Pages

January 28, 2018

...ألغاز الماضي و الحاضر




Pic is from Pixabay




أنيس الباشا

يدرك الجميع أننا نعيش في عصر الإنترنت والفضاء المفتوح وشبكات التواصل الاجتماعي حيث يمكن للمرء الوصول للمعلومة بضغطة زر، وإذا ما أراد شخص أن يبحث عن مرجع ما أو يستوثق من معلومة أو خبر فكل ما عليه فعله هو امتلاك جهاز كومبيوتر أو هاتف ذكي أو الذهاب لاقرب مقهى انترنت كي يجد كل ما يريد أن يبحث عنه وبلغات عدة. بالإضافة إلى أن التقدم الكبير في صناعة وتطوير الأجهزة الإليكترونية جعل من تناقل الاخبار وتوثيقها مسألة أكثر سهولة حيث يمكن للمرء أن يقوم في أي لحظة بتصوير أو تسجيل ما يريد بواسطة هاتف صغير لا يتجاوز حجمه راحة اليد.


ومع كل هذا التقدم والتطور في الوسائل والوسائط والأدوات، هل يمكن لأحد الجزم بأن نسبة التيقن والتثبت من المعلومات والأخبار والأحداث في عصرنا هذا يمكن أن تصل إلى 100%؟

نوضح أكثر ونضرب أمثلة، مؤخرا رأينا وسمعنا عبر وسائل الاخبار وشبكات التواصل خبر مقتل رئيس اليمن السابق علي عبدالله صالح، وبغض النظر عن الخلفية السياسية لهذا الموضوع، فإن ما يثير الانتباه في هذه القضية هي أنه وبالرغم من كل الصور والفيديوهات والروايات والتحليلات التي تم تداولها حول هذا الموضوع فإنه ليس بإمكان أحد أن يجيب عن سؤال واحد هو كيف وأين ومتى بالضبط تم قتل الرجل؟ هناك بالطبع تكهنات وأقوال متعددة لكن ليس هناك رواية واحدة يمكن أن يتفق عليها الجميع، مع أن الحوادث التي سبقت ورافقت وتعدت هذه المسألة كان بعضها موثقا بالصوت والصورة وهناك عشرات الناس ممن عايشوها أو عاينوها، ومع ذلك لا زال هناك نوع من الغموض في الموضوع!

نفس الشيء ينطبق على مقتل رئيس ليبيا معمر القذافي.. فلحد الآن لا يُعرف بالضبط كيف تم الايقاع بالرجل وما الذي حصل بالضبط في اللحظات الاخيرة من حياته قبل أن يتم قتله ومن الذي وشى به وكشف مكان وجوده، وكذلك الأمر في قصة قبض القوات الأمريكية في العراق على صدام حسين، فهناك روايات وشهادات واعترافات يمكن لأي شخص قراءتها وسماعها بضغطة زر ومع ذلك ليس هناك رواية محددة يجمع عليها الكل بخصوص هذا الموضوع وتخبرنا بالضبط كيف تم الايقاع بالرجل!

 قبل بضعة أشهر قامت قوات النظام السعودي بمداهمة منطقة تدعى العوامية في شرق البلاد وحصلت معارك واشتباكات وقتل واعتقالات وهدم للبيوت ومع ذلك لا يمكن لأي شخص لو استخدم كل وسائل الاتصالات او حتى تواصل مباشرة مع أشخاص كانوا على علاقة بمسرح الأحداث أن يخرج برواية واحدة محكمة ودقيقة عما حصل هناك بالفعل. من جانب آخر، لا تزال إلى الآن قصة استيلاء تنظيم داعش على مساحات شاسعة في العراق وسوريا قبل ثلاث سنوات واعلان دولة خلافتهم هناك مسألة غامضة لا يمكن لأي باحث أو مدقق معاصر أن يجد لها اجابات واضحة شافية تخبرنا بالضبط ما الذي حصل وكيف تم.؟

فإذا كانت كل وسائل الاتصالات والمواصلات الحديثة وإلى جانبها كل شبكات الإنترنت ومحركات البحث العملاقة مع كل المحتويات المرئية والمسموعة والمقروءة التي اصبحت في متناول الجميع لا تستطيع أن تجيب على تساؤلات بخصوص أحداث قريبة لم يمض عليها بضع سنوات أو بضعة أشهر أو حتى بضعة أسابيع فكيف يمكن أن نعتقد أو نصدق بأن الناس قبل ألف عام كانت لديهم الإمكانية للتثبت من مرويات وحكايات وأقوال سواء تلك التي نسبت للرسول عليه الصلاة والسلام أو لغيره؟

عندما يتم النقاش مع من يؤمنون بصحة وقدسية كتب دينية تراثية وضعها بشر مثل البخاري ومسلم وغيرهما ويُقال لهم أن احتمالات الخطأ واردة جدا وأن طريقة "حدثني فلان عن أبيه عن جده.." لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق والتيقن من أن كل ما جاء عبرها صحيح، حينها ينبري لك هؤلاء قائلين بأنك جاهل وأن الناس – قبل ألف عام – كان بإمكانهم نقل الخبر والحكاية وذكر وقائعها وتفاصيلها كما حصلت تماما، ومطلوب منك بعد ذلك أن تصدق وتقتنع بهذا الكلام الذي لا يدعمه عقل ولا منطق ولا يصمد إذا ما قارناه بكل وسائل التكنولوجيا التي نمتلكها حاليا والتي لا يمكنها مع ذلك أن تنقل لنا كل شيء بشكل واضح لا لبس فيه..

ويمكن لأي شخص أن يدرك مدى مشقة هذا الأمر قديما حين يتخيل كم كانت المدة التي يحتاجها المرء ليسافر فقط من مكان لآخر تفصلهما بضع عشرات أو مئات من الكيلومترات باستخدام الدواب كالجمال والخيول، ثم صعوبة التثبت والتيقن من الأحداث كما حصلت خصوصا بعد أن يمر عليها عشرات ومئات السنين وتصبح روايتها مرهونة ومعتمدة فقط على قوة ذاكرة البشر، والأدهى أن هؤلاء البشر قد لا يكونون ممن عاصروا أو شهدوا تلك الأحداث بأنفسهم بل هم بدورهم سمعوها من غيرهم ونقلوها إلى غيرهم وهكذا دواليك..!

لذلك فإن النص الوحيد الذي جاء منذ مئات السنين و يمكن الاعتماد عليه بشكل مطلق وتصديق كل ما جاء فيه بلا أدنى درجة من الشك أو التردد على الإطلاق هو الوحي الإلهي الذي نزل مباشرة من السماء إلى الرسول الكريم الذي اصطفاه الله ليكون خاتم النبيين وهذا الوحي متمثل لدينا في كتاب الله وأسباب عصمة هذا الكتاب وبقاؤه كما هو بلا أي تبديل أو تحريف معروفة ومحسومة ولا يجادل فيها إلا من يبحث عن مخرج واهي ليرفع به كتب التراث إلى مرتبة الوحي، وكل ما عدا ذلك من مرويات وأحاديث وقصص وأخبارهي أمور تخضع للدارسة والتمحيص والغربلة والمقارنة والأخذ والرد ولا  يجب التعامل معها كمسلمات لمجرد أن مدارس الفقه التراثي أضفت قدسية ونوع من العصمة على ناقلي ومؤلفي هذه الكتب والأخبار، فلو أن هؤلاء الناس توافرت لهم آنذاك كل وسائل الاتصال والنقل الحديثة لما استطاعوا التيقن من كثير من الأمور لمجرد أنهم عايشوها فكيف ونحن نتكلم عن أناس عاشوا وماتوا قبل مئات السنين في عصر كان على المرء أن يسافر فيه لأشهر كي يبحث عن خبر أو يتأكد من معلومة سمعها أحدهم من جد جده وهو نفسه لم يعايشها ويعاينها رأي العين؟


من المؤسف أن تعصب البعض وتمترسهم خلف كل ما جاء في كتب التراث وأخبار السابقين يجعلهم يتعامون عن رؤية وإدارك هذه الحقيقة البسيطة، وهكذا أصبح التعامل مع أخبار وروايات الماضي لا يخضع لمنظور علمي أو منطقي بل يتبع العاطفة والمشاعر والانفعالات والتعصب الأعمى ،  ولذلك وقعنا في تخبط وجمود فكري وعقلي وأصبحنا نتعامل مع كثير من الأشياء بدون أن نخضعها للفحص والتحليل بل نعتبرها حقائق ومسلمات من منظور عاطفي بحت برغم أن الكثير منها قد لا يسلم من التحريف والتزوير أحيانا أو من الاختلاق والمبالغة في أحيان أخرى تماما مثل أخبار وقصص الواقع التي يصلنا كثير منها بشكل غامض أو ناقص يصعب علينا سبر غوره برغم كل ما نحيا فيه من تقدم وتكنولوجيا ومع ذلك ظلت وستظل ألغازا يصعب حلها!


December 29, 2017

!.... لا باكل ولا باشرب



Pic is from Pixabay





أنيس الباشا

القهوة تضر بالضحة.. القهوة مفيدة للصحة .. شرب الليمون على الريق يطرد السموم من المعدة، شرب الليمون على الريق يضر المعدة .. بدائل السكر آمنة وتفيد مرضى السكر، بدائل السكر ضارة وتسبب السرطان.. الفاصوليا تهدىء الاعصاب وتقوي الكبد، الفاصوليا تهيج الأعصاب وتضعف البنكرياس، البردقوش مضاد للأكسدة .. البردقوش يسبب الأكسدة!

حين يتعلق الأمر بالأكل والشرب، فلا شك أننا نقرأ أو نسمع عشرات العبارات المشابهة لما كُتب أعلاه، فكل شيء يتأرجح بين كونه "مفيدا" و "ضارا" في نفس الوقت حتى لا يدري المرء ما الذي عليه أن يأكله وما الذي يجب عليه أن يتجنبه! فالأبحاث والدراسات لا تتوقف ليلا ولا نهارا لتخبرنا أن ما كنا نظنه – بحسب أبحاث ودراسات أخرى سابقة– جيدا أو على الأقل غير ضار أصبح بقدرة قادر ضارا وخطرا على الصحة! والعكس أيضا يحدث.. فالدراسات والأبحاث لا تتوقف أيضا كي تخبرنا أن المواد التي كانت بالأمس ضارة وغير مفيدة قد أصبحت آمنة بل وتُفيد الصحة، وبعد مضي بعد الوقت تعود تلك الأبحاث لتؤكد لنا أن تلك المواد ضارة وهكذا دواليك!

تعودت على تلقي عشرات الرسائل والمسجات التي تكون عناوينها دائما على غرار "أشياء نأكلها ولا نعرف خطورتها" أو "لن تأكل هذه المأكولات بعد مشاهدتك لهذا الفيديو" أو "احذر من هذه المأكولات" أو "اقرأ على روحك الفاتحة إذا كنت تأكل من هذه المأكولات.." ...

وفي مرات قليلة جدا أسمح لنفسي بقراءة أو مشاهدة ما يأتي في هذه الرسائل و حينها لا أشعر بأنني استفدت شيئا سوى أن كل ما تعودنا على أكله لسنوات وتعود على أكله من قبلنا آباءنا و أجدادنا كان هو الخطر بعينه ونحن لا ندري..! ويبدو أن الناس كانت طوال هذه السنوات تأكل أحماضا أمينية أو سموم شديدة الفتك والتدمير وهم لا يعرفون!

ثم هناك تلك المقاطع التي تصلح كأفلام للرعب وهي عبارة عن مقاطع مصورة تخبرك ببساطة أن الشركات والمصانع المختصة بصنع الأغذية تقوم باضافة ما لا يخطر ببالنا من مواد سامة ومسرطنة ومشعة ومدمرة وتحرص هذه الشركات على أن تقوم بخلط كل هذه المكونات ووضعها في علبة سردين بريئة أو في مغلف بسكويت أو حلوى لذيذة، حتى علبة الزبادي عليك أن تحذر منها ولا تنس أن أكياس الشاي التي يشربها الناس يوميا تحتوي على مواد تسبب السرطان، فإذا ما قررت أن تترك كل هذا وتكتفي بشرب بعض الماء قالوا لك احذر لأن عبوات الماء تسبب الكثير من الأمراض ومن بينها السرطان بالطبع. ويبدو أن أفضل طريقة لحماية نفسك من هذا كله هي أن تتبع عنوان الأغنية الشهيرة للمطربة سميرة توفيق "لا باكل ولا باشرب"!

إذن ما الذي يحصل بالضبط؟ وهل العلم والأبحاث والدراسات التي تُجرى في المختبرات على مختلف أصناف الطعام والشراب صحيحة ودقيقة أم أن الغرض منها هو جعلنا نتشكك في كل شيء؟ والسؤال الأهم والأخطر هنا.. ما مدى صحة هذه المعلومات التي نقرأها خصوصا تلك التي تصلنا من الأهل والاصدقاء والمعارف وغيرهم ويتم تدوالها على نطاق واسع عبر شبكات التواصل بدون أن يتوقف أحد ليدقق فيما وصله قبل أن يرسله لغيره؟
الغريب أن كثير من الناس بمجرد قراءته لمعلومة ما أو خبر يقوم فورا بتبني الموضوع  بحماس ويبادر بإرساله إلى الغير بل وتجده مستعدا للمجادلة والدفاع عن تلك المعلومة بشراسة والويل كل الويل لمن يرفض التصديق أو يُبدي بعض التشكك أو يرفض إرسال المعلومة إلى عشرة آخرين! وهذه الحماس الأعمى في تلقي وارسال المعلومات لا يقتصر على الطعام والشراب بل يتعداه إلى كل المجالات الحياتية والعلمية والدينية "وهذه الأخيرة تستحق موضوعا خاصا منفصلا لوحده!"

ولو أننا جميعا نقضي بعض الوقت في التأكد من كل ما يصلنا وغربلته وفرزه لوفرنا على أنفسنا وعلى الآخرين الكثير، إذ ليس كل مقروء مُصدق وليس كل ما يقوله الآخرون أو نقرأه أو يصلنا عبر وسائل الإتصالات الحديثة هو حقائق لا تقبل مجرد الشك، وصدق الأقدمون حين قالوا منذ زمن "إذا كان المتكلم مجنون فالمستمع عاقل".
أما فيما يتعلق بمسألة الأكل والشرب، فالمرء لا يحتاج لأن يكون عالما حيويا أو متخصصا في الهندسة الزراعية أو حتى في علوم الفضاء ليضع لنفسه قواعد بسيطة يميز فيها بين ما هو ضار وما هو نافع، فمثلا من أبسط القواعد التي يمكن اتباعها هي أن "ما زاد عن حده انقلب إلى ضده" فمثلا الجزر والموز والشاي الأخضر وغيرها من المواد مفيدة لجسم الانسان لكن الاكثار من أيا منها يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير مستحبة، لا بأس بأن تشرب القليل من القهوة لكن من يدمن على شرب عشرين كوب قهوة يوميا هو بالقطع يؤذي صحته وهكذا.

القاعدة الثانية مستندة إلى الحديث النبوي المعروف "استفتي قلبك وإن افتوك"، فأنت أدرى الناس بجسمك وما يمكن أن يضره أو ينفعه، ولو أن كل مؤسسات ومختبرات الأغذية في العالم وعلى رأسها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وهي أشهر منظمة حكومية مسئولة عن الإشراف على سلامة الأغذية والأدوية أكدوا مثلا أن أمعاء السحالي أو بول التماسيح أو لعاب الصراصير تفيد الصحة فبإمكانك ألا تصدق هذا الكلام وألا تتناول أبدا أمعاء السحالي على الغداء أو تشرب بول التماسيح على الريق وهكذا تكون قد حميت نفسك من هذا الهراء. كذلك لا تصدق التهويل المبالغ فيه، فعلبة الفاصوليا أو قطعة البسكويت أو قليل من البطاطا المقلية لن تسبب لك السرطان وضمور الأعصاب والتهاب المفاصل وفقدان السمع والعمى.

إننا نعيش في عصر الإنترنت وتطبيقاته المتنوعة وشبكات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها حيث تتطاير المعلومات وتنتشر من مكان لآخر بضغطة زر وفي غمضة عين، لذا لا بد من نغربل قليلا ما يصلنا من هذه المعلومات وأن نتروى قبل تصديق كل شيء وأن نبذل جهدا أكبر في البحث والتيقن من المعلومة قبل مشاركتها مع الآخرين، مالم سيستمر مسلسل الأوهام والأكاذيب التي ظاهرها العلم الموثق بالصوت والصورة وباطنها الجهل والخرافة المغلفة بأزرار الهواتف الذكية وتطبيقاتها الجذابة!
         



December 27, 2017

...! مريم الشقراء ويوسف الكاوبوي





أنيس الباشا

لا شك بأن أعياد الميلاد هي أهم مناسبة احتفالية في أوروبا حتى بالنسبة لغير المتدينين، وفي الحقيقة فإن مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة يطغى عليها الطابع التجاري والاجتماعي أكثر من الديني حيث يقوم الناس بشراء وتبادل الهدايا وتتجمع العائلات والأصدقاء للاحتفال بهذه المناسبة، وبمجرد خروج المرء للشارع يلمس ويرى مظاهر الاحتفال في الشوارع والمراكز التجارية وحتى في البيوت حيث تعلق الزينات والأضواء وأشجار الميلاد المزينة والمزخرفة في كل ركن وفي كل مكان. بالنسبة لنا كمسلمين، فإننا لا نحتفل بهذه المناسبة، وحتى عندما نهنىء أصدقاءنا ومعارفنا بهذه المناسبة فإننا نتمنى لهم "عيد ميلاد سعيد" ويردون هم بتمنياتهم لنا بقضاء "إجازة طيبة". لكن هذا لا يمنعنا من الاستمتاع بتلك الأجواء الحميمية التي تسبق وترافق هذه المناسبة.  


منذ بداية شهر ديسمبر أعلمتنا المدرسة التي يدرس فيها ابننا بأنه سيكون هناك احتفال صغير في المدرسة بمناسبة أعياد الميلاد حيث سيتم عرض مسرحية يمثل فيها أطفال الصف الذي يدرس فيه ابني. وقد قامت مربية الفصل بتوزيع أدوار وحوارات المسرحية على الأطفال. وقد عاد ابني من المدرسة وهو يحمل ورقة كبيرة كُتب عليها الحوار بالكامل وجوار كل فقرة اسم الطفل أو الطفلة الذي سيلقي هذا الجزء من الحوار أو ذاك. كان دور ابننا في تلك المسرحية هو شخصية القديس يوسف النجار وهو – بحسب المعتقدات المسيحية- كان خطيبا للسيدة العذراء مريم. كان ابني متحمسا للغاية للمسرحية ولدوره فيها إلى درجة أنه لم يكتف بحفظ الحوار الخاص بالشخصية التي  سيقوم بأداءها وإنما قام بحفظ الحوارات الخاصة ببقية الشخصيات أيضا!

نصوص الحوار الخاصة بالمسرحية

كان علينا من أجل الاستعداد للدور أن نقوم بشراء زي مناسب لشخصية القديس يوسف، بحثنا في الانترنت ووجدنا أزياء بأسعار مرتفعة قياسا لدور في مسرحية صغيرة لن تتعدى نصف ساعة وجمهورها محصور في آباء وأمهات أطفال الصف، لذلك قررنا أن نتبع الطريقة الألمانية التي تتميز بالعملية والتوفير. أخبرتنا أحد الأمهات الألمانيات أن كل ما علينا فعله هو شراء شوال من الخيش ثم نقوم بعمل فتحات فيه من أجل إدخال الرأس والذراعين وهكذا يصبح الشوال زيا مناسبا للدور! وكما علقت لاحقا أحد الجدات ممن حضروا الحفل : "إن جوزيف كان فقيرا وليس بمقدوره شراء ملابس غالية الثمن"! 

راقت لنا الفكرة فذهبت مع ابني إلى السوق لشراء شوال فارغ، لكن ابني الذي كان يتوقع زيا خاصا أصيب بالدهشة حين رآني أتفحص أحجام الشوالات في أحد محلات مواد البناء لكني شرحت له الأمر وقمت بشراء الشوال الذي كلفني ستة يوروهات وقامت زوجتي بعمل فتحات فيه للرأس والذراعين، وطلبت من ابني تجربته ورغم أنه كان غير مقتنعا تماما بالفكرة ألا أن الشوال البسيط بدا مناسبا للدور. كانت معلمة الصف قد أخبرت الأطفال بأنها ستقوم بتوفير أغطية رأس مناسبة للممثلين. وحين جاء يوم الاحتفال أخذنا الزي "الشوال" وجهزنا طبق من أجل البوفيه المفتوح الذي سيقام هناك وتوجهنا إلى المدرسة.

الشوال الذي بدا مناسبا ليكون زي القديس جوزيف


وهناك رحبت بنا مربية الفصل وأخبرتنا أن نصعد إلى الصف لنرتاح قليلا إلى أن يتم اعداد المكان من أجل المسرحية، وهكذا جلسنا مع بقية الآباء والأمهات بينما بقى الأطفال مع معلمتهم في الدور الأرضي حتى جاءت إحدى المعلمات لتخبرنا أن المسرحية سوف تُعرض الآن فنزلنا جميعا واتخذنا أماكننا والجميع متحمس لرؤية أداء الأطفال. وعندما بدأ العرض لم يسعنا إلا أن نشعر بالإعجاب للطريقة التي قام بها الأطفال بأداء ادوارهم. كان العرض جميلا بكل أجزائه، المقدمة الموسيقية التي سبقت المسرحية، الشخصيات، الحوارات، ورغم أنها المرة الأولى لطلاب هذا الصف التي يؤدون فيها مسرحية أمام الجمهور ألا أنه لم يكن هناك أخطاء وقد قدموا العرض المسرحي بطريقة جميلة وعفوية استحقوا عليها ذلك التصفيق الكبير الذي قوبلوا به عند الانتهاء.


كان المشهد الخاص بابني عبارة عن حوار ثنائي بين "يوسف" و "مريم" يخبرها فيه جوزيف بأن الله سيكون معهم ولن يتخلى عنهم، والطريف أن ابني أثناء تمثيله للدور كان يختلس النظرات باتجاه أمه التي تشاهده! لكن ما لفت انتباهنا هو أن غطاء الرأس الخاص بيوسف والذي أعطته المعلمة لابني كان عبارة عن قبعة غربية على طراز قبعات رعاة البقر الأمريكيون وهو ما تناقض بشدة مع شوال الخيش الذي كان يرتديه، وفي الحقيقة كان بقية الأولاد أيضا يرتدون قبعات عصرية بينما الملابس والأدوار التي يؤدونها تعود لحقب قديمة وهو الأمر الذي ذكرنا بطريقة الغربيين المتحيزة والمخطئة في نفس الوقت في تصوير عيسى عليه السلام كشخص أوروبي أبيض البشرة له شعر أشقر وعيون زرقاء و أمه أيضا السيدة مريم بشعر أشقر وعيون زرقاء!  





كان الأطفال سعداء للغاية حين انتهى العرض وبدا أنه راق للحضور، صعدنا بعدها مجددا لغرفة الصف وبدأنا في الأكل وتجاذب أطراف الحديث مع بقية الآباء والأمهات بينما انهمك الأطفال في اللعب والمرح، بعد انتهاء الأكل قام الجميع بترديد بعض الأغاني المشهورة الخاصة بهذه الاحتفالات، وقد قامت مربية الفصل بتوزيع كتيبات صغيرة بها كلمات الأغاني حتى يتمكن الجميع من الغناء، وقد سألت الأب الجالس بجواري ما اذا كان يحفظ هذه الاغاني عن ظهر قلب ألا أنه أخبرني أنه هو الآخر يقرأ من الكتيب لأنه لا يحفظ معظمها.


أطباق مختلفة قام الأهل بإعدادها من أجل الاحتفال


بشكل عام كان الاحتفال بسيطا وجميلا في نفس الوقت كما أن المسرحية التي أداها الأطفال أضافت لمسة أخرى جميلة للأمسية حيث كان أداء الأطفال عفويا ومنسجما، وقد احتفظنا ب "الزي" الذي ارتداه ابني عند أدائه للدور لكن بدون تلك القبعة العصرية بالطبع التي صحيح أنها لم تنسجم مع الملابس الرثة لشخصية القديس يوسف وإن كانت لم تقلل من جمال وبساطة المسرحية في نفس الوقت.