التقاط أي صور لأن التصوير محظور بداخل الكهف، كما  لم نكن محظوظين بما فيه الكفاية لكي نصادف خفافيشا في الكهف خلال جولتنا التي استمرت حوالي النصف ساعة تنقلنا فيها خلال تجاويف الكهف المظلمة ذات الأسطح المنخفضة.

في الساعة الثانية و النصف تقريبا توجهنا إلى مدرج كالكبيرج و هو عبارة عن مسرح مفتوح يحتوي على 7500 مقعد، و تقام فيه مسرحيات عن الغرب القديم من تأليف كارل ماي، و الحق يقال أنني قبل أن أشارك في هذه الرحلة لم أسمع عن هذا الكاتب أبدا و عندما قمت بالبحث عن اسمه في جوجل وجدت أنه مؤلف ألماني صاحب شهرة واسعة و قد عاش في الفترة ما بين 1842- 1912 ، كتب كثيرا في الرحلات و المغامرات و خاصة عن الغرب الأمريكي القديم و ترجمت أعماله إلى كثير من اللغات. ومن المدهش أن نعرف أن مغامرات كارل ماي يتم تمثيلها على هذا المدرج منذ العام  1952! أي ان المهرجان هذا العام في موسمه السادس و الستين!
مسرح كالكبيرج


 عندما وصلنا إلى المدرج، كانت معظم المقاعد فارغة و ذلك لأننا وصلنا قبل بدء العرض بنصف ساعة. جلسنا في مقاعدنا وشربنا المشروبات التي اشتريناها من كشك المرطبات الذي يقع مقابل مدخل المسرح. قمت بأخذ صور للمسرح، وانتظرت بفارغ الصبر اللحظة التي سيرفع فيها الستار، إلا أنه لا يوجد ستار بالطبع فهو مسرح في الهواء الطلق!

بينما نحن في انتظار لحظة البدء، كانت هناك موسيقى خاصة بالغرب القديم تنبعث من مكبرات الصوت، كما كنا كل خمس دقائق نسمع صوتا يذكرنا بالوقت المتبقي لانطلاق العرض، كان الصوت يتحدث بطريقة مسرحية طريفة ملائمة للأجواء. بدأ الناس بالتوافد إلى المسرح بأعداد كبيرة، و استقر الجميع في مقاعدهم، و كنا جميعنا على أتم الاستعداد لمشاهدة العرض، و في الساعةالثالثة تماما انطلق العرض!


المسرحية التي يتم تأديتها هذا العام بعنوان "أولد شورهاند"، و هي قصة مؤثرة لشاب أبيض من ساكني الحدود ذا مهارات قتالية عالية و قدرة دقيقة على التصويب. هذا الشاب يبحث عن عائلته و يقع في حب فتاة هندية، و مع تطور أحداث القصة يكتشف أولد شورهاند أن أمه هي امرأة هندية و تدعى "العين السوداء" و أن له أخ منها و هو  الشاب أبانشكا رئيس قبيلة كومانش.





وينيتو- جان سوسنيوك
عندما يقع أولد شورهاند في بداية الأحداث في أيدي رئيس القبيلة  أباناشكا و الطبيب المشعوذ تيبو تاكا، يظهر وينيتو لإنقاذه، و قد قوبل ظهور وينيتو على المسرح، بتصفيق حار من الجمهور بالإضافة إلى التصفير و الهتافات القوية. وينيتو هو أحد أشهر أبطال روايات كارل ماي، و لكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد وراء تلك التحية الحارة و إنما أيضا لأن الممثل الذي يقوم بأداء دور وينيتو هو ممثل ألماني مشهور و له شعبية واسعة بداخل ألمانيا. اسمه جان سوسنيوك و هو من مواليد العام 1968.









أولد شورهاند و "العين السوداء"
كان العرض ممتعا للغاية، و الأداء جيدا مما يجعلك تستنتج أن المنظمون للعرض المسرحي و الممثلون بشكل خاص تفانوا كثيرا في تحضيراتهم للعرض و بذلوا مجهودا عظيما و وقتا كبيرا من أجل إخراجه بهذه الصورة الفنية الرائعة. فالممثلون بالإضافة إلى قدراتهم التمثيلية ماهرون للغاية في ركوب الخيل، حيث يتعاملون مع الخيول بطريقة توحي بأنهم تدربوا كثيرا لاكتساب تلك المهارة. علاوة على ذلك، فإن المؤثرات الصوتية و المعارك  المتعددة سواء بالأسلحة النارية أو بالأيدي ، والملابس، و غيرها من التفاصيل كانت على مستوى عال من الدقة و التميز.



أولد شورهاند مع أمه و أخيه







كانت هذه هي المرة الأولى بالنسبة لي التي أحضر فيها مسرحا حيا،  ولم أكن أتوقع أن تكون تجربة مبهجة إلى هذا الحد! المشاهد الحية تختلف تماما عن مشاهدة عرض ما على التلفاز،فمثلا كانت هناك مشاهد يتجول فيها الممثلون بخيولهم بين الجمهور، كما طار فوق رؤسنا أحد الصقور الحية المستخدمة في المسرحية، كانت لحظات رائعة، أما عندما ألقى أحد الممثلين زجاجة بدون قصد و وقعت على الجمهور فقد اعتذر الممثل حينها بنفس طريقته المسرحية قائلا : "أنا آسف"! كان الموقف طريفا و قد أثار هذا المشهد العفوي موجة عارمة من الضحك و التصفيق. مثل هذا النوع من التفاعل المسلي لا نحصل عليه عند متابعتنا لفيلم ما أو مسرحية على شاشة التلفزيون.



في نهاية المطاف، شعرت بالسعادة لأنني أتيحت لي الفرصة لرؤية هذا الجانب الجميل من بلدة باد سيجيبيرج، بعيدا عن ذلك الوجه البيروقراطي الممل. فبعد تلك الرحلة المبهجة، لم تعد باد سيجيبيرج بالنسبة لي هي البلدة التي تضم  مكتب الأجانب فقط، ولكنها صارت تمثل بالنسبة لي بلدة "المرات الأولى"، ففيها زرت لأول مرة في حياتي كهفا، و فيها حضرت لأول مرة أداءا مسرحيا حيا و فيها صادفت لأول مرة الهنود الحمر و صراعهم مع الرجل الأبيض.


الجمهور يحيي فريق العمل في نهاية العرض

July 9, 2017

فيتسلار...البلدة القديمة


رشا المقالح







حضرت الأسبوع الماضي ندوة استمرت بضعة أيام في مدينة في غرب وسط ألمانيا تدعى فيتسلار، وتقع هذه المدينة في ولاية هيسين. و لأنني أقيم في شمال ألمانيا منذ عامين فقد كنت سعيدة جدا بهذه الفرصة التي أتاحت لي رؤية جزء آخر من البلاد، و الذي يبعد ما يزيد عن الأربعمائة كيلو متر عن المدينة التي أقيم فيها.

 قبل بداية الرحلة دارت في رأسي عدة تساءولات كان أهمها عن الطقس هناك خاصة و أنني قد سمعت أن وسط ألمانيا أكثر دفئا من شمالها، وبما أننا في موسم الصيف فربما يكون الجو هناك شديد الحرارة. لكن ما إن وصلت إلى هناك حتى اكتشفت أن الطقس لا يختلف كثيرا عنه في الشمال، فقد وجدت ذلك المزيج الألماني الذي تعودت عليه في الشمال من الجو الغائم الماطر و الذي تتخلله فترات من الشمس.

كان أول ما لفت انتباهي عند وصولي إلى المركز التدريبي الذي أقمت فيه خلال مدة الندوة هو المنظر الذي تطل عليه نافذة غرفتي و التي كانت في الطابق الثالث، فقد ذكرني ذلك المنظر بعض الشيء بمدينة تعز في اليمن حيث كان المنظر عبارة عن مجموعة من البيوت المبنية على هضبة مرتفعة ، كما أن الشوارع في بعض المناطق في مدينة فيتسلار غير مستوية أي أنها تنحدر صعودا و نزولا وهو أمر راق لي كثيرا  لكنه بالتأكيد لن يروق لسائقي الدراجات الهوائية حيث عليهم بذل مزيد من الجهد وربما لهذا السبب لم أر الكثير من راكبي الدراجات الهوائية كما هو الحال مثلا في كثير من المدن الألمانية.



المنظر من نافذة غرفتي





تشتهر فيتسلار بمدينتها القديمة و التي كانت في السابق خاضعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة و لكنها كانت تتمتع بحكم ذاتي. عندما تجولت في تلك المدينة القديمة شعرت بالفعل بعبق التاريخ، فالشوارع الحجرية الضيقة و كذلك البيوت العتيقة المطلة عليها تنشر احساسا بالدفء و الحميمية. و عندما تنقلت بين تلك الشوارع وددت لو أنها امتدت بلا نهاية.





عندما تزور البلدة القديمة في فتسلار فلا بد أن تعرج على أهم معالمها و هو منزل "جيروساليم" و لا بد أنك ستسمع  القصة التي تكمن وراءه، فهذا المنزل أقام فيه شخص يدعى كارل فيلهيلم جيروساليم  قد تم تحويله إلى متحف يحمل اسمه. و توجد لافتة أمام المتحف كتب عليها بالألمانية : " هذا هو المنزل الذي عاش فيه جيروساليم حتى حادثة انتحاره المأساوية".

متحف جيروساليم


ولكن من هو جيروساليم إذن؟ قبل زيارتي لمدينة فتسلار لم يكن لدي أدنى فكرة عن هذه الشخصية.  ثم عرفت أن جيروساليم هذا كان ابنا لواعظ بروتستانتي معروف كما كان يعمل  كسكرتير مفوضية في مدينة فيتسلار، و تأتي أهمية جيروساليم من أنه كان صديقا للأديب الألماني الشهير "غوته" . وسيخبرك السكان المحليون بفخر بالغ أن غوته أقام في مدينتهم لمدة أربعة أشهر وهو شرف عظيم للغاية، حيث قدم غوته إلى هذه المدينة في منتصف العام 1772 كمتدرب لممارسة القانون و غادرها في سبتمبر من العام نفسه.

و هناك اعتقاد راسخ أن غوته عندما كتب أولى رواياته و أكثرها شهرة في الوقت نفسه " آلام الشاب فرتر" فقد كان متأثرا بموت صديقه كارل جيروسالم، حيث يظهر ذلك التأثر واضحا في الموت المأساوي لفيرتر الذي يطلق النار على رأسه، و هي نفس الطريقة التي قتل بها جيروساليم نفسه.  



المنزل الذي عاش فيه غوته أثناء فترة إقامته في فيتسلار، باللون الأخضر

من المعالم الهامة الأخرى في البلدة القديمة  هي الكاتدرائية، أو ما يعرف بالـ "دوم" باللغة الألمانية. و هي عبارة عن كنيسة ضخمة بدأ بناءها في العام 1230 و لا يزال البناء غير مكتمل حتى الآن!حيث أن الواجهة الغربية للكاتدرائية ما زالت تفتقر إلى برج الجرس من جهة الشمال.

كاتدرائية فتسلار


و يكتمل سحر المدينة باللمسة التي يضيفها نهر لان و جسره القديم. فهذا النهر يمتد طوله لإكثر من مائتي كيلو متر و يمر بعدد من المدن الألمانية الهامة مثل ماربورج و جيسين و فتسلار و غيرها. 










من الأشياء الطريفة التي لفتت انتباهي أثناء زيارتي لفيتسلار هي أن أرضية الحمام في غرفتي في المركز التدريبي الذي أقمت فيه  كانت تحتوي على فتحة لتصريف المياه!كان ذلك مفاجئا بالنسبة لي لأن أرضية الحمامات في ألمانيا عادة لا يوجد بها فتحات تصريف وهو الأمر الذي ذكرني أيضا بطريقة بناء الحمامات في بلدي.




 و في كل الأحوال فإن رحلتي إلى مدينة فتسلار كانت بالفعل رحلة لا تنسى، كما أن الذكريات التي حملتها معي من هناك ستصاحبني فترة طويلة من الزمن، كيف لا و فتسلار مدينة تبهر زائريها بتاريخها و قصصها التي لا تنتهي، فهي المدينة التي  يوجد في كل ركن فيها و في كل زقاق قصة تستحق أن تُروى. و هي المدينة التي أينما وجهت عينيك فيها ستأسرك بجمالها و أينما تجولت فإن طرقها ستأخذك إلى  سحر الماضي وعبقه الجميل.  












July 7, 2017

التخدير على الطريقة الألمانية - الجزء الثاني

أنيس الباشا






تحدثت في الجزء الأول من هذه المقالة عن تجربتي خلال إجراء عملية جراحية في أحد مستشفيات ألمانيا وكيف تم إبلاغي بكل تفاصيل العملية ومخاطرها قبل إجراءها، اضافة الى مخاطر التخدير وذلك بحسب القانون الذي ينص على أن يعرف المريض كل شيء سيمر به بما في ذلك الاحتمالات الضئيلة جدا والمقلقة في نفس الوقت، ورغم أن كل تلك المعلومات أصابتني بالكثير من القلق إلا أنني قررت المضي قدما وإجراء العملية في موعدها المحدد..

***
وصلت برفقة زوجتي إلى المستشفى في الثامنة والنصف ، كان الطقس يومها رماديا باردا لكنه غير ماطر لحسن الحظ حيث المطر هو السمة الغالبة على الطقس خصوصا في شمال ألمانيا. كان الطاقم الاداري للمستشفى قد شرح لي مسبقا إلى أين يجب أن أتوجه حين يأتي موعد اجراء العملية وهو أمر مهم لأن المرء يمكن أن يتوه وأن يضيع لساعات وهو يتنقل ويبحث في ذلك المستشفى الضخم الذي يشبه مدينة مصغرة، وهكذا صعدنا إلى الدور المخصص لاستقبال وانتظار الاشخاص الذين سيجرون عمليات جراحية مختلفة، كانت غرفة الانتظار مليئة بالناس وقد استرخى البعض في أماكنهم بينما استسلم البعض الاخر للنعاس منتظرا أن يجيء دوره، كانت هناك طفلة صغيرة في الرابعة بدت اشبه بملاك صغير وهي تجري هنا وهناك برفقة والدتها، و شعرت أنا و زوجتي  بالحزن على هذه الطفلة الرقيقة التي ستقوم بإجراء عملية بعد قليل بينما هي تلهو وتمرح لا تدري بشيء وإن كنت قد غبطتها على غفلتها تلك في نفس الوقت!..

كان علي بحسب التعليمات ألا أتناول أي شيء منذ منتصف الليلة السابقة أي أنني كنت صائما صياما اجباريا، وهكذا أمضينا الوقت في الحديث ومراقبة الجالسين وبالخصوص تلك الطفلة التي اضفت على المكان الكئيب بعض الحيوية، وهنا لاحظنا أمرا ما.. فرغم أن المنتظرين كانوا نساءا ورجالا تتفاوت أعمارهم فهناك المراهق وهناك الشابة وهناك ايضا الكهل والعجوز، وبإستثناء تلك الطفلة التي كانت برفقة والدتها ومراهقة أخرى في الثالثة عشر أو الرابعة عشر كان يرافقها والدها، إلا أن السمة المشتركة للجميع كانت الوحدة والفردية، أي أن كل شخص كان بمفرده ليس لديه مرافقين. كما أن الجميع يجلسون ويتصرفون بروتينية كأنهم جاؤوا لمجرد فحص اعتيادي أو سحب عينة دم وليس لإجراء عمليات جراحية مختلفة! وفي الحقيقة فإن تصرفهم هذا مفهوم إلى حد ما.. فالمريض هنا سيحصل على العناية والرعاية اللازمة منذ بداية الأمر وحتى نهايته والنظام الصحي محكم وفعال على طريقة، القول المشهور "أنت بابا وأنت ماما وأنت كل حاجة"! لذا فلا يحتاج المرء لمن يرافقه ويعتني به كما هو الحال عندنا مثلا.

وعموما فإن الفردية أمر شائع في المجتمعات الغربية وخصوصا عند الألمان ذوي الطبيعة المتحفظة الخجولة، وبالطبع يختلف الأمر عما ألفناه في مجتمعاتنا حيث الكل يتواجد في أوقات المرض أو الفرح، ولو كان ذلك المشهد في اليمن وكان على أحدهم أن يجري عملية ما لوجدت الغرفة والممر الخارجي قد امتلئا بالأصدقاء والمعارف من كل مكان . الملاحظة الثانية كانت أن كل شخص في الغرفة احضر معه شنطة ملابس وهو الأمر الذي لم أفعله وإن كان يبدو أنه مسألة مهمة لأن الجميع فعلوه، المهم ألا يكون احضار شنطة ملابس شرط من شروط إجراء العملية! المهم بعد قرابة الساعتين جاء الدور على تلك الطفلة حيث نادوا باسمها وببراءة الاطفال قفزت الطفلة عند سماع اسمها و قامت بجر شنطتها بمرح وهي تهتف بسعادة حين سمعت اسمها ونهضت معها والدتها لتساعدها كي تتهيأ للعملية بينما كنا نشعر بشفقة كبيرة تجاه الطفلة وتجاه والدتها، كنت من خلال مراقبتي لما يجري قد استنتجت الاجراء التالي، فحين يتم النداء على اسم الشخص يتوجه الى الخارج حيث يقوم بتبديل ملابسه في غرفة خاصة ثم  يودع مرافقه – إن كان هناك واحد بالطبع – قبل أن يتوجه برفقة الممرض إلى مكان ما..

وبالطبيعة اليمنية الأصيلة شعرت بالملل من الانتظار ونهضت لاستفسر عن دوري رغم أنه إجراء لا داعي له على الإطلاق ، أجابتني الممرضة المسئولة أن دوري سيأتي وأن علي فقط التحلي بالصبر، كانت مبتسمة رغم وجود كل هؤلاء المرضى ورغم وجود تلك الدفاتر والأوراق على طاولتها، شكرتها وعدت أدراجي محاولا أن أكون صبورا، وعند حوالي الساعة الثانية عشرة سمعت اسمي فنهضت بسرعة وخرجنا من الغرفة لنجد ممرضا من أصل تركي يجيد القليل جدا من العربية، شرح لي الممرض ما يتوجب علي أن أفعله، كانت الاجراءات واضحة وبسيطة، دخلت إلى غرفة صغيرة لتبديل الملابس وقمت بخلع كل ملابسي وارتداء ملابس خاصة وخف منزلي جديد وتم وضع كل حاجياتي في خزانة خاصة أغلقت بقفل خاص ووضعت عليها بطاقة باسمي.

 
حين خرجت من الغرفة اعطاني الممرض سوارا ورقيا طلب مني أن ارتديه حول معصمي ، كان اسمي وتاريخ ميلادي مطبوعين على السوار ، بعد ان ارتديت السوار طلب مني الممرض أن أودع زوجتي قبل أن انصرف معه ، والملاحظ هنا أن هؤلاء الناس يقدرون جيدا المشاعر والعواطف الانسانية ويتركون للناس مجالا للتعبير عنها ..

 
قمت بإعطاء خاتم الزواج لزوجتي وودعتها وكانت لحظة مؤثرة لكن كلانا تظاهر بالتماسك، تمنيت حينها لو أن ابني كان موجودا لكننا لم نكن نعرف كم ستستغرق المسألة كما أن الأمر كله مرهق بالنسبة لطفل ، لذا عهدنا إلى  صديقة ألمانية بأن تصطحبه عند انتهاء الدوام في روضة الأطفال..كما قلت كانت تلك لحظات صعبة و كنت اعرف أن كلمات مثل "أرجو ان تعتني بابننا" ستجعل الوضع سيء للغاية بالنسبة لزوجتي لذا فضلت الصمت ودعوت الله في سري أن يكتب لي أن أراها وأرى ابني مجددا..

انصرفت مع الممرض الذي قادني إلى طابق آخر وكنا نتجاذب أطراف الحديث خلال الطريق إلى أن وقفنا عند باب مغلق، دق مرافقي على جرس خاص بجواره فما لبث أن فُتح الباب ورأيت ممرضا آخر له ملامح شرقية و يرتدي زيا مختلفا وله لحية سوداء خفيفة وحين أخبره الممرض المرافق لي بأنني عربي بادرني الممرض ذو اللحية  بالتحية "السلام عليكم"، رددت التحية وانا ابتسم و انصرف الممرض الذي رافقني بينما قادني الآخر بهدوء إلى قاعة واسعة عليها بعض الإسرة ، طلب مني الممرض أن ارقد على السرير وانتظر قليلا حيث سيأتي الفريق المختص ليصطحبني ويبدأ معي اجراءات التخدير..

تمددت على السرير محاولا الاسترخاء، كان الجو به قليل من البرودة والمكان هادىء إلا من هدير بعض الآلات يأتي من بعيد ، وإلى يميني كان هناك سرير ترقد عليه عجوز ألمانية وبجوارها ممرضة تتبادل معها أطراف الحديث وتربت عليها من حين لآخر، حاولت الاسترخاء أكثر وقمت بترديد بعض الأدعية في سري، كان هناك أمر واحد يلح علي طوال الوقت وهو أنني أريد قبل أن أفقد الوعي تماما أن أردد دعاءا ما أو حتى أذكر اسم الله، لذا ظللت أذكر نفسي بهذا الأمر كي لا أنساه..

 
بعد دقائق قليلة جاء الممرض وقام بدفع السرير ذي العجلات الذي ارقد عليه ووجدت نفسي أعبر بعض الممرات وأنا ممدد على السرير عيناي تحدقان في السقف حتى وصلنا إلى غرفة واسعة تم وضع سريري في ركن خاص بها محاط بالأجهزة وأمامي مباشرة على الجدار استقرت لوحة فنية كبيرة تحتوي على مجموعة من الزهور الملونة، انصرف الممرض على الفور وجاءت طبيبة ألمانية أخبرتني أنها ضمن فريق التخدير وأنهم سيجرون لي عملية التخدير الآن وحين يتأكدون أن كل شيء على ما يرام سيتم إدخالي إلى غرفة العمليات، أخبرتني الطبيبة أيضا أنه برغم انها تستطيع مباشرة اجراءات التخدير الآن إلا أنه يجب أن تنتظر طبيب التخدير الآخر حيث ينص القانون على أن يقوم اثنان من الأطباء بالاشراف على العملية، ابتسمت بداخلي وأنا اتذكر حكاية القوانين هذه التي لن ننتهي منها على ما يبدو.. حتى تصورت أنهم أثناء العملية سيقومون بتذكيري ببعض القوانين الاخرى برغم أنني سأكون غائبا عن الوعي حينها ولن أسمع شيئا!

 كانت الثوان تمض ببطء كأنها ساعات ..قلت للطبيبة أنه يبدو أن جدول عمليات اليوم حافل فقالت لي أنه بالفعل يوم مزدحم جدا حتى انهم يتحركون من مكان لآخر طوال الوقت، بعد دقائق قليلة جاء طبيب التخدير الثاني وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه الحليق، حياني وسألني عن جنسيتي وحين عرف بأنني عربي فوجئت به يكلمني بالعربية! كانت ملامح الطبيب ألمانية للغاية وعربيته بدت لي لا بأس بها وإن كانت غير متقنة تشبه كلام الخواجات في الافلام المصرية القديمة!

كان الطبيب المبتسم يشرح لي ما سيتم اتخاذه من خطوات ويسألني بعض الاسئلة ولم استطع الصبر فسألته فجأة "من أين أنت بالضبط؟" فاتسعت ابتسامته وهو يجيبني "من ألمانيا"! قلت باستغراب " لكنك تتحدث العربية"!
فأجابني بنفس الابتسامة "لقد عملت لسنوات عديدة في أبوظبي"، عندها ابتسمت بدوري وعدت استرخي وتذكرت رغبتي في أن أردد بعض الأدعية أو السور القصيرة فبدأت بذلك لكن بالطبع نحن في ألمانيا حيث القانون والنظام لذا كان الطبيب والطبيبة يقاطعان أفكاري وتأملاتي وهما يشرحان لي بكلمات سريعة ما يقومان بعمله بالفعل، "الان سنحقنك بمادة كذا.." ، " سوف تشعر بكذا وكذا.."، " سنضع قناع الاكسجين بعد قليل.." وهكذا حتى تمنيت أن أقول لهم "هل يمكنكم من فضلكم أن تصمتوا و تؤدوا عملكم بدون أن تعلموني بشيء؟" 

وما هي إلا دقائق وجاء ممرض آخر قام بمسك قناع الأوكسجين وتقريبه من أنفي ..طلبت مني الطبيبة أن أتنفس بعمق وهدوء..ففعلت وأنا أفكر.. ترى هل رددت ما يكفي من الأدعية ؟ إنها تلك اللحظات التي نشعر فيها بالضعف وقلة الحيلة والحاجة الماسة إلى توفيق الله ورعايته ..كنت اتساءل ايضا هل سيمر وقت طويل قبل أن أفقد الوعي تماما؟ ثم كيف سأفقد الوعي بالضبط؟ خواطر ترددت بسرعة البرق في ذهني وأنا أتنفس الهواء الذي ينساب بنعومة من القناع ومشاعر هي خليط من الترقب والفضول والقلق تنتابني، لم أغب عن الوعي مباشرة ولم أدر حقيقة هل يفترض بي أن فقد الوعي الآن أم بعد قليل؟ لا تنسوا أنها أول مرة لي.. ربما في المرات القادمة يتحسن أدائي بعض الشيء..

 
المهم استمررت في التنفس وعيناي تراقبان وجوه من حولي، كنت أبحث عن أي علامة قلق أو انزعاج على الوجوه كي أقلق بدوري وأدرك أن هناك مشكلة ما لكني وجدتهم ينظرون لي بهدوء وهم ينقلون أبصارهم بيني وبين الشاشات المتراصة حولنا ، إذن ربما لايزال هناك وقت قبل فقدان الوعي الكلي ..دنت مني الطبيبة وطلبت مني مجددا أن أتنفس بعمق أكثر ففعلت، وهنا بدأت أشعر أن اللوحة الكبيرة أمامي تتحرك بانسيابية إلى الاسفل أو انني أنا من يصعد إلى الأعلى ببطء، المهم أن هناك "شيئا ما يحدث" ويبدو أن فقدان الوعي بات قاب قوسين أو أدنى، مر بذهني شريط سريع من التساؤلات والمخاوف، وتركزت أفكاري عند شخصين ..زوجتي وابني، ثم مر ببالي خاطر آخر أقلقني..هل لازال أمامي بعض الوقت كي أردد أي دعاء أو اذكر الله الان أو حتى أقرأ الفاتحة؟ الطريف أنني كنت اتساءل بدلا من أن انفذ ما أريد فعله على الفور ويبدو أن وعيي كان يتسرب في تلك اللحظات لذا كنت مشوشا إلى حد ما..

 إلا أنه وقبل أن أغيب عن الوعي بثوان معدودة قام ذلك الطبيب الألماني بآخر فعل كنت أتوقعه على الإطلاق وهو  الأمر الذي لم أنساه حتى هذه اللحظة ولا أظن أنني سأنساه ما حييت .. لقد التفت لي ويبدو أنه أدرك أنني أنزلق سريعا إلى عالم اللاوعي، وإذا به يشير لي بيده ويقول بابتسامة واسعة وبعربية مكسرة إلا أنها بدت لي كأعذب موسيقى سمعتها أذناي : "بسم الله" ..!! حينها شعرت براحة عجيبة واطمئنان غير عادي غمراني وأنا أردد بعده بهدوء وبلسان بدأ يثقل قليلا "بسم الله"...

 ثم أظلمت الدنيا تماما أمام عيني ولم أعد أدر بشيء مما حولي....


 يتبع